يواجه الرئيس ترامب ضغوطاً متزايدة لإيجاد مخرج للحرب، في وقت تظهر فيه استطلاعات الرأي معارضة الناخبين الأمريكيين للنزاع بنسبة تقارب اثنين مقابل واحد، قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر؛ وكان ترامب قد أعلن في بداية الحرب أن نهايتها ستكون بـ”الاستسلام غير المشروط” لإيران، وأنه سيوافق بنفسه على اختيار قيادتها الجديدة؛ لكن، وبعد أشهر من العمليات العسكرية، بما في ذلك حملة جوية استمرت أسبوعين في يوليو الماضي، لم تتمكن الولايات المتحدة من إنهاء سيطرة إيران على مضيق هرمز.
ضغوط سياسية على ترامب
وكان قادة عسكريون أمريكيون قد أبلغوا ترامب في يوليو الماضي بأن مخزونات بعض الذخائر بدأت تنفد، فيما ذكرت وكالة “رويترز” للأنباء أن الجيش الأمريكي استهلك تقريباً كامل مخزونه من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى؛ وفي المقابل، تراجعت أسعار النفط بشكل حاد خلال اليومين الماضيين بعد أن أعلن ترامب تعليق تنفيذ هجمات جديدة على إيران، مبرراً ذلك بإجراء محادثات قال إنها قد تفضي إلى إنهاء الصراع.
إن المحادثات بين إيران وسلطنة عُمان كانتا، يوم الأربعاء الماضي، تضعان اللمسات الأخيرة على مسودة اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز، يمنح طهران دوراً في الإشراف على السفن الداخلة إلى الخليج العربي، طبقاً لجريدة “وول ستريت جورنال”، لكنه لا يسمح لها بفرض رسوم عبور أو رسوم خدمات؛ وأضافوا أن الأطراف توصلت إلى اتفاق بشأن النقاط الرئيسية للمسودة، التي تنص على إنشاء مسار للدخول بمحاذاة السواحل الإيرانية ومسار للخروج بمحاذاة السواحل العُمانية، وقد جرى إطلاع الولايات المتحدة ودول المنطقة والقيادة الإيرانية العليا عليها، إلا أنها ما زالت بحاجة إلى موافقة نهائية؛ وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، للصحفيين إن إيران توصلت إلى اتفاق مع سلطنة عُمان لإنشاء ممر آمن عبر مضيق هرمز، وإن العمل جارٍ على استكمال الصيغة النهائية للنقاط الرئيسية.
ورغم ذلك، لا يزال الاتفاق عرضة للانهيار أو قد يفشل في إعادة فتح المضيق؛ وقال نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، إن الاتفاق مع عُمان لن يؤدي بالضرورة إلى فتح الممر المائي ما لم تستجب الولايات المتحدة لشروط لم يحددها، وفق ما نقلته وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية؛ وقد أخفقت في السابق جهود دبلوماسية لإعادة فتح المضيق، ويخشى الوسطاء أن يُفشل متشددون أي اتفاق داخل الحرس الثوري الإيراني، الذي يتولى حماية النظام وفرض السيطرة الإيرانية على المضيق؛ ومع ذلك، فإن كلاً من الولايات المتحدة وإيران يمتلك دوافع اقتصادية تدفعهما إلى إنهاء إغلاقه؛ فالاتفاق قد يعزز صادرات النفط والغاز ويخفف الضغوط عن الاقتصاد العالمي، كما قد يمهد الطريق لاستئناف المفاوضات، بما يتيح لإيران الحصول على تخفيف كبير للعقوبات مقابل تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي.
النفوذ الإيراني والفهم الخاطئ الأمريكي
وتعتمد إيران أيضاً على المضيق في تصدير معظم نفطها؛ وكان الرئيس دونالد ترامب وعدد من مسؤولي إدارته قد أكدوا أن التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح المضيق بات قريباً؛ غير أن دول الخليج تخشى أن يؤدي الاتفاق إلى ترسيخ النفوذ الإيراني على ممر مائي يعد شرياناً أساسياً لاقتصاداتها؛ وقالت إيلين والد، الباحثة البارزة في مركز الطاقة العالمي التابع للمجلس الأطلسي: “السؤال هو ما إذا كانت إدارة ترامب تدرك أن هذا الاتفاق يمنح إيران، بصورة ضمنية، السيطرة على حركة الملاحة”؛ وأضافت: “وإذا قررت الدول الخليجية المصدرة للنفط استخدام مسارات شحن تستلزم موافقة إيران، فإنها بذلك تتنازل عملياً عن السيطرة على مضيق هرمز لصالح النظام الإيراني”؛ وقد نفت الولايات المتحدة مراراً أن تكون إيران تسيطر على المضيق أو أنها ستُسمح لها بالسيطرة عليه؛ وبحسب مسودة الاتفاق، التي تمتد لمدة ستين يوماً، فإن السفن الداخلة إلى الخليج ستستخدم المسار الأقرب إلى إيران بالتنسيق مع طهران، بينما تستخدم السفن المغادرة المسار الواقع في المياه العُمانية بالتنسيق مع مسقط.
ورغم أن الاتفاق يمنع فرض رسوم أو ضرائب على السفن، فإنه قد لا يمنع إيران من تلقي مساهمات طوعية لتغطية نفقات مثل الأمن وعمليات البحث والإنقاذ، بحسب الأشخاص المطلعين على المفاوضات؛ وأضافوا أنه في حال الإعلان عن الاتفاق، ستعود الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات لمناقشة ملفات أخرى، من بينها البرنامج النووي الإيراني وتخفيف القيود المالية والعقوبات؛ وتسعى سلطنة عُمان وقطر إلى إدراج حوافز ضمن الاتفاق، مثل إعفاءات من العقوبات تسمح باستئناف بيع النفط الإيراني، وفقاً لبعض المطلعين؛ وقد يساعد ذلك في تثبيت الاتفاق، لكنه قد يؤخر الإعلان عنه إلى حين الاتفاق على التفاصيل الإضافية؛ وكانت مذكرة التفاهم التي وقعها ترامب مع إيران في يونيو الماضي تهدف أيضاً إلى إعادة فتح مضيق هرمز وتهيئة الظروف لإجراء مفاوضات أوسع تنتهي بإنهاء الحرب؛ لكنها انهارت بعد الهجمات الإيرانية على السفن، التي هدفت إلى تأكيد سيطرة طهران على المضيق وكذا الفهم والتفسيرالخاطئ لتلك المذكرة، وأدت إلى اندلاع مواجهات متبادلة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين.
سيطرة إيران على المضيق ومخاوف الدول
إن أي اتفاق بشأن هرمز سيؤدي على الأرجح إلى وقف جديد للقتال، لكنه لن يكون سوى بداية طريق طويل نحو اتفاق نهائي؛ وأن هناك حوافز واضحة لدى كل من طهران وواشنطن لكسب الوقت ومعرفة إلى أي مدى يمكنهما الحفاظ على السلام؛ وسيكون الطريق مليئاً بالعقبات، وكلا الطرفين يعتقد أن جولة أخرى من المواجهة قد تقع بعد انتخابات نوفمبر أو بالتزامن معها؛ وتنسق سلطنة عُمان بصورة وثيقة جهودها التفاوضية مع بقية دول الخليج التي تسعى إلى منع إيران من امتلاك حق تعطيل أو التحكم في شحنات الطاقة؛ ويخشى المسؤولون الخليجيون أن يمنح الاتفاق المؤقت إيران فرصة لترسيخ سيطرة دائمة على المضيق، بما يسمح لها بالاحتفاظ بورقة ضغط استراتيجية ضدهم.
لكنهم يعترفون أيضاً بأن الاتفاق المؤقت قد يكون أفضل الخيارات المتاحة حالياً، بعدما أظهر الحرس الثوري الإيراني خلال الأسابيع الأخيرة استعداده لتصعيد المواجهة مهما كانت طبيعة الرد الأمريكي، ولجعل الحرب أكثر كلفة على واشنطن وحلفائها في المنطقة؛ إن الدول الخليجية تشعر بإحباط متزايد بسبب ما تعتبره غياب استراتيجية أمريكية واضحة مع استمرار الحرب، وما يرافق ذلك من تعرض أراضيها لهجمات إيرانية متكررة، بسبب تواجد القواعد العسكرية الأمريكية التى تستهدفها إيران؛ وأن الحلفاء الخليجيين طلبوا خلال الأسابيع الأخيرة من الولايات المتحدة تزويدهم بمزيد من صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية، إضافة إلى استمرار الضمانات بأن القوات الأمريكية ستتولى الدفاع عنهم إذا تجددت المواجهات العسكرية.
تهديد الخليج حال شنت أمريكا الحرب
إن إيران حذرت دول الخليج من أن أي هجوم أمريكي جديد على أراضيها سيؤدي إلى رد إيراني يستهدف البنية التحتية الحيوية للطاقة في أنحاء المنطقة، في إطار سعي طهران إلى رفع كلفة أي عمل عسكري عبر تهديد أقرب حلفاء واشنطن الإقليميين؛ وهذا التحذير نُقل عبر سلسلة من الاتصالات الدبلوماسية رفيعة المستوى، بعدما هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 28 يوليو الماضي باستهداف شبكة الطاقة والبنية التحتية الإيرانية؛ إن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تحدث مع نظرائه في السعودية وتركيا وقطر، إضافة إلى قائد الجيش الباكستاني؛ إن عراقجي حث حلفاء واشنطن الخليجيين على استخدام نفوذهم لدى ترامب لإثنائه عن شن ضربات جديدة، محذراً من أن أي هجوم على إيران سيؤدي إلى رد يستهدف الأصول الأمريكية ومنشآت الطاقة في أنحاء الخليج الفارسي؛ وأن رسالته كانت واحدة في جميع المحادثات: “نحن مستعدون للرد، لكن إيجاد حل دبلوماسي هو أفضل وسيلة لتجنب تصعيد أوسع ودمار أكبر في المنطقة”.
وقال أحد المصادر الخليجية: “كان التحذير الإيراني واضحاً ولا لبس فيه، إذا استهدفت أمريكا البنية التحتية الإيرانية، فإن إيران سترد بضرب منشآت الطاقة الخليجية وأهداف إقليمية أخرى”؛ ويبرز هذا الحراك الدبلوماسي محاولة إيران استخدام التهديد بتوسيع نطاق الدمار الإقليمي كورقة ضغط لمنع أي ضربات أمريكية جديدة، وهو ما يضع الدول الخليجية، التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية وتعتمد اقتصاداتها على صادرات الطاقة، في موقف صعب بين واشنطن وطهران؛ وقال الدبلوماسي والمصادر الخليجية إن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تحدث لاحقاً مع ترامب، وحثه على تأجيل أي عمل عسكري، والعودة إلى المفاوضات، وتأمين وقف لإطلاق النار، والسعي إلى تسوية دبلوماسية.
الموقف السعودي وإغلاق القواعد الأمريكية
وقال مصدر خليجي ثانٍ إن التحذير كان موجهاً إلى جميع دول الخليج، لكنه نُقل بصورة أساسية عبر السعودية وقطر؛ وكانت إيران قد أعادت خلال السنوات الأخيرة ترميم علاقاتها مع جيرانها الخليجيين، بمن فيهم السعودية التي كانت خصماً إقليمياً لها؛ وقال المسؤول الإيراني الثاني إن قطر وعُمان والسعودية حثت جميعها واشنطن على استئناف المحادثات مع طهران وتجنب تجدد الصراع، في ظل تحذيرات إيرانية من أن جولة جديدة من الضربات الأمريكية قد “تحول المنطقة إلى كرة من النار”؛ وفي الثاني من أغسطس 2026، قال ترامب إنه وافق على إلغاء الهجوم على إيران “شريطة التوصل سريعاً إلى اتفاق”؛ وترى السعودية أن أي تصعيد إضافي لن يجلب سوى مزيد من الدمار، ولهذا السبب حثت ترامب على منح الدبلوماسية فرصة.
وفي الوقت الذي دعت فيه الرياض واشنطن إلى إعطاء الأولوية للحل الدبلوماسي، أوضحت أيضاً أنها ستدافع عن نفسها إذا تعرضت لأي تهديد؛ وإن السعودية حذرت من أن أي هجوم على أراضيها سيقابل برد عسكري؛ وقال علي الشهابي، وهو محلل سعودي مقرب من الديوان الملكي، إن تقييم المملكة هو أن التصعيد الإضافي لن يحقق النتيجة المرجوة؛ وأضاف: “ترى المملكة أن الجمع بين ردود عسكرية متناسبة ومواصلة الضغط على إيران في مضيق هرمز يمثل أفضل طريق نحو تسوية دبلوماسية عملية”؛ وكانت القيادة الإيرانية قد طالبت مراراً بإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، ودعت الدول العربية الخليجية إلى وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع واشنطن.
إيران تعظ، والأمريكان أمام خيارات محدودة
إذ تعتقد طهران أن تلك المعلومات استُخدمت لتسهيل الهجمات ضدها؛ وقال أحد المسؤولين الإيرانيين إن تحذير طهران أوضح أن أي ضربة أمريكية جديدة ستقابل بهجمات تستهدف منشآت الطاقة، والمصافي، وشبكات الكهرباء، والبنية التحتية للمياه، وشبكات النقل، وحقول النفط في أنحاء الخليج؛ وأضاف: “العدو يواصل تهديد البنية التحتية الإيرانية؛ وإذا تعرضت إيران لأضرار، فإنها ستلحق أضراراً أكبر بكثير في المقابل”؛ وتابع: “ما زالوا يتذكرون أرامكو”؛ وكان يشير بذلك إلى هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ التي استهدفت منشأتي بقيق وخريص في سبتمبر 2019، والتي أدت مؤقتاً إلى توقف أكثر من نصف إنتاج المملكة من النفط الخام، وكشفت هشاشة البنية التحتية للطاقة في الخليج؛ ومن خلال التهديد باستهداف منشآت حيوية لاقتصادات الخليج.
تسعى طهران إلى إقناع كل من واشنطن وشركائها العرب بأن أي هجوم جديد عليها سيحمل عواقب اقتصادية واستراتيجية غير مقبولة، بما يدفع دول المنطقة إلى الضغط على ترامب لتجنب استئناف العمل العسكري؛ وقال المسؤول الإيراني الكبير إن ترامب، من وجهة نظر طهران، يواجه الآن خيارين أحلاهما مر، إما تصعيد الصراع إلى مستوى قد يشمل منطقة الخليج ويعطل إمدادات الطاقة العالمية، أو قبول تسوية تفاوضية تقل كثيراً عن النصر الحاسم الذي تسعى إليه واشنطن؛ وقال الدبلوماسي الإقليمي الكبير إن إحدى العقبات الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق تتمثل في إحجام الولايات المتحدة عن السماح لإيران بالخروج وهي تدّعي تحقيق الانتصار؛ وأضاف: “الولايات المتحدة تريد شيئاً يمكنها أن تقدمه باعتباره دليلاً على أنها هي التي ربحت الحرب.
الكاتب الصحفي والباحث فى العلاقات السياسية الدولية










