هذا المقال يلمسني بصورة شخصية هو إبداعي فلسفي واقعي
ومن أجمل المقالات التي أتحدى أن تغادره من غير أن يترك أثر عميق بداخلك ويفتح نظرك على أسئله قد تكون لم تطرقها من قبل…
بسم الله الرحمن الرحيم
لم أختر الجنون طواعية!
في كل صباح، وقبل أن أبدأ نهاري، أجلس في حجرتي الصغيرة المقابلة لحجرة والدتي، كأنني أعود إلى وطنٍ صغير لا يعرفه أحد سواي. يحتضن فنجان القهوة كفّي، ويرسل بخاره بهدوء، فيما تتراكم الكتب من حولي حتى صارت تشبه الوجوه التي لم تخذلني يوماً.
يتسلل ضوء الصباح عبر النافذة، فيرسم على الجدران ظلالاً وادعة، كأن الزمن قرر أن يمشي ببطء حتى لا يوقظ أوجاعي.
كنت أظن أن الإنسان يهرب إلى الوحدة حين يكره الناس، ثم اكتشفت أننا نهرب إليها أحياناً لأننا نحب قلوبنا، ونخشى أن تتعب أكثر.
العالم لا يؤلم لأنه قاسٍ فحسب، بل لأنه يعلّمك، مرة بعد أخرى، أن الخذلان قد يأتي من أكثر الأماكن التي ظننتها أمناً.
ثم أرفع رأسي إلى باب غرفة أمي.
الباب مغلق…
لكن الغياب لا يغادر بالأبواب المغلقة،
بل يبقى في الأماكن التي ما زالت عامرة بأصحابها رغم رحيلهم.
“لم أختر الجنون طواعية، إلا لأن العالم مؤلم.
لم أختر حبك الدافئ، مع أنه وهم، إلا لأن الحقيقة باردة ” أديل هوغو.
يا إلهي… كم لامستني هذه الكلمات.
لم أقرأها يوماً كاقتباس أدبي عابر، بل شعرت أنها تختصر وجعاً إنسانياً ظل يرافقني طويلاً، وتفتح باب سؤالٍ لم يفارقني كلما تأملت حكايات البشر مع الألم.
في ذلك الصباح، كنت أقرأ عن أديل هوغو.
لم أكن أقرأ قصة امرأة فحسب، بل كنت أقرأ سؤالاً قديماً يسكنني:
ما الذي يجعل الألم يبتلع إنساناً، بينما يدفع إنساناً آخر إلى أن يصنع منه معنى؟
لم يكن هدفي أن أقارن نفسي بها، ولا أن أحاكم مصيرها؛ فلكل إنسان ظروفه النفسية والبيولوجية والاجتماعية التي تشكل طريقته في مواجهة الألم. لكن قصة أديل دفعتني إلى التأمل في مسارين مختلفين. لم تكن مأساتها أنها أحبت، فالحب جزء أصيل من التجربة الإنسانية، وإنما أن الألم ضاق بعالمها حتى كاد يصبح عالمها كله.
أما أنا، فلم تكن حياتي خالية من الفقد، لكنني كنت أبحث، في كل مرة أسقط فيها، عن نافذة تطل على معنى أوسع من الخسارة.
حينها سألت نفسي:
ما الذي جعلني، رغم الفقد، والخذلان، وخسارة المشروع، ووحدة الطريق، أتمسك بالحياة بدل أن أستسلم لها؟
لقد فقدت والدتي، وخسرت مشروعاً حلمت به، وعشت سنوات شعرت فيها أن الطريق لا ينتهي، وأن كل خطوة تُنتزع من الصخر.
ومع ذلك…
كان هناك خيط رفيع لم ينقطع يوماً.
إيماني بأن لحياتي معنى.
وإيماني بأن الاستمرار ليس انتظاراً لمعجزة، بل بناء هادئ لها، خطوة بعد خطوة.
تعلمت مع الأيام أن النجاة لا تأتي دائماً على هيئة يد تمتد إلينا، بل قد تأتي على هيئة قرار صغير نتخذه كل صباح: ألا نتوقف.
ومع مرور الوقت، أدركت أن ما كنت أبحث عنه لم يكن الحب وحده. كنت أبحث عن شعور يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش. وربما لهذا تحوّل بحثي تدريجياً من انتظار ما ينقصني إلى بناء ما أستطيع أن أقدمه. لم يعد المعنى فكرة أقرأ عنها، بل أصبح رسالة أحاول أن أعيشها في كل يوم، وأن أترك بها أثراً في حياة من أثقلتهم تجاربهم.
ولم يكن هذا مجرد استنتاج شخصي، بل وجدته يتكرر في كثير من الأدبيات النفسية. فالدراسات تشير إلى أن استجابة الإنسان للمحن لا يحددها عامل واحد، بل تتداخل فيها العوامل البيولوجية، والخبرات المبكرة، والدعم الاجتماعي، وطريقة تفسير الإنسان للأحداث. كما أن الإحساس بالمعنى، والالتزام بالقيم، ووجود هدف يتجاوز الألم، تعد من أهم العوامل المرتبطة بالمرونة النفسية والقدرة على التعافي بعد الشدائد، وهي أفكار تناولها باحثون ومعالجون نفسيون مثل فيكتور فرانكل، كما تؤكدها اتجاهات حديثة في العلاج المعرفي السلوكي والعلاج بالقبول والالتزام.
أما أنا…
فلم تكن قوتي في أنني لم أبكِ.
ولم تكن في أنني لم أتألم.
بل كانت قوتي في أنني رفضت أن أجعل الألم هويتي.
تركتُه يعلمني…
لكنني لم أسمح له أن يقود حياتي.
واليوم، حين أسأل نفسي:
ما معنى التكيّف؟
لا أجد الجواب في نسيان الماضي، ولا في إنكار الألم، بل في أن أتعلم كيف أعيش مع ما لا أستطيع تغييره، وأن أستعيد توازني كلما عصفت بي الحياة، وأن أواصل السير نحو ما أؤمن به دون أن أسمح للألم أن يختزل هويتي أو يسرق مستقبلي.
فالتكيّف ليس استسلاماً للواقع، وليس تجاهلاً للجراح، بل هو القدرة على الاستجابة لتحديات الحياة بمرونة، مع الحفاظ على القيم، ومواصلة السعي نحو حياة ذات معنى رغم الألم.
إنه ليس نهاية الوجع…
بل بداية علاقة أكثر وعياً معه.
وربما لم أجد الحب بالصورة التي تخيلتها يوماً، لكنني وجدت ما منحني القدرة على الاستمرار. لم يعد الحب بالنسبة لي شخصاً أنتظره، بل رسالة أعيشها، ومعنى أنهض من أجله كل صباح.
وحين أنظر إلى قصة أديل، لا أرى امرأة أخطأت في الحب، ولا أنظر إلى نفسي بوصفها انتصاراً على الألم، بل أرى طريقين مختلفين لإنسانين بحث كلٌّ منهما عن معنى لحياته.
وتعلمت أن السعادة لا تُختزل في الحب، ولا في المال، ولا في اكتمال الظروف. إنها تنمو كلما واجهنا تحدياً جديداً، وتقدمنا خطوة أخرى دون أن نفقد اتجاهنا أو قيمنا. فكل إنجاز صغير يعزز قدرتنا على الاستمرار، ويمنحنا شعوراً أعمق بالكفاءة والرجاء، حتى يصبح المعنى نفسه أحد أكثر أشكال الحب نضجاً.
ولهذا أصبحت أؤمن أن الدعم النفسي ليس رفاهية، بل مسؤولية إنسانية. فليس كل من يسقط ضعيفاً، بل قد يكون مرهقاً، أو وحيداً، أو فاقداً للأمل. ولأنني عرفت كيف يبدو الطريق حين يخلو من المساندة، أصبحت رسالتي اليوم أن أكون عوناً لكل من أثقلته الحياة، وأن أمد يدي لكل من يظن أن الطريق قد انتهى.
قد لا نستطيع أن نمحو الألم…
لكننا نستطيع أن نمنعه من أن يكتب النهاية.
ولعل أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان بعده ليس نجاحاً عابراً، ولا مالاً، ولا شهرة، بل إنساناً آخر استعاد الأمل لأنه وجد من يذكّره بأن للحياة معنى، وأن لكل بداية متعثرة طريقاً










