b_halawany@hotmail.com
منذ أيام قلائل أعلنت نتائج الثانوية الازهرية والتى تضم عشرات الآلاف من البنين والبنات من كل محافظات مصر، وتواصل شيخ الازهر بنفسه مع الأوائل وأسرهم لتهنئتهم بالنجاح والتفوق، وحصد ثمرة الكفاح المتواصل من الطلاب وأسرهم.
ورغم تغير الأجيال وما دخل على مجتمعنا المصرى من قيم دخيلة وانشغال كثير من شبابنا بما يزدحم به العصر من وسائل لهو وانشغال عن الكفاح العلمى إلا أن أبناء الازهر ما زالوا يحتفظون بقيمهم ولا تزال أسرهم تكافح لتربيتهم على الفضائل والتفانى لتحصيل العلوم والمعارف.
في زمن أصبح فيه بعض الشباب يبحث عن الشهرة السريعة، أو الثراء بلا جهد أوائل الأزهر كما عرفنا من قصص كفاحهم نقلوا لنا رسالة مهمة تقول إن الطريق إلى القمة لا يزال يبدأ من الكتاب، وينتهي بالاجتهاد، وأن الأسرة الصالحة، والمعلم المخلص، والمؤسسة التعليمية العريقة، ما زالوا قادرين على صناعة أجيال جديرة بتحمل المسئولية فى المستقبل.
فهنيئا للأزهر بأبنائه، وهنيئا لمصر بهذه النماذج المضيئة التي تؤكد أن المستقبل سيظل بخير ما دام فيه شباب يؤمن بأن الكفاح هو أقصر الطرق إلى النجاح.
في نتائج الثانوية الأزهرية لا ينبغي أن نبحث عن الأسماء والمجاميع والنسب المئوية.. لكن علينا أن نبحث خلف كل إسم من أسماء الأوائل عن قصة كفاح أسرة، أو حكاية تستحق أن تروى ليأخذ منها الآخرون القدوة والمثل.. فالأول ليس مجرد طالب حصل على مجموع مرتفع، وإنما هو شاب أو فتاة انتصر على الفقر، وهزم ضيق الحال، وقاوم ظروفا كان من الممكن أن تحطم أحلامه، لكنه آمن بأن العلم هو الطريق الوحيد إلى المستقبل، فسار فيه حتى النهاية.
اللافت للنظر هذا العام أن معظم أوائل الثانوية الأزهرية خرجوا من بيوت بسيطة، ومن أسر مكافحة لا تملك المال، لكنها تملك أغلى منه: الإيمان بقيمة التعليم، واليقين بأن النجاح لا يشترى، وإنما يصنع بالاجتهاد والانضباط والصبر.
بين هؤلاء من كان يساعد أسرته بعد انتهاء الدراسة، ومن كان يقطع مسافات طويلة للوصول إلى معهده، ومن كان يذاكر في ظروف معيشية بالغة الصعوبة، ومع ذلك لم يسمح لأي عائق أن يقف بينه وبين تحقيق حلمه فى التفوق.
وهنا تتجلى واحدة من أعظم الرسائل التي يقدمها الأزهر الشريف للمجتمع: أن التفوق لا يحتاج إلى ثروة، وإنما يحتاج إلى إرادة، وأن أبواب النجاح لا تفتحها الأموال، وإنما يفتحها الإخلاص في العمل، واحترام الوقت، والالتزام بالدراسة.
ولعل ما يميز أبناء الأزهر أيضا أنهم يجمعون بين التفوق العلمي والتكوين الأخلاقي، فهم يتلقون إلى جانب العلوم الحديثة تعليما دينيا وسطيا يرسخ قيم الرحمة والتسامح والانضباط واحترام الآخر، ولذلك فإن المجتمع لا ينتظر منهم مجرد النجاح في الامتحانات، بل ينتظر منهم أن يكونوا قدوة في السلوك والخلق.. ولهذا لم نشاهد مهرجانات رقص من الطلاب والطالبات عقب انتهاء الامتحانات الازهرية كما شاهدناها أمام بعض المدارس بعد انتهاء الثانوية العامة.. بل بدأت الامتحانات فى صمت وانتهت فى صمت ولم ينشغل بها سوى أسر الطلاب الذين أدوا الامتحانات.
