على الرغم من أن ترامب تراجع عن تهديداته بشن هجمات تعادل في حجمها ما جرى خلال الحرب العالمية الثانية، فإن الولايات المتحدة لا تزال تفرض حصارًا بحريًا على إيران، كما أعادت فرض عقوبات تجعل من الصعب على طهران تصدير نفطها؛ وتعتمد صادرات إيران النفطية نفسها على المرور عبر المضيق؛ وأي تعطيل طويل الأمد يحرم الجمهورية الإسلامية من أهم مصدر لإيراداتها، كما يسرّع جهود دول الخليج المجاورة لبناء مسارات بديلة تتجاوز مضيق هرمز؛ أما الصين، وهي أحد أهم شركاء إيران، فلم تسارع إلى إنقاذها؛ فقد خفضت بكين مشترياتها من النفط الإيراني، مما ساعد على إبقاء الأسعار منخفضة، ولا توجد مؤشرات على أنها ستعود إلى زيادة وارداتها قريبًا.
الاحتياطيات النفطية واتفاق المضيق
لكن مع استنزاف الدول لمخزوناتها النفطية بمعدلات قياسية، يقول محللون إن الأسعار قد تشهد ارتفاعًا مستدامًا بحلول نهاية العام؛ كما وصلت الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية الأمريكية إلى أدنى مستوياتها منذ أربعين عامًا خلال هذا الصيف؛ وكان ترامب قد قال إن القادة الإيرانيين يتطلعون إلى اتفاق يعيد فتح المضيق، ويرفع الحصار البحري الأمريكي، ويقيد في نهاية المطاف البرنامج النووي الإيراني، وهو الهدف الأخير الذي حدده للحرب؛ لكن إيران أكدت أنه لا توجد أي محادثات مع الولايات المتحدة؛ وبدلًا من ذلك، تجري طهران وسلطنة عمان، التي تقع سواحلها على الحافة الجنوبية للمضيق، محادثات لإنشاء ممر مؤقت يسمح للسفن بالعبور بأمان؛ وطالبت طهران بتحصيل رسوم عبور من السفن التي تستخدم المضيق.
ويقضي أحد المقترحات قيد المناقشة بأن تدخل السفن المتجهة إلى الخليج العربي عبر المياه الإيرانية، بينما تمر السفن المغادرة عبر المياة العمانية دون دفع رسوم؛ ويأمل الوسطاء في مصر وباكستان وقطر أنه بمجرد التوصل إلى حل مؤقت بشأن المضيق، سيتمكن الطرفان الأمريكي والإيراني من العودة إلى طاولة المفاوضات؛ ويوم الثلاثاء، قدم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لمحة عن رؤية الإدارة الأمريكية لمفاوضات تتم على مرحلتين، تنتهي في نهاية المطاف بفرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني؛ وقال روبيو: “هناك الاتفاق الكبير، وهو الذي يتعلق بطموحاتهم النووية”؛ وأضاف: “أما الاتفاق العاجل، والذي يحظى الآن بمعظم الاهتمام، فهو اتفاق المضيق”.
صبر ترامب والمسارات البديلة
وجاءت تصريحات روبيو منسجمة مع رغبة ترامب في التوصل أولًا إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز بالكامل قبل استئناف المفاوضات النووية؛ وأشار مسؤولون أمريكيون، في أحاديث خاصة، إلى أن واشنطن تسعى إلى اتباع المسار نفسه الذي أدى إلى “مذكرة التفاهم” في يونيو الماضي، أي وقف إطلاق النار أولًا ثم بدء المفاوضات، وذلك قبل أن يفقد ترامب صبره على المسار الدبلوماسي ويستأنف الهجمات على إيران؛ وعلى المدى الطويل، قد تتراجع قدرة إيران على استخدام نفوذها الاقتصادي ضد العالم وضد جيرانها في الخليج إذا نجحت السعودية والإمارات وغيرها من كبار منتجي النفط في إنشاء طرق بديلة لصادراتهم تتجاوز مضيق هرمز.
وقالت باربرا ليف: “إنهم جميعًا يبحثون عن طرق بديلة”؛ لكن تلك المسارات البديلة كلها تقع ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية؛ وأضافت: “إذا كانت إيران ملتزمة فعلًا بتدمير البنية التحتية للطاقة في الخليج، فإنها قادرة على ذلك، وسيكون ذلك أسرع من قدرة هذه الدول على استكمال مشاريعها البديلة”؛ وقد تعرضت عدة سفن هذا الأسبوع لهجمات داخل مضيق هرمز؛ كما استُهدفت سفن أخرى خلال الشهر الماضي في البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط مع اتساع رقعة الحرب؛ وتسعى دول الخليج العربية إلى إعادة مضيق هرمز إلى الوضع الذي كان عليه قبل الأزمة؛ ولا يكمن قلقها الأساسي في الرسوم التي قد تُفرض على العبور، وإنما في النفوذ السياسي الذي ستمنحه هذه السيطرة لإيران؛ وستكون إيران قادرة على السماح لناقلات النفط السعودية بالمرور في يوم، ومنعها في اليوم التالي وهذا هو السيناريو الكابوسي بالنسبة لدول الخليج؛ طبقا لبربارا ليف، السياسية الأمريكية ومساعدة وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى.
