سُئلت أعرابية : ( ما الجرح الذي لايطيب ولا يندمل ؟! ) ، قالت : ( أن يقف الكريم بباب الوضيع ، ولا يُسمح له بالدخول ، وأن يطلب الشريف حاجة من اللئيم ، فلا يعطيه حاجته ) !!.
هناك جروح تبقي غائرة في النفس لا تتخثر ولاتبرد ولا تطيب ، مهما حاول صاحبها أن ينساها أو يتناساها ، تلك الجروح التي تأتي والنفس في حالة احتياج ، أو ضعف ، أو طلب مُناصرة أو تأييد ، فلا تجد سوي الجحود والنكران والصدود والتجاهل !!.
ذهب النبي { محمد صلى الله عليه وسلم } إلي الطائف ، داعياً بني ثقيف لدين التوحيد والحق ، آملاً أن ينقلهم من ظلمات الشرك ودياجير الجاهلية إلي نور الإسلام ، فإذا بهم يوزعون إلي سفهائهم وصبيانهم بإيذائه ، والنيل منه ، وقذفه بالحجارة حتي دميت قدماه الشريفتان ، وعندما هَمَّ بركوب ناقته ، روعوها ، ففزعت ، فسقط من فوقها ، ثم آوي إلي بستان عنب لبني النجار ، وراح يدعو الله ويبتهل إليه – وهو يبكي – أسفاً عليهم وعلي ضلالهم !!.
وكلنا ، أو كثير منا ، عاش ذلك وجري له :
لي صديق ، ذهب لتهنئة قريب له ترقي محافظاً لإحدي المحافظات الهامة والبعيدة ، مُتكبداً مشقة السفر ووعثاء الطريق ، فإذا بسيادة المحافظ يتركه مُنتظراً ( وملطوعاً ) عند مدير مكتبه لساعات طويلة ، وأخيراً أخبره مدير المكتب أن ( الباشا انصرف لأمر هام ) ، وكان ( الباشا الندل ) قد تسحب وتسرب من الباب الخلفي لمكتبه ، حتي لايقابل قريبه هذا ، ظناً منه أنه جاءه طلباً لخدمة أو مصلحة !!.
وقد حدث لي أنا شخصياً مايشبه ذلك ، فمنذ عدة سنوات أرسل لي كاتب – كم أحسنت الظن به – عملاً أدبياً من تأليفه ، طامعاً أن أبدي رأيي فيه ، جلست لساعات مُنكباً علي العمل لأقرأه دفعة واحدة ، تاركاً كل مشاغلي ، تقديراً لثقته وعشمه بي ، ثم عكفت ساهراً علي كتابة تعليقي عليه ، وأرسلته لصاحبنا ، فتجاهله تماماً وأهمله ، ولم ينشره في الوسيلة الإعلامية التي كان يترأس تحريرها ، بينما راح ينشر تباعاً وباهتمام شديد وامتنان أشد ، كل ما يكتبه آخرون ، ظناً منه أنهم أكثر أهمية أو شهرة أو نفعاً له أو نفاذا !!.
مثل تلك المواقف – ياجماعة الخير – تسبب جروحاً لا تهدأ ، ولا تُنسي ، وتترك في النفس أخدوداً غائراً من حزن دفين ، يبقي طويلا طويلا ، ربما لآخر العمر ، وتسبب ألماً كلما استدعتها الذاكرة ، أو مرت علي الخاطر كطيف مزعج !!.
وفي هذا يصدق قول عمنا المتنبي :
[ ومن نكد الدنيا علي الحُر أن / يري عدواً له ، مامن صداقته بُدُ ] وصدقت الأعرابية الحكيمة ؛ فما أقسي وقوف الكريم بباب الوضيع ، ويصده ، وما أقسي طلب الشريف حاجة من اللئيم ، ويمنعه !!.
فهي جروح لايمحوها الزمان ، ولا تندمل ولا تطيب !!.
شاهد أيضاً
سامى حربى يكتب.. وجهة نظر
لقد خلقنا الله احرارا ولم يخلقنا تراثا او عقارا فوالله الذى لا اله الا هو …
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة