مؤمن الهبـاء يكتب.. رسالة الحرية والرحمة (2)



ترى، ماذا كان يحدث فى العالم لو لم يأت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشر فيه الإسلام؟ هذا السؤال طرحه الكاتب الأمريكى جراهام فولر فى مقال نشرته مجلة (فورين بوليسى) الأمريكية تحت عنوان (عالم بلا إسلام)، وقد عرضت الأسبوع الماضى إجابته عن سؤاله، التى أكد فيها أن الإسلام صنع حضارة عظيمة، وقدم رؤية أخلاقية تتميز بالعدالة، ووحد شعوبا مختلفة الأعراق.
ونحن نستطيع أن نقدم إجابة أكثر تفصيلا للسؤال نفسه، فقد ولد محمد والعالم منقسم إلى معسكرين: معسكر يخضع لعبودية أشكال من الوثنيات؛ فيه من يعبد الحجارة والنار والحيوانات والأشخاص والشمس والقمر والنجوم، ومعسكر يخضع لسيطرة رجال الدين الذين يتحكمون فى الناس بسلطة إلهية مقدسة يزعمون أنها حلت فيهم، وجاءت دعوة النبي لتحرر الإنسان من هذه العبودية بكل أشكالها، وتجعل علاقته مع الله مباشرة بدون وسطاء ولا أوصياء، وتسقط القدسيات المزيفة، وتضع الناس على قدم المساواة فى القيمة الإنسانية، لافضل لأحدهم على الآخرين إلا بالتقوى، الملوك ليسوا مقدسين، والكهنة ليسوا مقدسين، ليس على الأرض آلهة ولا أنصاف آلهة، وليس فى الكون إله إلا الله وحده لا شريك له.
وهكذا كانت فكرة التوحيد التى هي عنوان الإسلام هى ذاتها عنوان الحرية لبنى البشر، بصرف النظر عن دينهم أو عرقهم أو جنسهم أو لونهم، الإنسان حر لا يعبد إلا الله، وهذه العبودية لله هي التى حررته من عبودية البشر والحجر.
وكان انتشار دعوة التوحيد شرقا وغربا سببا أساسيا فيما سمى بالإصلاح الدينى فى أوروبا، فقد تأثرت الشعوب التى لم تدخل الإسلام بمبادئ الحرية العقلية التى حملتها رسالته، والتى انتقلت إليهم عن طريق الاتصال بالمسلمين فى التجارة والحروب، ومن هذه الحرية العقلية انبثقت الحريات الأخرى التى صارت حقا إنسانيا خالصا، فالإسلام هو الذى جعل لكل إنسان حقا متساويا مع الآخرين فى الحياة وفى التعليم والكفاية الاقتصادية والمشاركة السياسية والعدالة، وأنهى احتكار السلطة الزمنية والسلطة الروحية، كما أنهى تسلط كلتا السلطتين على الناس تحت أى مسمى.
وحين تحرر العقل البشرى من الأساطير المزيفة التى كبلته قرونا طويلة انطلق يبدع ويبنى حضارة ظلت شامخة بعطائها وثرائها إلى اليوم، رغم ما أصابها من وهن وما اعتراها من تشويه.
رسالة التوحيد هى التى جعلت المرأة على الدرجة نفسها التى يقف عليها الرجل من القيمة الإنسانية، وجعلت العبد المملوك على الدرجة نفسها التى يقف عليها سيده من القيمة الإنسانية، وفتحت الأبواب لتحرير العبيد، وجعلت الدين علاقة بين الإنسان وربه وليس وسيلة للتميز والتسلط على الناس.
فالحرية على هذا النحو هي العنوان الأول لرسالة التوحيد، أما العنوان الثانى فهو الرحمة، والرحمة مفردة عبقرية تحمل فى جوهرها كل القيم الإنسانية العالية؛ العفو والتسامح والعطاء والحب والعطف والبر والإحسان والكرم … إلخ.
وكثيرا ما استخدم الخطاب الإسلامي مشتقات عديدة من (الرحمة)، مثل (التراحم) الذى يعنى أن يرحم الناس بعضهم بعضا، وأن تمتد رحمتهم إلى سائر الكائنات الموجودة معهم فى الحياة، ومن لا يرحم لا يرحم، وارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء، ودخلت امرأة النار فى هرة حبستها، ودخل رجل الجنة فى كلب سقاه، وليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا.
وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز أنه كتب على نفسه الرحمة، وسمى نفسه الرحمن الرحيم، وأمر الولد بأن يخفض لوالديه “جناح الذل من الرحمة”، وأن يدعو لهما “وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا”، وجعل (صلة الرحم) بابا واسعا من أبواب مرضاته عز وجل، ونبينا هو نبى الرحمة، “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، وحتى فى الحروب صدرت الأوامر لجيوش المسلمين بألا يقتلوا شيخا أو طفلا أو امرأة أو ناسكا فى صومعته، ولا يقطعوا الأشجار والنخيل.
إن قيمة الحرية والرحمة من أروع ما قدمته رسالة الإسلام إلى هذا العالم، وقد كان على رسولنا الكريم أن يكابد كثيرا وهو يواجه معتقدات وخرافات مستقرة لكي يغير الضلال السائد، وحمل وحده مهمة تغيير بيئة الجهالة فى مكة، لينقل البشرية كلها من وأد البنات وشريعة الغاب إلى احترام قيمة الإنسان وصيانة حقوقه وحريته وأمنه، صلى الله عليه وسلم.

شاهد أيضاً

عبدالمعطى احمد يكتب: الحاسب الالكترونى لايفكر وحده

منذ اقدم العصور والانسان يستخدم الرياضيات عامة والحسابات خاصة فى تطوير حياته وكشف أسرارها ودراسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *