كم تناولت في مقالاتي وكتاباتي واحدة من أكثر القضايا المسرحية حساسية الأكثر تأثيراً على واقع فن المسرح؛ وهي قضية سلطة المهرجانات وأثرها في توجيه بوصلة إنتاج مسارح الدولة على حساب العلاقة التاريخية بين المسرح والجمهور العريض في مصر والعالم العرب، وقد تضمنت رؤيتي بشفافية وموضوعية صدمت بعض المنتقعية وأرزقية فن المسرح والإعلام المتردي الذي يهيمن عليه نقاد الغبرة وصحفيي السبوبة ، وقد رأوها مبالغة أو تحميلا للمهرجانات فوق طاقتها وقد تعاضوا عن جوانب الصحة والتشخيص الواقعي للرؤية.
1- انحراف مسارح الدولة عن وظيفتها الجماهيرية:
تشخيص دقيق: أصبحت مسارح الدولة (البيت الفني للمسرح، ومسرح الشباب، ومسرح الهناجر، ونوادي المسرح) في عقود متأخرة تُخرج خططها الإنتاجية بـ “عقلية المشاركة في المهرجانات” بدلاً من “عقلية الاستمرار الجماهيري”.
النتيجة: أصبحت العروض تُصنع خصيصاً لتُعرض ليلتين أو ثلاث ليالٍ أمام لجان تحكيم والنقاد في مهرجان التجريبي أو المهرجان القومي، ثم تُرفع من الخشبة وتُحفظ في المستودعات، مما أفرغ مسارح الدولة من أدوارها في بناء المهرجانات كطقس اجتماعي يومي للجمهور.
2- شيوع “التجريب الشكلي والاستسهال”:
إذ تحول التجريب لدى بعض شباب المخرجين إلى “تغريب وشكلانية مجانية”؛ حيث استُبدلت أزمة البناء الدرامي وضعف النصوص بالإفراط في التشكيل الحركي، والإضاءة المعتمة، والرمزية المعقدة.
هذا النمط التجريبي المنفصل عن واقع الناس وقضاياهم اليومية تسبب بالفعل في شديد نفور الجمهور العادي، الذي بات يشعر بأن دخول المسرح التجريبي يتطلب “كتالوجاً” أو تفكيكاً فلسفياً معقداً بدلاً من التفاعل الوجداني والفكري المباشر.
3- إهدار مفهوم “المسرح الشبابي والجماهيري”:
إذ تسببت غالبية هذه العروض على الخريطة المسرحية في حرمان الجمهور والعائلات من مسرح الكوميديا الاجتماعية، والدراما الإنسانية البسيطة ذات البناء المتماسك، مما دفع الجمهور إما نحو المسرح التجاري السطحي أو النفور التام عن الذهاب للمسرح واللجوء للدراما التلفزيونية والمنصات.
ولا يمكن تحميل المهرجان التجريبي على الرغم من كونه طرفا رئيسيا وحده مسؤولية أزمة عزوف الجمهور عن المسرح أزمة بنيوية وثقافية واقتصادية شاملة؛ ترتبط بتدهور تسويق مسارح الدولة، وارتفاع أسعار التذاكر بالنسبة لدخل الفرد، وتغير وسائط الترفيه والتكنولوجيا، وغياب الثقافة المسرحية في المناهج التعليمية، وليست ناتجة فقط عن وجود عروض تجريبية.
ولا أغفل الدور الذي حققه التجريب في ضخ الدماء وتحديث الذائقة وتطوير وعي وصناعة المسرح المصري والعربي؛ فلولا المهرجان التجريبي لما طُورت تقنيات السينوغرافيا، والرقص المسرحي المعاصر، والتعامل مع الفضاءات البديلة، نتيجة للاطلاع والاحتكاك بمسارح تجريبية من بلدان عربية و من كل أنحاء العالم ولما خرجت حركة “المسرح المستقل” التي أفرزت طاقات إخراجية وتمثيلية هائلة تغذي الدراما والسينما ومسارح الدولة نفسها اليوم
3- التجريب وسيل من المصطلحات النقدية التي رددها النقاد على عجمتها دون إيضاحها أو ترجمتها تفسيريا واستخدامها في غير موضعها كموضة من الموضات في ندوات التجريبي والكتابة عنه من قبيل الاستعلاء لكأنهم بها وترديدها صارت لهم لغة كهنوتية نقدية أكاديمية لا تصلح لمخاطبة الجمهور بصفة عامة ولا حتى النخبوي ,
4- التجريب ليس ضد الجمهور بالضرورة:
والتجريب الحقيقي لا يعني بالضرورة النخبوية والغموض؛ وتجارب قامات مثل سمير العصفوري في مسرح السرادق، وأحمد إسماعيل في مسرح الجرن بالريف، أن التجريب يمكن أن يكون طليعياً وجماهيرياً بامتياز، ولكن باقي العروض التجريبية استقطبت جمهورا نخبويا من هواة المسرح وشبابه ودارسيه ولم تفلح في جذب الجمهور العادي.
وأصل المشكلة ليس في “وجود مهرجان للمسرح التجريبي”، بل في خلل المنظومة الإنتاجية لمسارح الدولة التي خلطت بين “مسرح التجريب والمختبر” الذي ينبغي أن تكون له قاعات مخصصة وجمهور نوعي، وبين “مسرح الرومانتيك والدراما الاجتماعية والفرجة الجماهيرية” التي يجب أن تُقدم للجمهور العريض على مدار العام.
وأرى أنه الإصلاح لا يكمن في تقويض التجريب أو محاربته، بل في إعادة التوازن والسياسة الإنتاجية؛ بحيث يصبح التجريب روافداً للبحث والتطوير الفني، بينما يظل الشارع والجمهور العريض هما المعيار الأساسي لنجاح واستمرار العرض المسرحي.










