في المساء الذي انطفأت فيه الكهرباء للمرة الثالثة، جلستُ أمام طاولةٍ خشبية صغيرة، أحدّق في الورقة البيضاء كما لو كانت نافذةً ضيقة نحو حياةٍ أخرى.
كنتُ كاتبة… أو هكذا كنتُ أقول لنفسي.
كتبتُ قصصًا كثيرة عن نساءٍ ينجون في اللحظة الأخيرة، وعن مدنٍ تستعيد ضوءها بعد عتمةٍ طويلة. لكنني، في الحقيقة، لم أكن أعرف كيف أكتب عن نفسي.
خارج النافذة كان الشارع خاليًا إلا من مصباحٍ يتأرجح في الريح.
المدينة تبدو ككائنٍ متعب لا يريد أن ينام.
أمسكتُ القلم وكتبت:
“كانت المرأة تنتظر نهايةً عادلة.”
توقفتُ قليلًا… ثم ابتسمتُ بسخرية، وشطبتُ الكلمة الأخيرة.
في هذه المدينة لا توجد نهايات عادلة.
في الغرفة المجاورة كانت أمي تسعل بصوتٍ متقطع. منذ أشهر وأنا أؤجل شراء الدواء، وأقنع نفسي أن الغد سيكون أفضل. لكن الغد كان يأتي كل يوم بوجهٍ أكثر قسوة.
عدتُ إلى الورقة.
كتبتُ عن امرأةٍ تعيش في مدينةٍ لا تسمع صوتها، امرأةٍ تحاول أن تكون بطلة قصتها، لكنها تكتشف في كل مرة أنها مجرد هامشٍ صغير في كتابٍ ضخم.
ترددتُ قليلًا… ثم كتبتُ الجملة الأخيرة:
“وفي النهاية، قررت المرأة أن تخرج من القصة.”
رفعتُ عيني نحو السقف المظلم.
لم أكن أعرف إن كنتُ أقصد البطلة… أم نفسي.
في الصباح، حين فتحت أمي باب الغرفة، وجدت الورقة على الطاولة، والقلم إلى جوارها.
كانت القصة مكتملة للمرة الأولى.
لكنني…
كنتُ قد خرجتُ فعلًا خارج النص.