مذكرة التفاهم والأمن الخليجي
وعادت الأوساط الإقليمية والعربية للحديث عن صفقة سياسية وهدنة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران تتم خلالها فتح مضيق هرمز واعتماد الأسس الواقعية التي اقرتها مذكرة التفاهم المشتركة التي وقعت في 17 يونيو 2026، ويبقى الحديث عن أي اتفاقيات أو حوارات ثنائية قائم على سؤال مهم مفاده كيف يمكن ضمان الحالة الأمنية لاقطار الخليج الفارسي؟، وكيف يمكن تحويل حالة التوجس الميداني إلى مبدأ من مبادئ الاتحاد الخليجي وفق الرؤية السياسية التي أقرها البيان الختامي الذي تم به الإعلان عن تأسيس مجلس التعاون الخليجي العربي في كانون الأول 1981؟، واعتماد التكامل الدفاعي والسياسي والاقتصادي أساس لمنظومة أمنية متكاملة تحمي في اركانها المشاريع التنموية والاستثمارات المالية وتحافظ على هيكلية الدولة الخليجية وسيادتها على أرضها.
تخلى الإيرانيون عن تنفيذ مذكرة التفاهم بسبب سياسة التعنت وإظهار القوة وعدم الالتزام بتعهدات الجانب الأمريكي، وأصبحت بنودها تمثل حالة نظرية ولكن إيران أصبحت نقطة تحول رئيسية في معادلة الأمن الإقليمي وامتداداته نحو الشرق الأوسط، فهي لم تكتف بالوقوف عن حدود مناقشة تفكيك البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة وتحييد الصواريخ الباليستية وإيقاف الدعم والمساندة للمليشيات والفصائل المسلحة المتمسكة بتنفيذ المشروع السياسي الإقليمي الإيراني، بل أصبحت تمس مباشرة البنى والمرتكزات الأساسية للتوازنات السياسية والأمنية والاستراتيجية في منطقة الخليج العربي التي تعتبر من أهم المناطق التي تلقى اهتمامًا دوليًا وإقليميًا كونها الحاضنة الرئيسية لأسواق الطاقة العالمية والتجارة الدولية والأكثر حضورًا وتأثيرًا للمتغيرات والتحولات التي تهم مصالح وغايات دول العالم.
سياسة الاحتواء وسياسة واقع الحال
اتسمت مذكرة التفاهم المشتركة بخاصية مهمة اعتمدت سياسية انتقال الولايات المتحدة الأمريكية من سياسة الضغط الأقصى إلى سياسة الاحتواء التفاوضي وإدارة الخطر، وهو ما يعني التوازن بين التحكم بمنع إيران من أنشطتها النووية وتطوير برامجها الصاروخية وبين التعامل معها كدولة لها حضورها ودورها الإقليمي، وتلويح ضمني للأقطار الخليجية بأن أمنها لم يعد حالة مضمونة بصورة تلقائية عبر الضمانة والدعم الأمريكي بل أصبح جزءًا من مقايضة جيوسياسية بابعادها الواسعة؛
إيران تعمل جاهدة على التمسك بمضيق هرمز في سعي لتحقيق مكاسب سياسية لها في أي حوار وجلسة تفاوض قادمة وتعتمد صيغة التعامل مع سياسة “واقع الحال” خلافًا لجميع القوانين الدولية باستخدام استراتيجية سياسية أمنية عسكرية تمنع الوصول إلى سواحلها البحرية وممراتها المائية وإن لم تحقق غاياتها كاملة.
لكنها، أى إيران، جعلت من المرور البحري لناقلات الطاقة والمواد الأساسية والضرورية للصناعات الرئيسية مكلفًا وذات مخاطر عديدة بزرعها للالغام البحرية واستخدام الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة، وهي الأساليب والوسائل التي تتعارض مع حرية الملاحة البحرية فى أوقات السلم وتهديد الآخر لأمنها؛
وجاء تصريح المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء، أبراهيم ذو الفقاري، ليؤكد السلوك الإيراني في التعامل الميداني بقضية مضيق هرمز بقوله “من دون التطلع إلى الأمام أو الوراء، إنه إذا جرى تنفيذ التهديدات بشأن استهداف البنى التحتية لإيران، فإن البنى التحتية في المنطقة سيجري تدميرها عن بكرة أبيها بحيث لا يبقى لها أثر وكأنها لم تكن موجودة في الأساس”، وهي تعتمد على معادلة أمنية تهدد الأوضاع الداخلية لدول مجلس التعاون الخليجي العربي وحرية الملاحة البحرية، كون تلك الدول تحوى العديد من القواعد العسكرية الأمريكية التى تهدد أمنها القومي والإقليمي.
الأقطار العربية والموقع الجيوسياسي الإيراني
وتعلم الأقطار العربية وتحديداً منطقة الخليج الفارسي أن سياسات النظام الإيراني ونهجه في تصعيد المواجهة إنما يعمل على توسيع دائرة الصراع وزيادة التكلفة المالية الباهظة للمواجهة العسكرية التي يتحملها الإقليم اذا ما اندلعت بصورة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، ولهذا فهي تسعى دائمًا إلى منع التصعيد والعمل على توسيع مسار الحوار والتفاوض بديلًا عن مسار الحرب والقتال، ومع جميع الأدوار السياسية لبعض من دول الخليج الفارسي وسعيها لإيجاد قنوات للحوار والعودة للتفاوض بين واشنطن وطهران، فإن المسؤولين الإيرانيين لا يزالون في تصعيد لخطابهم السياسي الشعبي، ردأً على المكائد الأمريكية والصهيونية، وبغض النظر عن التكلفة الهائلة التي يعاني منها أبناء الشعوب الإيرانية من اضطراد في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع في نسبة البطالة والتضخم وانخفاض شديد في العملة المحلية وانحدار في المستوى المعيشي وارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية والاساسية مع تراجع ملموس في الخدمات العامة “الكهرباء والمياه والوقود”.
إن الموقع الجغرافي السياسي الذي تتمتع به إيران، يُستخدم ورقة ضغط يتمثل في مضيق هرمز ولكنه إذا ما استمر في التعامل بها واعتمادها أساسًا في بقائه ومناورته السياسية فإنه سيخسر علاقاته الدولية والإقليمية بفعل التقارب الذي سيحصل بين اقطار الخليج الفارسي والقوى الدولية لضمان حرية الملاحة بينما يمنح أي تحرك أمريكي ضد إيران غطاءً أوسع، ولكن وجود الأوساط السياسية الإيرانية المتشددة من المحافظين والقريبين من دائرة المرشد مجتبى خامنئي والتي تدعو دائمًا بعدم التخلي عن التحكم بمضيق هرمز لضمان منع واشنطن من مهاجمة طهران التي تخشى الأولى من أزمة دولية في إمدادات النفط والغاز والأسمدة، على حد ادعاءتهم، والتمسك الدائم بالسلاح النووي وإبقاء النشاط الإيراني الميداني في إنتاج القنبلة النووية قائم كضمان لبقاء وديمومة النظام الإيراني وهيمنته على الأوضاع الداخلية ودوره الإقليمي، وإن كنت ومازلت على قناعة من أحقية إيران فى تقرير مصيرها الإقليمي والدولي.
مستجدات الصراع وتداعياته
واقع الحال يشير الى أن إيران ليست على استعداد للتخلي عن سيطرتها على مضيق هرمز وسلاحها النووي السلمي وبرامجها الصاروخية ودعم أذرعها المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، لضمان أمنها القومي والإقليمي، وما تتحدث به وتصرح بقولها أنها مع أي اتفاقيات وحوارات ووساطات إقليمية عربية، يرى البعض أنه نوع من إطالة الوقت والتسويف وإبقاء الحال على ما عليه في جعل المضيق رهينة لديها تتحكم فيه حسب مصالحها وأهدافها الإقليمية؛ عند قيام المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية لم يكن مضيق هرمز هو الهدف الأساسي وإنما كانت هناك أهدافًا عديدة منها ما يتعلق بتفكيك البرنامج النووي وانهاء نشاطاته وفعالياته والحد من الصواريخ البالستية وإضعاف النظام الإيراني والسعي لإسقاطه، ولكن بمرور الوقت واشتداد المواجهة برز على السطح السياسي واعتمد في مذكرة التفاهم المشتركة مبدأ السعي لفتح مضيق هرمز والسماح بمرور الناقلات والسفن حماية للأوضاع السائدة في السوق العالمية للنفط ومسيرة التجارة الدولية والالتزام بأمن الملاحة الدولية ومراعاة للالتزام بالقوانين الدولية.
التحدي الذي بدأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تواجهه في الوصول إلى تسوية دائمة وتفاهم مستمر مع إيران والحصول على مكتسبات واقعية أو اعتماد المواجهة العسكرية المباشرة والتصعيد العسكري أساسًا في إنهاء الصراع القائم في منطقة الخليج الفارسي، ومع قبول واشنطن لعديد من الوساطات السياسية وتصريح ترامب المستمر ولعدة مرات بإيقاف الهجمات العسكرية داخل العمق الإيراني، فالظاهر أن واشنطن تفضل مسار التفاوض والحوار وتعتبره أولوية في رؤيتها للتعامل مع إيران، بعد أن أدركت صلابة عود والإمكانيات الإيرانية، وهي تدرك أيضا أن الوقت بدأ بالضغط عليها مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية النصفية في نوفمبر 2026، في حين أن إيران تراهن على الحصول على صفقة أوسع ومكتسبات أكثر بخصوص رفع العقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة وضمان بقاء نظامها السياسي وعدم العودة لأي عمليات عسكرية قادمة تستهدف وجوده.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية









