د. سامح صابر يكتب.. تجليات المأساة التاريخية وشاعرية اللهجة في مسرحية “الزباء” للدكتور كمال يونس



​تُعدّ مسرحية “الزباء” للدكتور كمال يونس استعادة نقدية وفنية واعية لواحد من أكثر الموروثات السيرية والتاريخية حضوراً في الوجدان العربي ، وهي مأساة الملكة “الزباء” (زنوبيا) والملك “جذيمة الأبرش”، والمستشار “قصير بن سعد”. ولا يقف النص عند حدود التوثيق التراثي الساكن ، بل يتجاوزه ليعيد بناء الحادثة التاريخية في قالب درامي متكامل يستغور فلسفة الصراع الإنساني ، وسيكولوجية الانتقام ، وجدلية السلطة بين الشورى والاستبداد.
​أولاً : البنية اللغوية والجمالية (شاعرية اللهجة والتناص التراثي)
تتبدى الإشراقة الفنية الأولى للنص في التوظيف الذكي للهجة البدوية التراثية ، والتي جاءت ممتزجة بإيقاع الموال الشعبي ونغمات الربابة . ولم تكن هذه اللهجة مجرد خيار أسلوبي شكلي أو “فلكلوري”، بل شكلت وسيطاً جمالياً نَقل القارئ والمتلقي مباشرة إلى الفضاء الصحراوي ومناخات العصر الجاهلي ، وذلك عبر مفردات أصيلة متصلة ببيئتها (مثل: أيش بيكي ، هادول ، بوكي ، حداي ، الحين) . وقد نجح كمال يونس عبر هذه الصيغة في منح الشخصيات أبعاداً واقعية تتناسب مع بيئتها التاريخية ، مبتعداً عن جفاف اللغة المعجمية المتقعرة . كما أدى “الراوي” المصحوب بالربابة ، دور التعليق الدرامي الذي يربط بين الحبكة الشعبية البسيطة والعمق التراجيدي للنص .
​ثانياً : جدلية السياسة وبنية القرار في النص
يطرح النص أزمة اتخاذ القرار السياسي ومسؤولية الحاكم تجاه أمة كاملة عبر مستويين متقابلين :
​نموذج الدولة الرشيدة ، يتجلى ذلك في حوار الزباء مع وزرائها ورفضها لثقافة المداهنة ، حيث ينعكس وعيها السياسي في المبدأ القائل إن الحاكم الواعي يعنيه ثقل الرأي لا وزن صاحبه الاجتماعي . يكرس هذا الطرح مفهوم “الدولة الرشيدة” التي تتأسس على المشورة الصادقة .
​نموذج السقوط التراجيدي :
على الضفة الأخرى ، يمثل إبعاد المستشار “قصير بن سعد” وتهميش صوته المعارض نموذجاً لتغييب العقل الناقد مقابل طغيان رأي البطانة المداهنة . وتأتي النتيجة التراجيدية باندفاع “جذيمة الأبرش” نحو حتفه جراء النرجسية والغرور ، مما يؤكد مقولة النص المركزية بأن الفساد الفكري في مجالس المشورة هو المقدمة الطبيعية للسقوط السياسي .
​ثالثاً : التفكيك النفسي للشخصيات والأبعاد الإنسانية .
تجاوز د.كمال النمطية التراثية المسطحة للشخصيات ، وقدمها عبر أبعاد نفسية مركب :
​الزباء (بين غريزة الأنثى وسلطة الملكة) ، لم تُقدم كشخصية ثأرية صماء ، بل كشف النص عن صراع داخلي أليم بين رغبتها الفطرية في الأمومة والسلام ، وبين الواجب القهري لحفظ شرف والدها المقتول ، وهو ما تتكثف فيه خطورة “الواجب الأخلاقي” عندما يصطدم بالفطرة الإنسانية .
​جذيمة (الأمل المخدوع والغرور): يجسد جذيمة التناقض البشري بين الرغبة في التسامح وإنهاء جحيم الحروب ، وبين النرجسية التي حجبت عنه رؤية الشبهات والمكائد .
​قصير بن سعد (رمز العقلاني المغدور): يمثل قصير الصوت العقلاني الذي يضحي ببدنه ومكانته في سبيل الإصلاح وإيقاف الكارثة .
​رابعاً : الفلسفة الأخلاقية وتفكيك مفهوم الثأر .
تصل المسرحية إلى ذروتها الفلسفية في المشهد الأخير ، حيث تلتقي أشباح الضحايا (الزباء ، جذيمة ، وعمرو بن أذينة) في “سوق الأرواح”. وفي هذا الفضاء البرزخي ، تتجرد الأرواح من أحقادها وأغلالها لتكتشف عبثية الحروب ، وأن الثأر لم يورث أطرافه سوى الحسرة والدمار المتبادل .
​تكرس النهاية المأساوية للجميع ، بتجرع الزباء للسم ، ومصرع جذيمة ، ومسار “عمرو بن عدي” المحمل بالندم .
الرسالة الفكرية المركزية للنص :
أن العنف دورة مغلقة لا تنتهي ، وأن العقل والتسامح هما السبيل الوحيد للنجاة الإنسانية . وبذلك تقف مسرحية “الزباء” للدكتور كمال يونس كإنجاز درامي يستقرئ الحاضر عبر مرآة الماضي ، ويجمع بين أصالة المادة التاريخية وشاعرية الطرح الدرامي .

شاهد أيضاً

أول فيلم روائي طويل يُصوّر في غزة منذ 12 عامًا

كتب – عادل ابراهيم العرض العالمي الأول للفيلم الفلسطيني غزة 13 بمهرجان تورونتو السينمائي الدولي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *