تسببت هجمات حوثية استهدفت جنوب السعودية في اندلاع حرائق وتعطّل العمليات في بعض منشآت الطاقة، فيما أعلنت السلطات إصابة 73 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، وسط تصعيد وصفته الرياض بالخطير؛ وقالت وزارة الطاقة السعودية إن فرق الطوارئ سارعت إلى احتواء الحرائق وتقييم الأضرار، مؤكدة اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المنشآت والعاملين وضمان استمرار العمليات وفق الخطط المعتمدة؛ وشملت الهجمات مدن أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، بينما أفادت تقارير باستهداف منشآت تابعة لشركة أرامكو في جازان؛ وتزامن التصعيد مع ارتفاع التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وتعثر المساعي الدبلوماسية، ما دفع أسعار النفط للصعود؛ إذ ارتفع خام برنت إلى نحو 98 دولارًا للبرميل، والخام الأمريكي إلى 93.65 دولارًا؛ وتوعد الحوثيون بتنفيذ عملية واسعة داخل الأراضي السعودية، مؤكدين أن هجماتهم تأتي ردًا على ما وصفوه بخطوات تصعيدية سعودية وغارات جوية على اليمن.
هجمات الحوثيين والمنشآت السعودية
من جهته، تعهد التحالف الذي تقوده السعودية بالرد بحزم، وقال المتحدث باسمه تركي المالكي إن التحالف سيتخذ “جميع الإجراءات العملياتية اللازمة” لردع الحوثيين والتصدي لهجماتهم؛ ويأتي التصعيد فيما تشن القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية هجمات على عدة جبهات ضد الحوثيين، الذين يسيطرون على المناطق الأكثر اكتظاظًا بالسكان في اليمن، وبدأوا منذ يوليو استهداف السعودية وسفن مرتبطة بها في البحر الأحمر؛ ويواجه الاقتصاد العالمي مجددًا احتمال وصول سعر النفط إلى أكثر من 100 دولارا للبرميل، مع استمرار الصراع في الشرق الأوسط، وهو أعلى مستوى له منذ 24 يوليو 2026؛ وجاء ارتفاع أسعار النفط مدفوعًا بتقارير تفيد بأن الحوثيين المتحالفين مع إيران في اليمن هاجموا منشآت للطاقة في السعودية؛ وقالت السلطات السعودية إن العمليات في بعض منشآت الطاقة توقفت اليوم عقب هجمات شنها الحوثيون.
وأسفرت عن إصابة أكثر من 70 شخصًا؛ وتضيف هذه الهجمات مزيدًا من الضغوط على إنتاج النفط والغاز في المنطقة، الذي لا يزال يعاني اضطرابات شديدة بسبب الحرب المستمرة مع إيران؛ وأفادت صحيفة فايننشال تايمز أمس في هذا الصدد بأن منشآت نفطية تابعة لشركة أرامكو السعودية في مدينة جازان، حيث تقع واحدة من أكبر مصافي التكرير في البلاد، تعرضت لهجمات؛ وفي وقت سابق اليوم، هددت إيران بإنشاء منطقة محظورة جديدة في الخليج إذا واصلت الولايات المتحدة ما وصفته طهران بـ”الحرب الاقتصادية” عليها؛ ومن شأن إقامة منطقة كهذه، على الأرجح، أن تزيد من تقويض الجهود الأمريكية الرامية إلى إعادة فتح مضيق هرمز؛ وقال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن إيران أجرت “إعادة ضبط جوهرية” لموقفها تجاه القوات الأمريكية؛ وكتب رضائي على منصة إكس: “خلال الأيام الأخيرة، تلقت واشنطن تحذيرًا واضحًا من صواريخ إيران الجديدة؛ وستُقابل الحرب الاقتصادية بمنطقة حظر بحري تمتد عبر الخليج الفارسي حتى محيط الحصار؛ وقد أُعيد ضبط الموقف العملياتي تجاه السفن الحربية والقواعد الأمريكية بصورة جوهرية”.
وقد تباطأت بالفعل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز هذا الأسبوع؛ إذ لم تعبر المضيق يوم الاثنين سوى سبع سفن لنقل السلع، انخفاضًا من ثماني سفن يوم الأحد؛ وقبل اندلاع الحرب، كان نحو 130 سفينة يوميًا يعبر المضيق؛ ويمثل كل ذلك صداعًا للبنوك المركزية، إذ تؤدي أسعار النفط المرتفعة إلى خلق ضغوط تضخمية تمتد عبر الاقتصاد؛ وفي وقت لاحق اليوم، سيستجوب نواب في لندن محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي وزملاءه بشأن قرارهم الأخير الإبقاء على سعر الفائدة الأساسي عند 3.75%؛ وقالت اللجنة إن من المرجح أن يسأل النواب الشهود عن التأثير التضخمي المحتمل للحرب المستمرة في إيران، وكذلك عن الكيفية التي تأخذ بها لجنة السياسة النقدية التطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي في الاعتبار.
أموال إيران والبنوك الأمريكية
وتكشف وول ستريت جورنال أن مليارات الدولارات الإيرانية تتدفق سنويًا عبر حسابات مراسلة في البنوك الأمريكية، رغم العقوبات التي تحظر معظم التعاملات المالية مع طهران؛ وتستفيد إيران من شبكة معقدة من الشركات الواجهة والبنوك الأجنبية ومكاتب الصرافة في دول مثل الصين والإمارات وهونغ كونغ، لتمرير الأموال عبر النظام المالي القائم على الدولار دون الكشف عن صلتها المباشرة بطهران؛ وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إنها رصدت نحو 9 مليارات دولار من الأموال الإيرانية التي مرت عبر البنوك الأمريكية خلال عام 2024، فيما أعلنت مؤخرًا تقييد وصول فرع بنك مصر في الإمارات إلى حسابات المراسلة الأمريكية، بعد اتهامه بتمرير ما يصل إلى 1.8 مليار دولار لصالح شركات مرتبطة بشبكات مالية إيرانية.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن حملة إدارة ترامب لخنق الاقتصاد الإيراني وحرمان طهران من مصادر تمويل أنشطتها الإقليمية والعسكرية؛ وتضغط واشنطن على البنوك الأجنبية والأمريكية لتعزيز مراقبة التحويلات، خصوصًا تلك التي تستخدم هياكل ملكية غامضة أو شركات صورية؛ لكن تعقب الأموال الإيرانية يظل صعبًا بسبب تطور شبكات الظل المصرفية، بينما يؤدي التشدد المفرط في الرقابة إلى مخاطر أخرى، أبرزها دفع الدول والمؤسسات إلى البحث عن بدائل للدولار، مثل اليوان الصيني والعملات المشفرة؛ وتواجه واشنطن بذلك معضلة وهي تشديد الخناق المالي على إيران دون الإضرار بالنظام المصرفي العالمي أو تقويض هيمنة الدولار.
النرجيسية الإسرائيلية و”اتفاق مكة”
أثار توقيع اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة اهتمامًا واسعًا في إسرائيل؛ ومنذ ذلك الحين، تركز النقاش الإسرائيلي أساسًا على سؤال ما إذا كان هذا التحالف الجديد موجهًا ضد إسرائيل؛ هكذا اعتادت إسرائيل أن تفكر؛ فمنذ سنوات، يفهم التيار الرئيسي في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي أشكال التعاون الإقليمي من خلال منظور الأعداء المشتركين؛ وهكذا جرى تفسير “اتفاقات أبراهام” أيضًا، فالتهديد الإيراني، وفقًا لهذا المنطق، هو الذي يجمع بين إسرائيل والدول العربية، طبقا لحديث عبد العزيز الغشيان في “القناة 12 الإسرائيلية”، ويجعل من إسرائيل القوية شريكًا لا غنى عنه؛ إن مجرد النزعة الإسرائيلية إلى تفسير “اتفاق مكة” من خلال السؤال عما إذا كان مؤيدًا لإسرائيل أم معاديًا لها يكشف أمرًا مهمًا يتعلق بالخطاب السياسي والاجتماعي في إسرائيل؛ فكل محاولة لفهم ديناميات المنطقة عبر تقسيمها ثنائيًا إلى معسكرات تقوم على أساس الأعداء المشتركين هي محاولة خاطئة.
فهذه قراءة أضيق مما ينبغي للطريقة التي تفكر بها السعودية وغيرها من الأطراف الإقليمية في الأمن؛ وحتى خلال الاتصالات المتعلقة بالتطبيع الإسرائيلي-السعودي قبل 7 أكتوبر 2023، كانت الرياض قد أعادت علاقاتها مع إيران، وكذلك فعلت الإمارات؛ ولم يكن في ذلك، من وجهة نظرهما، أي تناقض؛ فالشرق الأوسط يتغير ويعيد تشكيل نفسه، وإسرائيل ليست بالضرورة في مركز النظام الآخذ في التشكل؛ لا خلاف على أن إيران تمثل تهديدًا حقيقيًا للمنطقة، من وجهة نظر الغشيان، فمنذ فبراير، أطلق الإيرانيون من الصواريخ والطائرات المسيّرة على القواعد العسكرية بدول الخليج العربية عددًا أكبر مما أطلقوه على إسرائيل؛ لكن حقيقة أن إسرائيل ودول الخليج تتشارك تهديدًا مشتركًا لا تعني أنها تتشارك أيضًا استراتيجية واحدة للتعامل معه.
ومن المنظور الخليجي، يتمثل أحد دروس الحرب الأخيرة تحديدًا في مدى خطورة التصعيد الإقليمي غير المنضبط على الدول التي تجد نفسها منخرطة في صراعات لم تطلب أن تكون طرفًا فيها؛ أما المصلحة الجوهرية للسعوديين، فهي ضمان الاستقرار والقدرة على توقع التطورات، وتعزيز القدرات الدفاعية الإقليمية، وإنشاء أطر أمنية إضافية؛ وهذه الأطر ليست مطلوبة لتحل محل البنية الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة، بل لتكملها؛ ومن ثم، يعكس “اتفاق مكة” منطقة تسعى إلى تحمل قدر أكبر من المسؤولية عن ضمان أمنها، فالسعودية وتركيا وباكستان لا تتفق على كل شيء، لكن المهم بالنسبة إليها هو القدرة على إدارة التحديات الأمنية، وتعزيز الردع، وإقامة أوجه التعاون رغم الخلافات؛ ويمكن أن يكون لإسرائيل أيضًا مكان في بنية كهذه.
إسرائيل، ضبط النفس وعدم اليقين
ويدرك الإسرائيليون جيدًا مصلحتهم في الاندماج ضمن إطار أمني إقليمي، لكنهم يصرون، في كثير من الأحيان، على الفصل التام بين تحقيق هذا الهدف وبين النقاش حول سياسة إسرائيل في غزة والضفة الغربية والساحات الأخرى؛ ومن المنظور السعودي، بات من الصعب أكثر فأكثر تجاهل هذا التناقض؛ كان من الممكن أن يُنظر إلى إسرائيل تلقائيًا باعتبارها ركيزة لبنية أمن إقليمية، لكن سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية تحولها إلى ركيزة لبنية من انعدام الأمن؛ “اتفاق مكة” ليس موجهًا ضد إسرائيل ولا يتعين أن يكون الأمر على هذا النحو؛ فقد أثبتت السعودية وأطراف إقليمية أخرى أن إسرائيل يمكن أن تكون شريكًا استراتيجيًا؛ لكن ذلك يعتمد على سياساتها؛ وهذا لا يعني أن السعودية تنظر إلى إسرائيل وإيران باعتبارهما تهديدين متساويين، ولا أن المنطقة بأكملها تنقلب على إسرائيل؛ المعنى الحقيقي أكثر إثارة للقلق هي القوة العسكرية الإسرائيلية، التي يفترض كثير من الإسرائيليين أنها ما يجعل دولتهم شريكًا جذابًا، تُرى في المنطقة أساسًا بوصفها مصدرًا لعدم اليقين والمخاطر؛ وتوضح نتائج الحرب مع إيران هذه الفجوة.
فبينما رُأت أجزاء من الخطاب الإسرائيلي في العدوان الإيراني دليلًا على أن إسرائيل والدول العربية حلفاء طبيعيون، خرج الخليج بدرس مختلف مفاده أنه لا يكفي أن نسأل من هو العدو المشترك؛ طبقا لحديث عبد العزيز الغشيان في القناة 12 الإسرائيلية، بل المهم أن نفهم كيف نتعامل معه، ونكبح التصعيد، ونحافظ على الاستقرار؛ وهذا التمييز جوهري؛ يمكن صناعة الردع بالقوة العسكرية، لكن الشراكة تتطلب شيئًا آخر وهو الموثوقية، وضبط النفس، ورؤية مشتركة ليس فقط للنظام الإقليمي، وإنما أيضًا للطريقة التي ينبغي بها بناؤه؛ لذلك، بدلًا من التساؤل عما إذا كان “اتفاق مكة” موجهًا ضد إسرائيل، ربما يجدر بالإسرائيليين طرح سؤال أكثر أهمية بكثير وهو لماذا، في اللحظة ذاتها التي تبني فيها المنطقة آليات جديدة لأمنها، تجد إسرائيل نفسها بصورة متزايدة خارج النقاش؟، والإجابة هي أنه إذا أرادت إسرائيل الاندماج في البنية التي تتشكل الآن في الشرق الأوسط، فعليها أن تثبت أنها قادرة على أن تكون ليس فقط شريكًا قويًا، بل شريكًا موثوقًا ويمكن التنبؤ بسلوكه؛ شريكًا يعرف كيف يمارس ضبط النفس، ويستثمر في الدبلوماسية، ولا يتوقع أن يحل عدم اليقين والخوف محل الثقة.
الكاتب الصحفي والباحث فى العلاقات السياسية الدولية
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة