دراسة نفسية واجتماعية وفلسفية مختصرة مع مقارنة بين المجتمعات الخليجية والعربية والغربية
يُعدّ الموت من أعمق التجارب الإنسانية وأشدّها تأثيراً في البناء النفسي والاجتماعي للإنسان؛ فهو لا يعني انتهاء الحياة البيولوجية فحسب، بل انقطاع شبكة من العلاقات والذكريات والمشروعات والمشاعر التي كانت تربط الراحل بالأحياء. ولهذا لم تتعامل المجتمعات الإنسانية مع الموت بوصفه حدثاً فردياً صامتاً، وإنما أحاطته منذ أقدم العصور بطقوس وشعائر تمنح الفقد معنى، وتمنح الأحياء وسيلة لمواجهة الألم. ومن هنا يمكن النظر إلى العزاء بوصفه لغة اجتماعية يتحدث بها المجتمع حين تعجز اللغة الفردية عن احتواء الحزن.
ومن المنظور النفسي، تؤدي طقوس العزاء وظيفة تتجاوز مجرد المواساة؛ فهي تنقل الحزن من تجربة داخلية معزولة إلى تجربة يمكن التعبير عنها ومشاركتها مع الآخرين. فالإنسان في لحظة الفقد قد يشعر بأن عالمه فقد انتظامه، ولذلك تمنحه الطقوس المتعارف عليها إطاراً منظماً يساعده على استيعاب ما حدث. حضور الأقارب والأصدقاء، والصلاة على الميت ودفنه، وكلمات المواساة، والوقوف إلى جانب الأسرة، كلها رسائل رمزية تؤكد للمكلوم أنه ليس وحيداً في مواجهة مصيبته، وأن فقده معترف به من الجماعة ومشترك معها وجدانياً.
والعزاء ليس علاجاً للحزن، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإجبار الإنسان على تجاوز فقده سريعاً؛ إنما قيمته النفسية في أنه يمنح الحزن مساحة اجتماعية مشروعة، ويحول دون تحوله إلى عزلة. فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى من يقول له «لا تحزن»، بل يحتاج إلى من يعترف بأن حزنه طبيعي ومشروع، لأن الشخص الذي فقده كان جزءاً مهماً من حياته.
أما اجتماعياً، فإن العزاء يعيد ترميم الروابط التي قد يهزها الموت. فحين يحضر الأقارب والجيران والأصدقاء وزملاء العمل، فإنهم لا يواسون الأسرة وحدها، وإنما يؤكدون استمرار شبكة الانتماء والتكافل حولها. ويمكن القول إن العزاء يقوم بما يشبه إعادة توزيع الألم؛ فالمصيبة تصيب فرداً أو أسرة، لكن المجتمع يحمل معها شيئاً من ثقلها بالحضور والكلمة، والدعاء والمساندة والخدمة.
وفي المجتمع الخليجي يحتل العزاء مكانة بارزة في البناء الاجتماعي، إذ تتداخل فيه الأسرة والقرابة والجيرة، والصداقة والانتماءات الاجتماعية والمهنية. وقد تطورت صوره مع تغير أنماط الحياة، فانتقل في بعض البيئات من المنزل إلى المجالس والقاعات المخصصة، بما يعكس التحولات العمرانية والاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع. غير أن العزاء الخليجي، شأنه شأن كثير من الممارسات الاجتماعية، قد يحمل في داخله مفارقة بين التضامن واستعراض المكانة. فقد يصبح حجم المجلس، وكثرة الحضور، ومستوى الضيافة، ومكان إقامة العزاء، وحضور الشخصيات الاجتماعية، مؤشرات رمزية على المكانة والثروة. وهنا تظهر الطبقية داخل طقس يفترض أن الموت فيه يساوي بين البشر. غير أن اختزال العزاء في هذا الجانب سيكون مجحفاً؛ فكثيراً ما تكون قيمة الحضور الإنساني والمساندة الصادقة أعظم من فخامة المكان وكلفة المراسم.
وفي العالم العربي لا توجد صيغة واحدة للعزاء، فلكل مجتمع خصوصيته التاريخية والدينية والمحلية، إلا أن خيطاً مشتركاً يجمع كثيراً من هذه المجتمعات، وهو أن الموت لا يُترك للفرد وحده. فالعائلة الممتدة والجيران والأصدقاء يشاركون في الحزن، وتتحول الوفاة إلى حدث اجتماعي تتجسد فيه الضيافة والدعاء واستقبال المعزين وتقديم المساندة، بما يساعد الأسرة على استعادة اتصالها بالمجتمع بدلاً من الانكفاء على ألمها. أما في المجتمعات الغربية الحديثة، فقد أصبحت بعض جوانب التعامل مع الموت أكثر فردانية ومؤسسية، فتتولى المستشفيات ودور الجنائز والمؤسسات المتخصصة جانباً من الإجراءات التي كانت تؤديها الأسرة والمجتمع المحلي. كما تميل بعض مراسم التأبين إلى التركيز على حياة المتوفى وذكرياته وشخصيته، من خلال كلمات التأبين والصور والموسيقى والمراسم التذكارية. وهذا لا يعني بالضرورة اختلافاً في عمق الحزن، وإنما اختلافاً في لغة التعبير عنه؛ ففي بعض البيئات العربية والإسلامية يغلب معنى الصبر والاحتساب والرجوع إلى الله، بينما يظهر في بعض البيئات الغربية التركيز على الذاكرة الشخصية واستحضار حياة الراحل.
أما المقارنة بين الطقوس السنية والشيعية، فينبغي أن تقوم على قدر من الدقة؛ فكلاهما ينطلق من منظومة إسلامية مشتركة في الإيمان بالموت والآخرة والصلاة والدفن والدعاء، مع اختلافات في بعض التصورات الفقهية والرمزية والتاريخية. كما أن الممارسات الفعلية لا تتطابق حتى داخل كل مذهب، بل تتأثر بالبلد والثقافة المحلية والعادات الاجتماعية.
في البيئات السنية يبرز في العزاء الشخصي الدعاء للميت والصلاة عليه ودفنه، ومواساة أهله وتذكيرهم بالصبر والاحتساب. أما في المجتمعات الشيعية، فتوجد إلى جانب عزاء الفرد منظومة أوسع من طقوس الحداد الجماعي، ولا سيما المرتبطة بذكرى الإمام الحسين وكربلاء وعاشوراء، حيث تؤدي المجالس والمراثي وغيرها من الممارسات أدواراً دينية ووجدانية واجتماعية، وتساهم في حفظ الذاكرة والهوية الجماعية. ومع ذلك فإن هذه الطقوس تختلف في أشكالها وممارساتها بين المجتمعات والدول، ولا يصح اختزال التجربة الشيعية في صورة واحدة.
وتتجلى القيمة الفلسفية للعزاء في كونه محاولة إنسانية للإجابة عن السؤال الأصعب: كيف تستمر الحياة بعد أن ينقطع منها شخص كان جزءاً من معناها؟ فالإنسان لا يستطيع إعادة الميت إلى الحياة، لكنه يستطيع إعادة بناء حضوره في الذاكرة. وهنا ينتقل الراحل من الحضور الجسدي إلى الحضور الرمزي؛ يغيب جسداً، لكنه يبقى اسماً وذكرى، وقصة وتأثيراً وقيمة. ومن ثم يصبح العزاء جسراً بين الموت والحياة، وبين الغياب والحضور، وبين النهاية البيولوجية واستمرار الأثر الإنساني.
ومن هذه الزاوية، فإن العزاء ليس احتفالاً بالموت، وإنما إعادة تنظيم للحياة بعد الموت. فهو يساعد الأسرة على جمع شتات عالمها الذي تصدع، ويمنحها فرصة لإعادة تشكيل علاقتها بالراحل من خلال الذاكرة بدلاً من حضوره الفعلي. وفي هذا المعنى لا يكون الحداد مجرد محاولة لنسيان الميت، بل عملية لإعادة تعريف العلاقة معه في وجدان الأحياء. وتبقى المشكلة حين يتحول العزاء من فضاء للمواساة إلى مجال للمنافسة الاجتماعية، أو من تخفيف العبء عن أهل الميت إلى تحميلهم أعباء مالية ومظاهر اجتماعية لا ضرورة لها. فكلما ازدادت الفخامة والتكلفة والاستعراض، أمكن أن يبتعد الطقس عن غايته الإنسانية الأولى. أما حين يكون العزاء بسيطاً وكريماً ومنظماً، ويضع راحة الأسرة المفجوعة فوق الاعتبارات الاجتماعية، فإنه يستعيد جوهره الحقيقي. ومع وسائل التواصل الحديثة ظهر شكل جديد من أشكال العزاء هو العزاء الافتراضي؛ إذ أصبح إعلان الوفاة والدعاء للميت وتبادل الذكريات والتعازي ممكناً عبر الفضاء الرقمي. وقد وسّع ذلك دائرة المشاركة في الحزن، لكنه فتح في الوقت نفسه سؤالاً جديداً حول الفرق بين الحضور الإنساني المباشر والحضور الرقمي، ومدى قدرة الكلمات التي تصل عبر الشاشة على أداء الوظيفة العاطفية التي يؤديها وجود الإنسان إلى جانب الإنسان.
وفي المحصلة، تكشف المقارنة بين المجتمعات الخليجية والعربية والغربية، وبين السنة والشيعة، أن اختلاف الطقوس لا يلغي وحدة الحاجة الإنسانية الكامنة وراءها. تختلف المجالس والملابس والأطعمة والصلوات والمراثي ومدد الحداد وطرائق التعبير، لكن المعنى الأعمق واحد: أن يجد الإنسان من يشاركه ألمه عندما يصبح الألم أكبر من قدرته على احتماله منفرداً.
ولهذا يمكن النظر إلى طقوس العزاء باعتبارها واحدة من أقدم الآليات الحضارية التي ابتكرها الإنسان لإدارة الفقد والألم الجماعي. فهي نفسياً تمنح الحزن إطاراً آمناً، واجتماعياً تعيد وصل الفرد بالجماعة، وثقافياً تحفظ ذاكرة الراحل، ودينياً تمنح الموت معنى يتجاوز الوجود المادي، وفلسفياً تذكّر الإنسان بأن الموت ينهي وجوداً بيولوجياً، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن ينهي الأثر والمعنى والذاكرة. ومن هنا تصبح قيمة العزاء الحقيقية ليست في كثرة مظاهره، وإنما في قدرته على أن يجعل الإنسان المفجوع يشعر، في أكثر لحظات حياته انكساراً، بأنه ليس وحيداً.
إعداد الدكتور سامي المسلم
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
