الأربعاء , 21 أكتوبر 2026

د. عامر عيد إيران تعيد تشكيل بنية الشرق الأوسط والخليج .. اضطراب جديد في لوجستيات النفط السعودي بسبب تهديد الحوثيين (6-7)

كان المسار العماني محاولة لاستعادة ما سبق أن تنازلت عنه الولايات المتحدة؛ ولفترة من الوقت، انخرطت الولايات المتحدة وإيران في ضربات متبادلة، بلغت ذروتها في هجمات أمريكية مكثفة في منتصف يوليو الماضي؛ وعندما لم تحقق تلك الهجمات أثرا، حذر ترامب في 15 يوليوالماضي أيضا من أن الولايات المتحدة “ستدمر جميع محطات الكهرباء لديهم»” و”جميع جسورهم” ما لم تفاوض إيران؛ ومرة أخرى، لم يقع أي هجوم؛ ثم عرف العالم، والإيرانيون، أحد الأسباب الرئيسية: فقد كشفت معلومات أن مخزونات الولايات المتحدة من الذخائر الحيوية انخفضت إلى مستويات خطرة، وأن رئيس هيئة الأركان المشتركة نفسه كان يبحث عن “مخرج”، وهو ما بعث بإشارة واضحة بشأن المسار المستقبلي للاستراتيجية الأمريكية؛ فأي هجوم كبير على إيران من شأنه تهديد المصالح الأمريكية في أماكن أخرى، عبر إضعاف الولايات المتحدة في حال تحرك صيني محتمل ضد تايوان أو هجوم روسي على دولة عضو في حلف الناتو.

انخفاض مخزونات الذخائر الأمريكية

كما أن نقص الصواريخ سيزيد مخاطر شن هجوم واسع على البنية التحتية الإيرانية؛ وستضطر الولايات المتحدة إلى إرسال مزيد من الطائرات المأهولة إلى داخل مدى الدفاعات الجوية الإيرانية، في حين لن يتوافر لديها سوى عدد محدود نسبيا من الصواريخ الاعتراضية لحماية دول الخليج وقواعدها الإقليمية؛ وستكون مخاطر وقوع خسائر أمريكية مرتفعة، وكذلك المخاطر المحدقة بالبنية التحتية للطاقة في المنطقة؛ ولن يكون هناك ما يضمن أن يكون مثل هذا الهجوم أكثر فاعلية من حملة القصف التي استمرت أكثر من خمسة أسابيع في وقت سابق من هذا العام؛ لقد أوضحت التصرفات الأمريكية أن واشنطن تخشى التصعيد أكثر مما تخشاه إيران، ليس في الوقت الراهن فحسب، بل في المستقبل أيضا؛ وهذا يفرض قيودا على ما تستطيع الولايات المتحدة فعله حتى عند المستويات المنخفضة من الصراع؛ فلأن أي عمل عسكري ضد إيران ينطوي على خطر وضع القدم على سلم تصعيد لا تريد الولايات المتحدة صعوده.

يبدو أن حتى الضربات المتبادلة لم تعد جزءا من الاستراتيجية الأمريكية؛ وقد أفادت تقارير بأن الرئيس أبلغ مستشاريه أنه لا يريد إصدار أوامر بمزيد من الضربات؛ وقد ضرب الإيرانيون عدة سفن إماراتية هذا الشهر، بل وأطلقوا صواريخ باليستية على الدولة، لكن الولايات المتحدة لم ترد منذ يوليو الماضي، وهي حقيقة لا شك أن الإمارات وبقية جيران إيران قد لاحظوها؛ في ظل الإحجام الأمريكي الواضح عن خوض حملة عسكرية كبرى أخرى، لدى إيران سبب للتساؤل عما يمكن أن تحصل عليه من اتفاق لن تحصل عليه، على أي حال، من دونه؛ ويطالب كبار المسؤولين الإيرانيين الآن بانسحاب القوات الأمريكية، ورفع الحصار البحري الأمريكي وجميع العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ودفع تعويضات عن الحرب؛ والرأي السائد هو أن قادة إيران يعلمون أن هذه المطالب غير قابلة للقبول في واشنطن، ولذلك فهم إما يتعمدون إذلال ترامب بالهزيمة، أو يسعون إلى اتفاق أفضل، أو يبالغون في استثمار أوراق قوتهم.

إذلال ترامب ومزيد من التنازلات

ولا يزال كثير من المراقبين يفترضون أن السيطرة على المضيق ورقة مساومة لانتزاع مزيد من التنازلات من الولايات المتحدة أو لإعادة ترامب إلى مذكرة التفاهم؛ لكننا تجاوزنا كل ذلك بكثير؛ فالمنتصر لا يحتاج إلى العودة إلى طاولة المفاوضات إلا لوضع شروط الاستسلام؛ وقد وضعت إيران الآن تلك الشروط؛ وربما تبدو متطرفة ومفرطة، لكن من الصعب أن تعتقد طهران أن لديها سببا للمطالبة بأقل منها؛ فمنذ أشهر، أوضحت إيران أن السيطرة على المضيق ليست موضع تفاوض؛ أما الفكرة التي تروج لها إدارة ترامب ووسائل الإعلام باستمرار، ومفادها أن الإيرانيين لا يستطيعون حسم موقفهم وأنهم يغيرون مواقفهم باستمرار، فهي محض هراء؛ فمنذ أبريل، أعلن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي أن إيران ستطبق “أطرا قانونية وإدارية جديدة” للمضيق، وأن “الأجانب الذين يأتون من على بعد آلاف الكيلومترات” لا مكان لهم في الخليج “إلا في قاع مياهه”.

وفي يوم إحياء ذكرى هزيمة إيران للبرتغال في المضيق عام 1622، أعلن المرشد الإيراني أن “المستقبل المشرق لمنطقة الخليج الفارسي، بإرادة الله وقوته، سيكون مستقبلا بلا أمريكا”؛ أما الاعتقاد بأن إيران، بعدما صمدت أمام الضربات العسكرية والعقوبات معا، ستستسلم الآن للعقوبات وحدها، فهو وهم؛ فقد أعاد مجتبى تشكيل قيادة الأمن القومي الإيراني ووضع محاربين قدامى من الحرس الثوري الإسلامي في المناصب العليا؛ وأصبح القائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي يرأس المجلس الأعلى للأمن القومي، كما جرى تصعيد مسؤولين أمنيين متشددين آخرين؛ ويعاد تنظيم النظام الخارج من الحرب على أيدي رجال يؤمنون بأن إيران نجت من محاولة أمريكية إسرائيلية لتدميرها، وأن التحدي، لا التسوية، هو الذي حقق النصر؛ لكن الأمر لا يتعلق بمجرد نشوة انتصار؛ فبالنسبة إلى إيران، ليست السيطرة على المضيق ترفا ولا ورقة مساومة؛ ونظرا إلى احتمال أن تهاجم إسرائيل أو الولايات المتحدة إيران مجددا في مرحلة ما مستقبلا، سواء كان هناك اتفاق أم لا، فإن المضيق يوفر لإيران أقوى وسائل الردع وأكثرها ضمانا؛ كما أنه المفتاح لفك كثير من القيود التي فرضها نظام عالمي تهيمن عليه الولايات المتحدة على إيران على مدى عقود.

السيطرة على هرمز أم النووي؟

ولتفكيك نظام اقتصادي إقليمي وعالمي صمم لإقصائها وإفقارها؛ وربما ينظر بعض من يسمون بالمعتدلين داخل المؤسسة الإيرانية إلى المضيق بوصفه ورقة مساومة، لكنهم لا يكسبون هذا الجدل، لأسباب يسهل فهمها؛ وقد عبر متحدث باسم الحرس الثوري عن رؤية النظام بوضوح: “بالنسبة إلينا، مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي اقتصادي، بل عنصر رئيسي من عناصر قوتنا الجيوسياسية والاستراتيجية”؛ ومنذ أشهر، تعمل إيران على إنشاء آليات السيطرة، وتصدر تعليماتها إلى ملاك السفن والدول بشأن كيفية عمل النظام؛ وأنشأت “هيئة مضيق الخليج الفارسي”، وطالبت شركات الشحن بالتسجيل لديها والحصول على تصاريح، واتباع المسارات التي تحددها إيران، ودفع تكاليف التأمين والأمن اللذين توفرهما إيران؛ ولا تطالب إيران بمجرد حق تحصيل الأموال؛ بل تطالب أيضا بحق تحديد من يسمح له بالمرور؛ واقترحت استبعاد السفن المرتبطة بحكومات تعتبرها معادية، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، كما طالبت بتعويضات من الدول التي شاركت في الهجمات عليها؛ وهي بذلك ترسي مبدأ أن المرور عبر المضيق سيصبح من الآن فصاعدا امتيازا تستطيع طهران منحه أو إخضاعه لشروط أو تأخيره أو منعه؛ وقد بدأت دول أخرى بالفعل في الإذعان للترتيب الجديد.

وسعت الهند وباكستان والعراق وتركيا والصين وغيرها إلى التوصل إلى تفاهمات؛ إن سيطرة إيران على مضيق هرمز أداة قوة أكثر فائدة مما سيكون عليه السلاح النووي؛ فالسلاح النووي قد يردع هجوما، لكن السيطرة على المضيق تمنح إيران نفوذا يوميا على عشرات الدول؛ وبواسطتها تستطيع إيران مكافأة الأصدقاء، ومعاقبة الأعداء، وجني الإيرادات، وفرض تخفيف العقوبات، ودفع الحكومات إلى التفكير مرتين قبل معارضة سياساتها؛ وتستطيع فعل كل ذلك من دون إطلاق رصاصة واحدة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالقدرة على التهديد بالعنف عند الضرورة؛ لقد استندت استراتيجية العقوبات التي خدمت لعقود في عزل إيران إلى التعاون الدولي؛ والدول التي تعتمد على الوصول إلى المضيق، اليابان وكوريا الجنوبية مثلا، ستضطر إلى الاختيار بين الوصول إلى إمدادات طاقة موثوقة والمشاركة في العقوبات المدعومة أمريكيا؛ فهل ستختار التضامن مع واشنطن على مصالحها الاقتصادية؟ في النظام الجديد الذي تعمل إيران على إنشائه.

وإلى لقاء أخر باذن الله.


الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية

شاهد أيضاً

شيخ الأزهر يطمئن على صحة البابا ليو الرابع عشر ويتمنى له الشفاء العاجل

كتب د. عبد العزيز السيد بعث فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *