د احمد حلقة يكتب.. الإمام علىّ بن أبى طالب



كان الإمام علي بن أبي طالب أوّلَ مَن أسلم مِن الأطفال ، ولم يَسجد لِصنم قَطّ ، وكان غزيرَ العِلم .
شهد حضرتُه المشاهدَ كُلَّهَا إلاَّ تبوك .
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عنه يوم خيبر {لأعطينَّ الرايةَ غداً لِرَجُل يَفتح الله على يديه ، يحِبّ اللهَ ورسولَه ، ويحبّه اللهُ ورسولُه} ، فبات الناسُ ليلتَهم يَدُوكون ويختلفون : أيّهم يُعطاها ؟ فلَمّا أصبحوا غدوا على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كُلّهم يرجو أنْ يُعطاها ، فقال حضرتُه {أين علِىّ بن أبى طالب ؟} ، فقيل :” يا رسول الله .. يشتكى عينيه ” ، قال {فأَرسِلوا إليه} ، فأُتِى به ، فبصق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فى عينيه ودَعَا له ، فبرئ حتى كأنْ لم يَكُنْ به وجع ، فأعطاه الراية ..
قال علِىّ رضى الله عنه :” يا رسول الله .. أقاتِلهم حتى يَكونوا مِثلَنَا ؟ ” فقال {انفُذ على رِسلِك حتَّى تَنْزِلَ بساحَتِهِمْ ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلى الإسلام ، وأَخْبِرْهُمْ بما يَجِبُ عليهم مِن حَقِّ اللَّهِ تعالى فِيهِ ؛ فَواللَّهِ لَأَنْ يَهْدِىَ اللَّهُ بكَ رَجُلاً واحِداً خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَم} .
وعن سعد بن أبى وقاص – رضى الله عنه – قال : خلف رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – عليّاً فى غزوة تبوك ، فقال :” يا رسول الله .. تخلفنى فى النساء والصبيان ؟! ” قال {أمَا تَرضَى أنْ تَكون منى بمنزلة هارون مِن موسى غيرَ أنّه لا نَبِىَّ بعدى ؟} .
وفى صحيح مسلم : قال علِىّ رضى الله عنه : واللهِ إنّ لَمِمَّا عَهِد إلىّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنّه لا يبغضنى إلاَّ منافِق ، ولا يحبنى إلاَّ مؤمِن .
قال معاوية لِضرار بن ضمرة :” صِفْ لى عليّاً ” فأجابه :” أوَ تعفينى ؟! ” فقال :” بل تصفه ” ، فأجابه مرّةً أخرى :” أوَ تعفيني ؟! ” فقال :” لا أعفيك ” ، فقال ضرار : أمَّا إذا كان لا بدّ فإنّه – واللهِ – كان بعيدَ المدى شديدَ القُوَى ، يقول فصلاً ويَحكم عدلاً ، يتفجر العِلم مِن جوانبه وتنطق الحكمة مِن نواحيه ، يَستوحش مِن الدنيا وزهرتها ويَستأنس بالليل وظلمتِه ، كان – واللهِ – غزيرَ الدمعة طويلَ الفكرة ، يقلِّب كفيه ويخاطِب نفسَه ، يُعجبه مِن اللباس ما خَشُن ، ومِن الطعام ما كان جافّاً خشناً ، يعظِّم أهلَ الدين ويحبّ المساكين ، لا يطمع القوىّ فى باطلِه ، ولا ييأس الضعيف مِن عدله ، فأَشهَد بالله لقد رأيتُه وقد أَرخَى الليل ظلمتَه وقد مَثُل فى محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململَ السليم ويبكى بكاءَ الحزين ويقول :” يا دنيا .. أبى تعرضتِ ؟! أَمْ إلىّ تشوقتِ ؟! غُرِّى غيري ؛ قد بتَتُّكِ ثلاثاً لا رجعةَ لى فيكِ ؛ فعمركِ قصير وعيشكِ حقير وخطركِ كبير .. آهٍ مِن قلة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق ..
فذرفَت دموع معاوية على لحيتِه ثم قال : رحم الله أبا الحسن ؛ كان – واللهِ – كذلك .
قال الأرقم : رأيتُ عليّاً يبيع سيفاً له فى السوق ويقول : مَن يشترى هذا السيف ؛ فوالذى فَلَق الحبّةَ لَطالما كشفتُ به الكربَ عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو كان عندى ثَمَنُ إزار ما بعتُه .

  • مِن كلامه رضى الله عنه :
  • ليس الخير أنْ يَكثر مالك وولدك ، ولكن الخير أنْ يَكثر عملك ويَعظم عِلمك ، ولا خيرَ فى الدنيا إلاَّ لأحد رَجُلَيْن : رجل أذنبَ ذنوباً فهو يَتدراك ذلك بتوبة ، أو رجل يسارِع فى الخيرات .
  • لا يَقِلّ عمل مع تقوى ؛ وكيف يَقِلّ ما يُتقبَّل ؟!
  • إنّ أَخوفَ ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل ؛ فأمَّا اتباع الهوى فيصدّ عن الحقّ ، وأمَّا طول الأمل فيُنسِى الآخرةَ .. ألاَ وإنّ الدنيا قد ارتحلَت مدبِرةً .. ألاَ وإنّ الآخرة قد ارتحلَت مقبِلةً ، ولِكُلّ واحد منهما بنون ؛ فكونوا مِن أبناء الآخرة ولا تَكونوا مِن أبناء الدنيا ؛ فإنّ اليوم عملٌ ولا حساب ، وغداً حساب ولا عمل .
  • اعلموا أنّكم ميتون ومبعوثون بعد الموت وموقوفون على أعمالكم ومجزيّون بها ؛ فلا تغرنكم الحياة الدنيا ؛ فإنّها دار بالبلاء محفوفة ، وبالفَناء معروفة ، وبالغدر موصوفة .. كُلّ ما فيها إلى زوال ، وهى بين أهلها دول وسجال ، واعلموا أنكم وما أنتم فيه مِن زهرة الدنيا على سبيلِ مَن مضى ممن كان أَطوَلَ أعماراً وأَعمَرَ دياراً ؛ فأصبحَت أجسادهم باليةً وديارهم خاليةً فى القبور التى محملها مقترِب واسكنها مغترِب ، وقد طحنهم بكلكله البلى وأكلتهم الجنادل والثرى ، وكان قد صرتم إلى ما صاروا إليه من الوحدة والبلى فى دار الموتى ، فكيف بكم لو تناهت الأمور وبُعثِرَت القبور وحُصِّل ما فى الصدور ؟! هنالك تُجزَى كل نفس بما كَسَبَت .
  • ألاَ إنّ الفقيه كُلّ الفقيه الذى لا يُقنِط الناسَ مِن رحمة الله ، ولا يؤمِّنهم مِن عذاب الله ، ولا يُرَخِّص لهم فى معاصى الله ، ولا يَدَع القرآنَ رغبةً عنه إلى غيره ، ولا خيرَ فى عبادة لا عِلْمَ فيها ، ولا خيرَ فى عِلْم لا فَهْمَ فيه ، ولا خيرَ فى قراءة لا تَدَبُّرَ فيها .
  • يا أيها الناس .. خذوا عنى هذه الكلمات ؛ فلو ركبتم المطىّ حتى تنضوها ما أصبتم مثلها : لا يرجونّ عبد إلاَّ رَبَّه ، ولا يخافنَّ إلاَّ ذنبَه ، ولا يستحيى إذا لم يَعلم أنْ يَتعلم ، ولا يستحيى إذا سُئِل عَمَّا لا يَعلم أنْ يقول : الله أَعلَم ، واعلموا أنّ الصبر مِن الإيمان بمنزلة الرأس مِن الجسد ؛ ولا خيرَ فى جسد لا رأسَ له .
  • القلوب أوعية ، وخيرها أوعاها لِلخير .
  • الناس ثلاثة : فعالِم ربّانىّ ، ومتعلِّم على سبيل النجاة ، وهمج رعاع أتباع كُلّ ناعق ؛ يَميلون مع كُلّ ريح ، لم يستضيئوا بنور العِلم ، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق .
  • العِلم خير مِن المال .. العِلم يَحرسك ، وأنت تَحرس المال .. العِلم يزكو مع العمل ، والمال تُنقِصه النفقة .. العِلم حاكم ، والمال محكوم عليه .. صنيع المال يزول بزواله ، ومحبة العالِم دين يدان بها .. مات خُزّان المال وهُمْ أحياء ، والعلماء باقون ما بقى الدهر ؛ أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم فى القلوب موجودة .. هجم بهم العِلم على حقيقة الأمر ؛ فاستلانوا ما استوعَرَ منه المترَفون ، وأَنِسوا بما استوحَش منه الجاهلون ، صَحِبوا الدنيا بأبدان أرواحُها معلَّقة فى المحلّ الأعلى .. آهِ شوقاً إلى رؤيتهم .
  • لقد رأيتُ أصحابَ محمد – صلى الله عليهم وسلم – فما أرى اليومَ شيئاً يشبِههم ؛ لقد كانوا يصبحون صُفراً شُعثاً غُبراً , بين أيديهم كأمثال ركب المغزى , قد باتوا لله سجّداً وقياماً , يَتْلُون كتابَ الله تعالى ، يراوحِون بين جباههم وأقدامهم , فإذا أصبَحوا فذكروا اللهَ تعالى مادُوا كما يَمِيد الشجر فى يوم الريح وهملت أعينهم حتى تبلّ ثيابهم ، واللهِ لكأنّ القوم باتوا غافلين .
    وعن ابن عباس – رضى الله عنهما – قال : ما انتفعتُ بكلام أحد بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – انتفاعى بكِتاب كَتَبه إلىّ علِىّ بن أبى طالب ؛ قال فيه : أمَّا بعدُ .. فإنّ المرء يسوءه فوتُ ما لم يكن لِيدركه ، ويَسُرّه إدراكُ ما لم يكن لِيَفوته ؛ فليكن سرورك بما نلتَ مِن أمر آخرتك ، وليكن أسفُك على ما فاتك منها ، وما نلتَ مِن دنياك فلا تكثرنّ به فرحاً ، وما فاتك منها فلا تأسَ عليه حزناً ، وليكن هَمُّك فيما بعد الموت .
    وعن علِىّ – رضى الله عنه – أنّه شَيَّع جنازةً ، فلَمّا وُضِعَت فى لحدها عَجّ أهلها وبكوا ، فقال : ما يبكون ؟! أمَا – واللهِ – لو عاينوا ما عاين ميتهم لأذهلتهم معاينتُهم عن ميتهم ، وإنّ له [ أىْ لِلموت ] فيهم لَعودةً ثم عودةً حتى لا يُبقِى منهم أحداً ..
    ثم قام فقال : أوصيكم – عبادَ الله – بتقوى الله الذى ضَرَب لكم الأمثالَ ، ووَقَّت لكم الآجالَ ، وجَعَل لكم أسماعاً تعى ما عناها .. إنّ الله لم يخلقكم عبثاً ، ولم يَضرب عنكم الذِّكْرَ صفحاً ؛ بل أَكرمَكم بالنعم السوابغ وأَرصَدَ لكم الجزاء ، فاتقوا الله عبادَ الله ، وجِدّوا فى الطلب ، وبادِروا بالعمل قبل هادم اللذات ؛ فإنّ الدنيا لا يدوم نعيمها ، ولا يؤمَن فجيعها ، غرور حائل وسناد مائل .. كأن قد علقتكم مخالب المنية ، وضُمِمتم بيتَ التراب ، ودهمتكم مفظعات الأمور بنفخة الصُّور ؛ كُلّ نفس معها سائق يَسوقها لِمحشرها ، وشاهِد يَشهد عليها بعملها ، {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِىءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُون} .
    اللهم اجعلنا مِن الذين يَستمعون القولَ فيَتّبعون أَحسَنَه .
    والله يَقول الحقَّ، وهو يَهدى السبيل.

شاهد أيضاً

فاتن الصعيدي تكتب.. من يربي أبناءنا؟ حين يغيب البيت يحضر الشارع

عندما يصبح الشارع هو المربي الأول لأبنائنا فلا تلوموا أبناءكم عندما يتغيرون وتتبدل سلوكياتهمنحن أمام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *