كتب عادل البكل
في ظل ظرف إقليمي ملتهب وتحديات غير مسبوقة تضرب شريان التجارة العالمية وتهدد الاستقرار في منطقة البحر الاحمر والخليج العربي، جاءت زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة لتعيد ترتيب الأوراق وتضع النقاط على الحروف، بعيداً عن أضواء العدسات والتصريحات التقليدية.
وفي تحليل استراتيجي دقيق لرسائل هذه الزيارة وتوقيتها الحرج، كشف الخبير العسكري والستراتيجي اللواء دكتور سمير فرج، خلال لقائه مع الإعلامي سعيد علي، الأبعاد الحقيقية لما جرى في الغرف المغلقة بين القيادتين المصرية والسعودية.
ما خلف التصريحات الكلاسيكية: تنسيق عالي المستوى
أوضح اللواء سمير فرج أن الاكتفاء بالبيانات الرسمية الكلاسيكية عقب اللقاء الثنائي بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي كان أمراً متوقعاً. ورغم أن البعض يتساءل عن غياب القرارات التفصيلية المعلنة، إلا أن أبعاد الملفات المطروحة—التي تمس أمن المنطقة والعلاقات مع قوى دولية كبرى—تتطلب تنسيقاً سياسياً، عسكرياً، أمنياً واستخباراتياً مكثفاً ومغلقاً بين أجهزة البلدين قبل إعلان خطوات التنفيذ .
2. أزمة البحر الأحمر والضغوط الاقتصادية
تطرق التحليل إلى الخسائر الجسيمة التي لحقت بالمنطقة نتيجة الاضطرابات الحالية؛ حيث تكبدت مصر خسائر بلغت نحو 11 مليار دولار نتيجة تضرر حركة الملاحة في قناة السويس والبحر الأحمر دون أن تكون طرفاً في النزاع.
وفي المقابل، تواجه المملكة العربية السعودية ضغوطاً واستهدافات اقتصادية خطيرة طالت خطوط نقل النفط الحيوي (مثل خط أبتيك-ينبع) عبر هجمات بطائرات مسيرة. وأكد اللواء سمير فرج أن الأمن القومي للبلدين في البحر الأحمر ومضيق باب المندب خط أحمر يتطلب قرارات شجاعة ومترابطة للحفاظ على استقرار التجارة والاقتصاد.
دور مصر المحوري وسيناريو الوساطة
شدد التحليل على أن السعودية تتجه دائماً للقيادة المصرية باعتبارها السند والشقيقة الكبرى، إدراكاً منها لدور مصر المباشر والقادر على التعامل مع تعقيدات المشهد الإقليمي.
وأشار اللواء سمير فرج إلى إمكانية قيام مصر بدور الوسيط المقبول للتهدئة وإيقاف الصراع بين السعودية والحوثيين؛ نظراً لما تمتلكه القاهرة من مصلحة مباشرة في فتح باب المندب، إلى جانب علاقاتها المتوازنة وقنوات التواصل التي تمكنها من إيجاد حلول جذرية خلال الفترة القادمة.
4. التعقيدات الميدانية وطبيعة الجغرافيا اليمنية
واستناداً إلى خبرته العسكرية المباشرة ومشاركته السابقة في اليمن، سلط اللواء فرج الضوء على صعوبة الجغرافيا اليمنية المعقدة. مؤكداً أن الضربات الجوية وحدها لا يمكن أن تحسم صراعاً على جبال وصفوح اليمن الرملية والموحشة [06:35]، وهو ما يتطلب حكمة سياسية وتقييماً ميدانياً يعالج الأخطاء التكتيكية وينهي حالة التوتر.
5. الحسابات الأمريكية والمشهد الإقليمي
وحول التراجع الأمريكي في تقديم مظلة حماية كاملة، بيّن التحليل أن واشنطن تضع حساباتها الخاصة في المقاربة مع التهديدات في باب المندب ومضيق هرمز تجنباً لإغلاق الملاحة الدولية بشكل كامل، مما يؤكد المقولة الاستراتيجية بأن الإقليم لا يمكنه الاعتماد إلا على مقدراته وتنسيقه الذاتي.
كما استبعد اللواء سمير فرج وجود دور إسرائيلي مباشر في التصعيد الأخير بالمنطقة، موضحاً أن التوترات الحالية تدار عبر أطراف إقليمية أخرى تركز ضرباتها الاقتصادية على دول الخليج.
تؤكد المعطيات والتحليلات أن زيارة ولي العهد السعودي للقاهرة لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل كانت محطة استراتيجية لإعادة رسم خطوط الدفاع عن الأمن القومي العربي، وترسيخ الشراكة المصرية-السعودية لحماية شريان الملاحة في البحر الأحمر وتأمين الاستقرار الاقتصادي والأمني للمنطقة.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