أجمل ما شهدناه عقب إعلان النتيجة، ذلك المشهد الإنساني الراقي الذي قام به فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، عندما حرص بنفسه على الاتصال هاتفيا بأوائل الثانوية الأزهرية لتهنئتهم.. وتحاور معهم ومع أسرهم بكل تواضع ورحمه.
لم تكن مكالمات شيخ الازهر مجرد مكالمات بروتوكولية، بل كانت رسائل أبوية صادقة استمع إلى الطلاب، وبارك لهم، وتحدث مع آبائهم وأمهاتهم بكل تواضع ومحبة، وكأنه يشاركهم فرحة سنوات طويلة من التعب والمعاناة.
هذا المشهد أعاد إلى الأذهان الصورة الحقيقية للقائد الذي يقترب من أبنائه، ويمنحهم دفعة معنوية ربما تكون أغلى لديهم من أي تكريم مادي، فالطالب الذي يسمع صوت شيخ الأزهر وهو يهنئه سيظل يتذكر تلك اللحظة طوال حياته، وستبقى دافعا له لمواصلة التفوق وخدمة وطنه.
إن تواضع الكبار هو الذى يصنع محبتهم في القلوب، والإمام الأكبر أحمد الطيب قدم نموذجا راقيا في القيادة الإنسانية قبل أن يقدم نموذجا في القيادة الدينية والعلمية.
لقد كرم شيخ الأزهر أسر الطلاب المتفوقين بكلمات كلها حب وتقدير واعتزاز وأكد أن التحية لا تقتصر على أوائل الأزهر وحدهم، وإنما تمتد إلى آبائهم وأمهاتهم الذين تحملوا المشقة وضيق ذات اليد حتى يروا أبناءهم في هذا المكان المشرف، فالنجاح لا يصنعه الطالب وحده، بل تصنعه أسرة آمنت بأن التعليم هو الاستثمار الحقيقي الذي لا يخسر أبدا.
قصص أوائل الأزهر هذا العام تؤكد حقيقة لا تقبل الجدل: أن مصر ما زالت تنجب أبناء قادرين على صنع الأمل، وأن الكفاح ما زال الطريق الأقصر إلى القمة، وأن الإرادة الصلبة تستطيع أن تهزم الفقر والظروف القاسية.
هؤلاء الشباب هم الثروة الحقيقية لهذا الوطن، وهم الرسالة التى تقول لكل طالب يشعر بالإحباط: لا تجعل ظروفك عذرا، بل اجعلها حافزا. فكم من فقير أصبح علما، وكم من بسيط صار رمزا، لأنهما امتلكا ما هو أهم من المال… امتلكا العزيمة.
تحية من القلب إلى أوائل الأزهر الشريف، وإلى أسرهم الكريمة، وإلى كل طالب اجتهد وإن لم يكن اسمه ضمن قائمة الأوائل.
وتحية خاصة، مستحقة، إلى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الذي أثبت مرة أخرى أن المؤسسة العريقة لا تكتفي بتخريج العلماء، بل تحرص أيضا على أن تبقى قريبة من أبنائها، تشاركهم أفراحهم، وتغرس في نفوسهم الثقة، وتؤكد أن العلم لا يزدهر إلا في مناخ من الإنسانية والتواضع والاحترام.
بقى أن نؤكد على ضرورة تكريم وسائل الإعلام المصرية بمختلف أشكالها وأدواتها لأوائل الشهادات الأزهرية فهم أبناؤنا مثل أوائل الثانوية العامة، ويجب أن يحظوا بالقدر نفسه من الاهتمام والرعاية والتكريم.. وهنا لابد










