في السنوات الأخيرة، أصبحت الدبلوماسية مسعى لا يرحم؛ فقد نجحت بعض الاتفاقات المؤقتة في تحقيق قدر محدود من خفض التصعيد، لكن لم يتم التوصل إلى حلول دائمة لأي من الصراعات العالمية الخطيرة التي تهدد بصورة مباشرة حياة الناس في فلسطين وإيران واليمن والسودان ولبنان وإسرائيل وأوكرانيا، والتي تلحق كذلك أضرارًا جسيمة بالدول المجاورة وبالاقتصاد العالمي؛ وليس ذلك بسبب نقص في التحركات؛ فقد كانت هناك مبادرات ووساطات ومفاوضات وقمم ومذكرات عديدة، وكرّس كثير من الدبلوماسيين ذوي الخبرة وقتهم وبراعتهم لهذه القضايا؛ بل إن السبب يعود إلى بُعدين جديدين ومقلقين في السياسة العالمية، باتا يتطلبان بصورة عاجلة استجابة جماعية من المجتمع الدولي؛ أولهما هو تراجع الالتزام بالقانون الدولي؛ فقد شهدت السنوات الأخيرة ترسيخًا للاحتلالات، وتزايدًا في استخدام الاغتيال والاختطاف بوصفهما أداتين من أدوات السياسة، وهجمات متهورة على المدنيين، إلى جانب ازدراء علني لمؤسسات مثل الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية؛ وهذا يهدد بإعادتنا إلى حقبة سابقة كانت تستطيع فيها القوى الكبرى أن تتصرف من دون عقاب، لكن هذه المرة في عالم يمتلك أسلحة دمار شامل.
الاتفاقات المؤقتة فشلت في تحقيق الحلول
أما البعد الثاني فهو ميل بعض قادة العالم إلى الاعتقاد بأنهم يستطيعون ممارسة الدبلوماسية بأنفسهم، من دون إشراك الدبلوماسيين؛ والمشكلة أنهم سرعان ما يكتشفون أن الأدوات المتاحة أمامهم لتحقيق أهدافهم قليلة للغاية؛ فيضطرون إما إلى العودة إلى الأسلوب الإمبراطوري التقليدي الذي ساد القرن التاسع عشر، أي “دبلوماسية الزوارق الحربية”، أو إلى نظيره الحديث الأكثر تهذيبًا في الشكل، وإن كان مدمرًا بالقدر نفسه وهو استخدام القوة الاقتصادية لإخضاع شعوب بأكملها بالتنمر والضغط، على أمل تحقيق “تغيير النظام” وتنصيب إدارة وكيلة مطيعة؛ فكيف ينبغي للدول الأصغر أن تتصرف عندما يجري بصورة متزايدة تجاهل القواعد التي كانت تكبح جماح الدول الأكبر؟، ربما تكون أفضل استجابة هي أن نبدأ، بصبر، بل وربما بشيء من الإلحاح الذي قد يبدو مفرطًا، بالتشديد على ضرورة الالتزام ببعض القواعد القديمة؛ بحسب وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي من خلال مقاله في جريدة “فايننشال تايمز”، فقد يعتبر أولئك الذين يميلون بطبيعتهم إلى التحرك بسرعة وتحطيم الأشياء أن التذكير المتكرر بالقانون الدولي أمر ممل.
لكن هذه القواعد موجودة لحماية الغالبية الساحقة من سكان العالم؛ وليس هذا هو الوقت المناسب للتخلي عن المبدأ القائل إن القانون موجود لتقييد الاستخدامات غير المشروعة للقوة؛ ومن الناحية العملية، يعني ذلك الاحتفاظ بقدر من الإيمان بمسار الدبلوماسية حتى عندما يبدو أنه لا يعمل؛ فعندما نواجه فشلًا ظاهرًا، أو مشكلة تبدو مستعصية، أو تعنتًا من الأطراف التي نتفاوض معها، فإن التحدي ليس في الانسحاب؛ مهمة الدبلوماسي، وربما خصوصًا دبلوماسي الدولة الصغيرة، هي أن يكون ذلك المحاور المثابر الذي يبقى جالسًا إلى الطاولة حتى عندما يبدو أنه لم يعد هناك شيء يمكن استكشافه؛ ذلك الشخص الذي لا يتوقف عن رفع سماعة الهاتف واقتراح طريقة إضافية واحدة فقط لدفع الحوار خطوة صغيرة إلى الأمام.
حماية السيادة والحياد البناء
يقول وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في مقاله “عُمان ومضيق هرمز كان أحد المحاور الرئيسية للدبلوماسية العُمانية خلال الأشهر الماضية هو محاولة التوصل إلى اتفاق يعيد حرية الملاحة عبر مضيق هرمز”؛ ويضيف “إنها مفاوضات معقدة تُجرى تحت التهديد الدائم بالحرب، ولها بطبيعة الحال تداعيات معروفة على الاقتصاد العالمي؛ وهي تتطلب الموازنة بين التفاصيل الدقيقة للقانون الدولي وبين قضايا بالغة الحساسية تتعلق بالأمن القومي؛ ولم يتم التوصل إلى حل حتى الآن؛ لكننا لن ننسحب؛ والسبب في ذلك، بطبيعة الحال، أن ما هو على المحك في هذه المفاوضات أكبر من أن يسمح لنا بذلك”؛ لكن من وجهة نظرنا، هناك سببًا آخر أيضًا وهو أن عملية التفاوض ذاتها، أي الفكرة القائلة إن الدول تستطيع حل خلافاتها من خلال الحوار، أصبحت هي الأخرى على المحك؛ وتحاول سلطنة عُمان من خلال استمرار انخراطها تحقيق ثلاثة أهداف؛طبقا لوزير خارجيتها “الأول، حماية سيادتنا نحن، نظرًا إلى أن الوضع الحالي يهدد أمن مياهنا الإقليمية؛ والثاني، حماية مصالح المجتمع الدولي، انطلاقًا من إدراكنا أن الفئات الأكثر ضعفًا هي، لا محالة، التي ستدفع الثمن الأكبر إذا ظل المضيق مغلقًا؛ والثالث والأخير، التأكيد على استمرار مركزية القانون الدولي، من خلال اختيارنا أن نتحرك بأمان داخل إطاره”.
وتتسق هذه الأهداف الثلاثة جميعًا مع ما تعنيه عُمان بمفهوم “الحياد البنّاء” وهذا المفهوم يعني أكثر من مجرد تقديم المساعدة أو الاستعداد لتيسير الحوار؛ إنه يعني في الوقت نفسه الحفاظ على القانون الدولي العام والمساهمة في بنائه؛ فالقانون الدولي ليس مجرد نص مكتوب؛ بل هو شيء يجري الحفاظ عليه وتعزيزه من خلال الأفعال التي تُتخذ باسمه؛ والهدف هو العمل تدريجيًا على تطوير إطار قابل للتطبيق من الالتزامات المتبادلة، يمكنه أن يشكل نظامًا معياريًا يحكم العلاقات بين الدول؛ ومن خلال القيام بذلك تستطيع الدول الأصغر، التي تشكل في الحقيقة غالبية دول العالم، أن تحمي نفسها من التصرفات غير المتوقعة لأولئك الذين تمنحهم قوتهم، لولا وجود هذه القواعد، القدرة على التصرف من دون عقاب.
عودة تغيير النظام الإيراني !
“لا أحد يعرف الإجابة، لكن الوقائع التي يمكن رصدها لا تتعارض مع هذا التخمين؛ فلا تستطيع دولة أن تبقى طويلًا واقفة على قدميها واقتصادها ينكمش، وعملتها بلا قيمة، ومواطنوها ناقمون، وجيشها مُهان؛ في الأسبوع الماضي”، تحدث الرئيس مسعود بزشكيان بصراحة عن اقتصاد البلاد المحتضر، فنال توبيخًا من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي؛ كما نقلته جريدة “وول ستريت جورنال”، وقد تسبب الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية في نقص حاد في الوقود، وليس أمام الحكومة في طهران سوى أحد خيارين، إما ألا تفعل شيئًا، فتزيد بؤس شعب مضطرب أصلًا؛ وإما أن ترفع القيود المفروضة على زيادة أسعار البنزين؛ وفي آخر مرة قفزت فيها أسعار الوقود، قبل سبع سنوات، اندلعت احتجاجات في أنحاء البلاد واستمرت ثمانية أشهر؛ لكن السيد سكوت بيسنت قال إن “الاقتصاد ليس مضطرًا إلى الانهيار؛ كل ما نحتاج إليه هو أن يعود النظام إلى رشده”؛ قد يكون هذا كلامًا سياسيًا محسوبًا، لكن حكام إيران لن “يعودوا إلى رشدهم”، للسبب نفسه الذي جعل صدام حسين عام 2003 عاجزًا عن الاعتراف بأنه لا يمتلك أسلحة دمار شامل؛ طبقا لما ادعاه بارتون سوايم في “وول ستريت جورنال” في نفس الأسبوع.
فما يبدو سلوكًا عقلانيًا في الغرب قد يبدو في الشرق الأوسط أقرب إلى العار وفقدان الشرف؛ والحقيقة أن النظام لا بد أن يسقط إذا كان وزير الخزانة ورئيسه يريدان أن يصفا هذه الحرب بأنها نجاح من دون أن يصبح ذلك موضع سخرية؛ تغيير النظام أو الفشل، اختر واحدًا؛ الرئيس ترامب يعرف ذلك؛ ولهذا، وبرغم كل تباهيه وتهديداته وتقلباته المسببة للصداع، لم يفعل ما ظن الجميع أنه سيفعله: أن يسمح لإيران بالاحتفاظ بسيادتها الزائفة على مضيق هرمز، ثم يعلن أن الأمر كله انتصار لأن جيشها وبرنامجها النووي باتا حطامًا”، وتلك الكلمات تفوه بها سالف الذكر بارتون سوايم في نفس الجريدة “وول ستريت جورنال”؛ ويمكنك أن تعزو هذه النتيجة أيضًا إلى استعصاء النظام الإيراني وعناده، لكن الحقيقة تبقى، كان بوسع ترامب أن يقبل بخسارة فعلية ثم يسميها انتصارًا، لكنه لم يفعل؛ على مدى ستة أشهر، ظلت طبقة الخبراء تتنبأ بكارثة عالمية ستنجم عن قرار ترامب خوض الحرب؛ ولا تزال الحرب غير شعبية، والجمهوريون يفضلون الحديث عن أي شيء آخر؛ أما التقارير الإعلامية عن نقص الأسلحة وتذمر القادة العسكريين، وبعضها جرى تضخيمه، وكان المقصود منه بوضوح إحراج الإدارة، فتجعل خيار الخروج السهل أكثر إغراءً يومًا بعد يوم.
اللعب علي المكون الداخلي الإيراني
ومع ذلك، لم يختر ترامب هذا المخرج؛ لقد أبغض القيادة الإيرانية منذ عقود، لكن النظام منحه مؤخرًا سببًا آخر، أشد قوة، لكي ينهي أمره؛ فقد نفذ أشخاص مرتبطون بإيران، ويُشتبه في سعيهم إلى اغتياله، محاولتين على الأقل لاستهداف حياة الرئيس؛ وخلال جنازة علي خامنئي، المرشد الأعلى الإيراني السابق، التي امتدت أسبوعًا، رفع موالون للنظام لافتات تعرض مكافآت مالية مقابل حياة ترامب؛ وفي الأسبوع الماضي، ظهرت أنباء تفيد بأن وسائل إعلام حكومية إيرانية بثت مقطع فيديو مدته ثلاث دقائق يعرض 10 ملايين دولار مقابل حياة ابنه الأصغر بارون، ويزعم الكشف عن الأماكن التي يوجد فيها عادة؛ كما دعت وسائل إعلام أخرى مرتبطة بالدولة إلى استهداف السيدة الأولى ميلانيا ترامب وابنة الرئيس إيفانكا؛وهذا مسلك وتصرف مشروع من قبل الجمهورية الإسلامية ويتفق مع المبدأ الدبلوماسي وهو المعاملة بالمثل، وسيغادر ترامب منصبه عام 2029، لكن الدعوات الإيرانية إلى ممارسة العنف ضده وضد أسرته لن تنتهي بانتهاء ولايته؛ لقد مر ثلاثة وثلاثون عامًا بين إصدار آية الله الخميني حكمًا بالموت على سلمان رشدي بسبب روايته “آيات شيطانية”، وبين محاولة تنفيذ ذلك الحكم على يد إسلامي مولود في الولايات المتحدة؛ وزعمت طهران أنها لم تكن تعرف شيئًا عن أفعال المهاجم، لكنها احتفت، مع ذلك، بالإصابات التي كادت تودي بحياة رشدي.
الكراهية من هذا النوع لا تلين مع الزمن؛ وما دامت الثورة التي بدأت عام 1979 باقية، فسيبقى معها تعطشها إلى الدم والأخذ بالثأر؛ وبعيدًا عن الضربات العسكرية والحصار، يستطيع ترامب استخدام مورد يملكه دائمًا بوفرة: الكلمات؛ فعندما بدأت الحرب، تحدث ترامب مباشرة إلى الإيرانيين المقهورين؛ وقال في تصريحات معدة سلفًا يوم انطلاق عملية ايبك فاري “لقد حانت ساعة حريتكم؛ ابقوا في الملاجئ، ولا تغادروا منازلكم؛ الوضع في الخارج بالغ الخطورة؛ وعندما ننتهي، استولوا على حكومتكم؛ ستكون لكم لتأخذوها؛ وربما تكون هذه فرصتكم الوحيدة لأجيال”؛ لكن عندما لم تسقط الحكومة، استسلم ترامب غير المنضبط كعادته لشغفه بالاستعراض وعقد الصفقات الكبرى على طريقة أصحاب النفوذ؛ ومن شبه المؤكد أن ذلك ثبط أي محاولة للتمرد؛ وعلى أي حال، انتهت كل تلك المغازلات والمذكرات إلى لا شيء، تمامًا كما توقعت هذه الصفحات وغيرها؛ أما الآن، ومع وجود شعب غاضب وحكومة حُرمت من المال، فقد يكون لقليل من الخطاب على طريقة رونالد ريغان أثر بالغ القوة؛ ولا ينبغي الالتفات إلى الاعتراض القائل إن إيران تفرض رقابة شديدة على ما يستطيع مواطنوها مشاهدته عبر الإنترنت؛ فإذا كانت خطابات رونالد ريغان المناهضة للشيوعية قد وجدت طريقها إلى الزنازين المظلمة في معتقلات سيبيريا، فإن ترامب يستطيع أن يتحدث إلى خصوم الجمهورية الإسلامية في الداخل، وأن يثق بأن صوته سيصل إليهم؛ وكما كتب الشاعر والمنشق البولندي الكبير تشيسواف ميووش “ما أشد صعوبة أن تحارب الأنظمة الشمولية الكلمة؛ فهي تتسلل عبر الحدود بسرعة وفاعلية تفوقان كثيرًا ما يتصوره من هم في الخارج.
أمريكا تجهز خطة للشرق الأوسط
ولا يخفى على أحد؛ من ان إدارة ترامب تعمل على إعداد استراتيجية لمرحلة ما بعد الحرب على إيران، تركز على جهد إقليمي لاحتواء إيران وتوسيع نطاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل وجيرانها، وفقًا لمسؤولين أمريكيين ومصدرين آخرين مطلعين على الأمر؛ تحدثوا مع وكالة “أكسيوس” الأمريكية، رغم أن الخطة لا تزال في المراحل الأولى من صياغتها، فإن الهدف منها هو توجيه النهج الأمريكي في الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب مع إيران، وخلال العامين الأخيرين من ولاية الرئيس ترامب؛ ويخيّم حدثان كبيران على عملية التخطيط، الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر، وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر؛ خلف الكواليس، يقول مسؤولون أمريكيون إن العمل الأولي على الاستراتيجية يجري على مستويين في آن واحد، المستوى السياسي الرفيع داخل إدارة ترامب، ومستوى فرق العمل عبر مختلف الوكالات الحكومية؛ وخلال الأسابيع الأخيرة، عقد ترامب اجتماعين مع كبار مستشاريه نوقشت خلالهما الخطة وطُرحت مجموعة من الأفكار، وفقًا لمصادر أكسيوس؛ وقال ترامب في محادثات خاصة إنه يعمل على “شيء أكبر بكثير” في الشرق الأوسط بعد الحرب مع إيران؛ ورفض البيت الأبيض التعليق، طبقا لأكسيوس.
وقد طُرحت ثلاثة عناصر رئيسية باعتبارها أجزاء محتملة من الاستراتيجية، وفقًا للوكالة الأمريكية، إنشاء اصطفاف إقليمي بين حلفاء الولايات المتحدة لاحتواء إيران، على أن تكون الولايات المتحدة هي الضامن؛ بذل جهد منسق لدفع التداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 نحو نهايتها، من خلال ضمان الانتقال إلى المرحلة التالية من خطة ترامب بشأن غزة، والتوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، وتنفيذ الاتفاق بين إسرائيل ولبنان؛ توسيع اتفاقات أبراهام والتوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل؛ موضع التعقيد؛ وتأمل إدارة ترامب أن تكون أي حكومة إسرائيلية جديدة تتشكل بعد انتخابات 27 أكتوبر راغبة وقادرة على التعاون في تنفيذ استراتيجية ما بعد الحرب؛ لكن بعض المسؤولين الأمريكيين يشددون على أن ترامب سيمضي قدمًا في محاولة تنفيذها بغض النظر عن نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وحتى إذا أسفرت تلك الانتخابات عن حالة من الجمود السياسي؛ ما الذي ينبغي مراقبته، فإن صياغة الاستراتيجية ستستغرق بضعة أسابيع أخرى؛ إنهم يطبخونها، لكنها لم تنضج بعد؛ إن الفكرة هي ربط عدد كبير من الأمور في المنطقة بعضها ببعض، من أجل إنشاء اصطفافًا إقليميًا بعد الحرب؛ ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان جميع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة سيكونون مستعدين للانضمام إلى ذلك؛ إلا أن البعض يؤكد أن “اتفاق مكة” هو أحد تداعياته!.
لم يعد “محور المقاومة” قائمًا !
ولسنوات، تحدث المسؤولون الإيرانيون عن “محور المقاومة”؛ حلفاء يمتدون من بيروت إلى صنعاء، ويقفون معًا في مواجهة أعداء مشتركين؛ لكن عندما تعرضت إيران للهجوم مرتين خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية، اتخذ كل واحد من هؤلاء الحلفاء قرارًا مختلفًا بشأن ما إذا كان سينضم إلى المعركة أم لا؛ قد لا يكون المحور قد مات، لكن العلامة التجارية بات عمرها أطول من النشاط الذي تمثله؛ تعود استراتيجية دعم الميليشيات العربية إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما أرسلت إيران الحرس الثوري الإسلامي لتدريب مقاتلي حزب الله في لبنان؛ وكانت طهران تنظر إلى مثل هذه الجماعات باعتبارها بديلًا عن جيشها التقليدي الضعيف، إذ ستؤدي دور خط دفاع متقدم، وتتيح لإيران بسط نفوذها مع إبقاء الصراع بعيدًا عن أراضيها؛ لكن من الواضح أن هذا الدفاع قد تراجع الى حد ما؛ فالمذبحة التي قادتها حماس في 7 أكتوبر 2023 أطلقت سلسلة من الحروب انتهت بتعرض إيران نفسها للهجوم؛ وقد أُضعف حزب الله وحماس بشدة؛ وسقط نظام بشار الأسد في سوريا؛ وأمرت الحكومة العراقية الميليشيات بنزع سلاحها بحلول أكتوبر القادم؛ ويأمل بعض خصوم النظام أن تضطر إيران إلى تقليص دعمها لهذه الجماعات، ربما لتسهيل التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، بما يؤدي إلى انهيار المحور.
لكن ذلك غير مرجح؛ فالميليشيات جريحة، لكنها لا تزال حية، كما أن المنطق الاستراتيجي وراء دعمها أصبح أقوى من أي وقت مضى؛ غير أن المحور قد يجد أيضًا صعوبة في إعادة بناء نفسه بوصفه تكتلًا واحدًا، فالشركة الأم في طهران مفلسة، وكثير من الشركات التابعة لها تدار بصورة سيئة؛ والنتيجة الأكثر ترجيحًا هي أن تبقى مكونات المحور على قيد الحياة، لكنها تسلك مسارات متباعدة؛ فبعضها سيصبح تحت وصاية إيران، ممسوكًا بإحكام، لكن استخدامه سيكون محدودًا؛ وبعضها القليل سيتخرج من المحور ويستقل عنه؛ فيما ستتحول جماعات أخرى إلى ما يشبه الكيانات الشاردة، كما عملاء قد يجدون جهة أخرى يلجأون إليها؛ وعلى نحو يبدو مخالفًا للحدث، ستمارس إيران أشد درجات السيطرة على الجماعات التي تعرضت قدراتها لأكبر الضربات؛ كما قالت “الإيكونومست”، خذوا حزب الله، الذي كان في وقت من الأوقات أكثر وكلاء إيران إثارة للخوف؛ حتى عام 2023، كان يمتلك ترسانة تضم أكثر من 100 ألف صاروخ وقذيفة صاروخية موجهة نحو إسرائيل، فضلًا عن قوة كوماندوز مدربة جيدًا صقلت مهاراتها أثناء القتال لإنقاذ نظام الأسد؛ وكان حسن نصر الله، زعيمه الكاريزمي الذي اغتالته إسرائيل عام 2024، يرى نفسه ندًا لإيران أكثر منه وكيلًا لها.
كان نصر الله مؤمنًا حقيقيًا، متشبعًا بالأيديولوجيا الثورية الإيرانية، لكنه سعى في الوقت نفسه إلى الاحتفاظ بقدر من الاستقلالية؛ لم يعد الأمر كذلك؛ فـنعيم قاسم، خليفة نصر الله، مدير من المستوى المتوسط يفتقر إلى الشعبية؛ وقتلت الضربات الإسرائيلية كثيرًا من قادة الجماعة ذوي الخبرة؛ وتصر الحكومة اللبنانية على أن يسلم حزب الله ما تبقى لديه من ترسانة متقلصة؛ ومع مقتل هذا العدد الكبير من القادة، أرسل الحرس الثوري رجاله إلى لبنان لممارسة سيطرة مباشرة على الجماعة، وهو ما لم يترك أمامها سوى هامش ضئيل من الخيارات واضطرها إلى بدء حرب أخرى ضد إسرائيل في مارس؛ وفي الوقت نفسه، انهارت شعبية حزب الله في الداخل؛ وستحافظ إيران على حزب الله ليس بسبب ما يستطيع فعله بقدر ما ستفعله بسبب الرسالة التي سيبعث بها فقدانه؛ وعلى الطرف الآخر تمامًا يقف الحوثيون، وهم أكثر حلفاء إيران استقلالًا في تفكيرهم؛ فقد بدأوا تمردًا محليًا في شمال اليمن خلال تسعينيات القرن الماضي؛ ومرت عقود قبل أن تقدم لهم إيران مساعدات مالية وعسكرية كبيرة؛ وعندما وصلت تلك المساعدات، حسنت قدراتهم بدرجة هائلة؛ فبعد أن كان مقاتلو الحوثيين موضع سخرية باعتبارهم مسلحين حفاة الأقدام، أصبحوا اليوم يستخدمون صواريخ مضادة للسفن لمضايقة السفن في البحر الأحمر، ويمتلكون دفاعات جوية قادرة على إسقاط طائرات ريبر الأمريكية المسيّرة.
أنصار الله ومليشيات العراق وحماس
ومع ذلك، يواصل الحوثيون “أنصار الله” حماية استقلاليتهم؛ فقد تفاوت مستوى مشاركتهم في الحروب التي أعقبت 7 أكتوبر صعودًا وهبوطًا، بناء على مصالحهم الخاصة أكثر مما يستند إلى رغبات طهران، كما قلنا في أحاديث سابقة قبل ذلك؛ كما تتزايد قدرتهم على إنتاج أسلحتهم بأنفسهم، ويعملون على بناء تحالفاتهم الخاصة، ومن ذلك، على سبيل المثال، علاقتهم مع حركة الشباب، فرع تنظيم القاعدة الذي يسيطر على أجزاء واسعة من الصومال؛ وزارت وفود حوثية روسيا، كما أجرت محادثات مع الصين؛ وستواصل إيران والحوثيون العثور على مصالح مشتركة؛ فكلاهما يمقت الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية؛ لكن وجود مصالح مشتركة ليس هو نفسه تلقي الأوامر؛ وبين هذين الطرفين توجد الجماعات الشاردة؛ فالعديد من الميليشيات الشيعية في العراق هي نتاج جانبي للغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، والذي أعقبته إيران بضخ الأسلحة والأموال إلى البلاد بهدف استنزاف خصومها الأمريكيين؛ وبعد عقدين، تغيرت أولويات هذه الجماعات؛ لا تزال إيران حليفًا، لكن الراعي الرئيسي لهذه الميليشيات بات الدولة العراقية، التي تدفع رواتب أكثر من 200 ألف عنصر من عناصر الميليشيات؛ وقد شنت بعض الميليشيات بالفعل هجمات على قواعد أمريكية في وقت سابق من هذا العام، لكنها تخشى أن يؤدي الدخول في مواجهة مفتوحة مع الحكومة العراقية أو حلفائها إلى تعريض موقعها للخطر؛ ويقال إن الحرس الثوري أرسل مستشارين إلى العراق لتأسيس خلايا صغيرة مكلفة بمهاجمة دول الخليج، وهي إشارة إلى أن الميليشيات الأكبر حجمًا كانت مترددة في القيام بذلك.
أما حماس، فكانت دائمًا عنصرًا غير منسجم تمامًا مع المحور، فهي جماعة سنية داخل تكتل ذي غالبية شيعية؛ وقد اختلفت مع إيران بسبب دعم الأخيرة لنظام الأسد في سوريا؛ ويُنظر إلى خليل الحية، زعيمها المنتخب حديثًا، باعتباره حليفًا مخلصًا لإيران، لكن مسؤولين آخرين في الحركة يفضلون التحول باتجاه القوى السنية، وتحديدًا تركيا ودول الخليج؛ وفي مارس، حثت حماس إيران على وقف هجماتها على دول الخليج؛ ولن تتخلى إيران عن الحركة، إذ إن دعم الفلسطينيين يشكل عنصرًا مركزيًا في هوية النظام، لكن دعمها قد يصبح خطابيًا أكثر منه ماديًا؛ وحتى لو أرادت إيران إعادة بناء جميع حلفائها، فإن مواردها محدودة؛ فقد تسببت الحرب في أضرار تبلغ قيمتها مئات المليارات من الدولارات؛ وتفرض الولايات المتحدة حصارًا على موانئ إيران، وتشدد العقوبات على اقتصادها؛ كما أدى سقوط نظام الأسد إلى قطع الطريق البري المؤدي إلى لبنان؛ ولذلك، سيتعين على إيران تحديد أولوياتها؛ ومن بعض الوجوه، قد يشبه مصير المحور مصير الدول التابعة للاتحاد السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي، عندما لم تعد موسكو قادرة على تحمل تكلفة تقديم الدعم السخي لها؛ وبطبيعة الحال، فإن هذا التشبيه غير كامل؛ فقد كان أمام حلفاء موسكو قوة عظمى منافسة يمكنهم اللجوء إليها، بينما يواجه حلفاء طهران رقعة أكثر تعقيدًا وفوضوية، بعضهم لديه مجموعة من الشركاء المحتملين، وبعضهم الآخر ليس لديه أحد على الإطلاق؛ ومع ذلك، ربما يكون أكثر التكتلات طموحًا في الشرق الأوسط متجهًا نحو إعادة هيكلة شاملة.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة