هذا المقال من سلسلة مقالات في القراءة النقدية لقصة “علي بابا والأربعون حرامي” من منظور نفسي معاصر
تُعد قصة “علي بابا والأربعون حرامي” من أشهر الحكايات الشعبية التي تناقلتها الأجيال، وترسخت في الوعي الجمعي بوصفها قصة ينتصر فيها الخير على الشر. وقد اعتاد القارئ أن ينظر إلى شخصياتها من خلال ثنائية بسيطة: أبطال أخيار في مواجهة أشرار يستحقون العقاب.
غير أن القراءة النفسية المعاصرة تدعونا إلى تجاوز هذا التصنيف التقليدي، وإعادة فحص السلوك الإنساني في ضوء علم النفس وعلم الجريمة والأخلاق، بعيدًا عن الأحكام المسبقة التي تفرضها الحبكة الدرامية أو النهاية السعيدة.
في هذه المقالة نتوقف عند شخصية مرجانة، التي تُقدَّم في الرواية الشعبية بوصفها البطلة الذكية التي أنقذت سيدها من مؤامرة اللصوص. ولكن إذا فصلنا الحدث عن سياقه الأدبي، وتأملناه بمنظار علم النفس الجنائي، فسنجد أنفسنا أمام مشهد مختلف تمامًا: امرأة تقتل عددًا كبيرًا من الأشخاص بطريقة منظمة، مستخدمة الزيت المغلي لإحراقهم داخل الجرار، دون أن تصف الحكاية أي مظاهر للتردد أو الصراع النفسي أو البحث عن بدائل أقل فتكًا.
وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل:
هل يكفي أن يكون الضحايا مجرمين حتى يصبح قتلهم بهذه الصورة فعلًا بطوليًا؟ أم أن إعادة قراءة المشهد بمعايير معاصرة قد تقود إلى فهم مختلف لشخصية مرجانة وسلوكها؟
إن الهدف من هذه المقالة ليس تبرئة اللصوص ولا إدانة مرجانة، وإنما إعادة قراءة القصة في ضوء المفاهيم الحديثة لعلم النفس السلوكي، وعلم النفس الجنائي، وأخلاقيات استخدام القوة. فالحكايات الشعبية كثيرًا ما تضفي المشروعية على أفعال معينة لأن بطلها هو “الخير”، بينما يغيب عنها التحليل النفسي والأخلاقي للسلوك ذاته.
⸻
البناء النفسي والسلوكي لمرجانة: بين غريزة البقاء والعنف الدفاعي
إذا خضعت أفعال مرجانة للتحليل وفق المفاهيم النفسية الحديثة، فإنها لا تنطبق على صورة “القاتل المتسلسل” بالمعنى الإكلينيكي المعروف. فالقاتل المتسلسل عادةً ما تدفعه دوافع داخلية معقدة، كالإشباع السادي أو السيطرة أو التلذذ بالقتل، بينما يبدو أن دافع مرجانة – في سياق الرواية – كان مرتبطًا بحماية نفسها ومن معها من خطر وشيك.
ومن ثم، فإن السلوك أقرب إلى ما تصفه بعض الأدبيات النفسية بـ العنف الدفاعي تحت التهديد الوجودي، حيث يشعر الفرد بأن حياته أو حياة من يحميهم مهددة بصورة مباشرة، فيلجأ إلى استخدام قوة قصوى لإزالة مصدر الخطر.
ومع ذلك، فإن أسلوب التنفيذ نفسه يثير تساؤلات نفسية تستحق التأمل.
أولًا: التخدير الانفعالي المؤقت (Emotional Numbing)
لكي يتمكن إنسان من قتل هذا العدد الكبير من الأشخاص بطريقة متتابعة، فمن المرجح أن يمر بحالة من التخدير الانفعالي المؤقت؛ وهي آلية دفاعية معروفة قد تظهر في ظروف الخطر الشديد، فيفصل العقل مؤقتًا بين الفعل ومشاعره الأخلاقية حتى يتمكن من التركيز على النجاة.
في تلك اللحظة، لا يرى الفرد خصومه باعتبارهم أشخاصًا لهم حقوق إنسانية، بل باعتبارهم مصدرًا مباشرًا للتهديد يجب تحييده بأسرع وسيلة ممكنة. ويُعد هذا النمط من إعادة الإدراك أحد الأساليب النفسية التي تسمح باتخاذ قرارات عنيفة في ظروف استثنائية دون انهيار انفعالي فوري.
ثانيًا: التفكير البراغماتي في ظل الخطر
تكشف تصرفات مرجانة عن قدرة عالية على تقييم الموقف واتخاذ القرار تحت ضغط شديد. ففي الوقت الذي ارتبك فيه الآخرون، تعاملت مع الأزمة بمنطق عملي بحت، وانتهت سريعًا إلى معادلة واحدة:
إما نحن… أو هم.
وفي مثل هذه الظروف، يميل العقل إلى تبسيط المشهد بصورة حادة، فتختفي المناطق الرمادية، ويصبح هدف النجاة هو المعيار الوحيد الذي يحكم القرار، حتى وإن قاد إلى استخدام وسائل عنيفة للغاية.
ثالثًا: التنظيم التنفيذي وضبط الانفعال
تُظهر الرواية أن مرجانة لم تتصرف بانفعال أو هيجان، بل بخطة منظمة، وتنفيذ متتابع، وسيطرة واضحة على انفعالاتها.
ومن منظور علم النفس، قد يشير ذلك إلى كفاءة مرتفعة في الوظائف التنفيذية؛ أي القدرة على التخطيط، وضبط الانفعالات، واتخاذ القرار تحت الضغط، وهي سمات قد تُستخدم في الخير كما قد تُستخدم في العنف، بحسب السياق الأخلاقي الذي تعمل داخله.
⸻
البعد الأخلاقي: هل يبرر الشر شرًا أكبر؟
تكشف قصة مرجانة عن إشكالية أخلاقية عميقة طالما حضرت في الأدب الشعبي، وهي أن السرد يمنح البطل شرعية شبه مطلقة لاستخدام أي قدر من العنف إذا كان الخصم مصنفًا باعتباره “شريرًا”.
وهنا لا يعود القارئ منشغلًا بالفعل نفسه، بل بهوية من قام به.
ولو أن المشهد نفسه نُسب إلى أحد اللصوص، لتغير حكمنا الأخلاقي بالكامل، رغم أن وسيلة القتل واحدة.
وهذا يكشف عن إحدى الظواهر التي يدرسها علم النفس الأخلاقي، وهي أن الإنسان كثيرًا ما يُقيِّم السلوك من خلال هوية الفاعل أكثر من تقييمه لطبيعة الفعل ذاته.
أما من منظور العدالة الحديثة، فإن حق الدفاع عن النفس لا يمنح بالضرورة مشروعية مطلقة لكل وسيلة مستخدمة، بل يظل خاضعًا لمبادئ الضرورة والتناسب، وهي مبادئ لم تكن مطروحة بالطريقة نفسها في الحكايات الشعبية القديمة.
⸻
مرجانة… هل كانت بطلة أم نموذجًا معقدًا للطبيعة الإنسانية؟
ليس الهدف من هذه القراءة إسقاط صورة البطولة عن مرجانة، كما أنه ليس محاولة لإدانتها أو وصفها باضطراب نفسي لمجرد ما ورد في الحكاية.
فالتحليل النفسي لا يُصدر أحكامًا، وإنما يحاول تفسير السلوك في ضوء السياق الذي نشأ فيه.
لقد وُضعت مرجانة – وفق أحداث القصة – في موقف رأت فيه أن الفشل يعني الموت المحتوم، فاختارت أكثر الوسائل حسماً لإنهاء التهديد.
ومع ذلك، فإن قسوة الوسيلة تبقى مثارًا للتساؤل، خاصة عندما تُقرأ بمعايير القرن الحادي والعشرين، لا بمعايير الأدب الشعبي القديم.
وربما تكمن قيمة هذه الشخصية في أنها لا تسمح لنا بالاستقرار داخل منطقة الأحكام السهلة؛ فهي ليست بطلة مثالية، وليست مجرمة بالمعنى الإكلينيكي، وإنما نموذج إنساني يكشف كيف يمكن للخوف، وغريزة البقاء، والقدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط، أن تدفع الإنسان إلى أفعال تتجاوز الحدود المألوفة.
وهكذا، تبقى مرجانة واحدة من أكثر شخصيات الأدب الشعبي إثارة للتأمل؛ لأنها تذكرنا بأن الحد الفاصل بين البطولة والعنف، وبين الضحية والجلاد، ليس دائمًا واضحًا كما تصوره الحكايات، بل قد يكون أرقَّ بكثير مما نظن.
عضو الإتحاد العالمي للصحة النفسية










