السعودية تتوجه بشكل غير مباشر إلى إسرائيل لطلب المساعدة ضد الحوثيين، فتسعى السعودية بشكل مباشر إلى دول خليجية ومصر وغير مباشر إلى إسرائيل عبر القيادة المركزية الأمريكية، للحصول على دعم استخباراتي وعملياتي لمواجهة الحوثيين ومنع إغلاق مضيق باب المندب، وسط تراجع قواتها ميدانيا؛ وحذر ولي العهد محمد بن سلمان من أن إغلاق المضيق سيضر بالاقتصاد العالمي، باعتباره ممرا رئيسيا لناقلات النفط والتجارة بين الخليج وأوروبا وآسيا.
السعودية وإسرائيل والاقتصاد العالمي
وأدى تهديد الحوثيين للمضيق إلى اضطرار السعودية لتغيير مسارات ناقلاتها النفطية حول أفريقيا، فيما أوقفت المملكة نقل النفط عبر خط شرق-غرب عقب هجمات الحوثيين؛ كما تخشى مصر من تداعيات إغلاق باب المندب على حركة الملاحة في قناة السويس، ما دفع القاهرة إلى دعم المطالب السعودية لدى واشنطن؛ ورغم التحالفات الدفاعية التي تربط السعودية بباكستان وتركيا، فإن الدولتين لا تشاركان في القتال، وتكتفيان بجهود الوساطة؛ كما أن إدارة ترامب لا تبدو متحمسة لتقديم دعم عسكري مباشر للرياض، رغم إرسال قائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر إلى السعودية لتعزيز التنسيق الاستخباراتي والعملياتي.
وميدانيا، حقق الحوثيون مكاسب مهمة، بينها السيطرة على مدينة المخا وجزيرة جبل زقر، والتقدم قرب باب المندب، بالتزامن مع هجمات صاروخية ومسيرات استهدفت مواقع نفطية وقواعد في جنوب السعودية، وردت الرياض بغارات على مواقع حوثية في اليمن؛ وتتهم دول خليجية السعودية بسوء إدارة الحرب وإضعاف القوات اليمنية المناهضة للحوثيين، بعدما اصطدمت الرياض مع قوات مدعومة من الإمارات، ما أدى إلى انقسام المعسكر المناهض للحوثيين؛ ونرى أن إيران تستخدم الحوثيين للضغط على التجارة العالمية ورفع أسعار الوقود، بما قد يضر بترامب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس؛ وفي المقابل، قد تشكل الأزمة فرصة لتجدد الاتصالات السعودية الإسرائيلية، خصوصا أن إسرائيل تضررت بشدة من حصار الحوثيين لباب المندب وتوقف النشاط في ميناء إيلات.
نسف السلام ولا اتفاق بشأن هرمز
قال مسؤول إيراني كبير، السبت، أيضا إن الاجتماع المرتقب بين إيران ودول خليجية في عُمان، سيبحث قضايا إقليمية، بينها مضيق هرمز، مستبعدًا التوصل إلى اتفاق بشأن تنظيم الملاحة في الممر المائي؛ وأوضح المسؤول، أن الاجتماع جاء بمبادرة عُمانية، مشيرًا إلى أن طهران لا تزال تسعى إلى اتفاق يسمح لها بتحصيل رسوم من السفن التي تعبر المضيق، وهو ما ترفضه عُمان؛ وتتفاوض إيران منذ أشهر مع عُمان بشأن اتفاق لتنظيم حركة الملاحة عبر هرمز، وتؤكد مسقط أن جهودها تحظى بدعم دول الخليج الأخرى؛ وكانت طهران أعلنت الجمعة مشاركتها في اجتماع الاثنين، فيما لم تؤكد عُمان انعقاده رسميًا، وقالت البحرين السبت إنها لن تشارك في اجتماعات مع إيران؛ وكان نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز قبل اندلاع الحرب إثر هجوم أمريكي وإسرائيلي على إيران في فبرايرالماضي؛ وقفزت أسعار النفط خلال الأسبوع الماضي بعدما أطلقت الولايات المتحدة وإيران النار على ناقلات في المضيق، بالتزامن مع تحركات للحوثيين، حلفاء إيران في اليمن، قرب مضيق باب المندب، أحد ممرات نقل النفط الحيوية.
أفشل فصيل متشدد داخل النظام الإيراني، بحسب مسؤولين إيرانيين طبقا لما نشرته النيويورك تايمز، اتفاقا مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، بعدما شن هجوما مفاجئا على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز في يوليو الماضي، من دون علم الرئيس مسعود بزشكيان أو عدد من كبار المسؤولين؛ ووفقا للصحيفة، تتبعت تحقيقات إيرانية قرار الهجوم إلى رجل الدين والمسؤول الاستخباراتي حسين طائب، الذي عارض الاتفاق مع واشنطن، وقال إن التفاوض يجب ألا يكون على حساب ما تعتبره إيران حقوقا لها؛ وأدى الهجوم إلى رد أمريكي بغارات جوية، لتعود المواجهة بين البلدين إلى الحرب؛ وأثار الهجوم صراعا داخل القيادة الإيرانية، إذ طالب بزشكيان بإجابات، فيما قيل له إن قادة ميدانيين تحركوا بموجب صلاحيات تتيح لهم مهاجمة السفن التي تنتهك السيطرة الإيرانية على المضيق.
ولم يتبن مقر خاتم الأنبياء التابع للحرس الثوري مسؤولية الهجوم، في حين نقل مسؤولون إيرانيون الرواية نفسها إلى واشنطن وحلفائها، متحدثين عن عناصر مارقة؛ وتزامن ذلك مع غياب المرشد الأعلى مجتبى خامنئي عن الظهور العلني منذ توليه المنصب، ما أثار تساؤلات بشأن مدى انخراطه في إدارة الدولة، وأدى إلى تفاقم الخلافات حول الاتفاق؛ وقال مسؤولون إن بزشكيان نفسه شكك في صحة بعض الرسائل المنسوبة إلى المرشد، وطالب بدليل عندما أُبلغ بأن خامنئي وافق على هجوم السفن؛ وفي ظل الحصار البحري الأمريكي وتدهور الاقتصاد، انقسمت القيادة الإيرانية بين العودة إلى المفاوضات أو تصعيد الهجمات ضد المصالح الأمريكية؛ ودفع جنرالات متشددون نحو الخيار الثاني، بما يشمل استهداف السفن والمنشآت النفطية في المنطقة بمشاركة الحوثيين وجماعات مسلحة عراقية؛ وحذر بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من أن التصعيد قد يجر إيران إلى غارات أمريكية أشد وضغوط اقتصادية أكبر، لكن المتشددين نجحوا في ترجيح كفتهم، لتدخل الحرب مرحلة جديدة من التصعيد.
خيارات السعودية ضد إيران وحلفائها
يهدد التقدم الخاطف للمتمردين الحوثيين طريقا ملاحيا حيويا في البحر الأحمر؛ كما أدت هجمات بطائرات مسيّرة، نُسبت إلى ميليشيات عراقية، إلى إغلاق خط أنابيب رئيسي، فيما تواصل إيران تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز؛ إنه سيناريو كابوسي بالنسبة إلى السعودية، وقد أثار القلق في الأسواق العالمية؛ أما أهم حلفاء السعودية، الولايات المتحدة، فقد كان سلوكه غير قابل للتنبؤ وأحيانا لا يمكن الاعتماد عليه؛ ويبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متردد في توسيع حرب في الشرق الأوسط هي بالفعل غير شعبية ووصلت إلى طريق مسدود، وذلك قبيل انتخابات الكونغرس؛ وبالنسبة إلى إيران، فإن تقدم المتمردين وإغلاق خط الأنابيب يزيدان الضغط الاقتصادي العالمي، بعدما تراجعت قبضتها على مضيق هرمز؛ وقال مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى السعودية، إن التطورات الأخيرة “محبطة للغاية” بالنسبة إلى المملكة.
وأضاف راتني: “على الرغم من عدائهم للإيرانيين، فإن هذه حرب لم يطلبوها قط، وكانت لديهم مخاوف شديدة منها؛ وبمجرد أن بدأت، أخذت جميع أسوأ السيناريوهات التي كانوا يخشونها تتحقق”؛ لكن مسؤولا سعوديا، لم يكن مخولا بالتحدث إلى وسائل الإعلام قال إن المملكة ستدافع عن نفسها وستعمل مع شركائها، بما في ذلك الولايات المتحدة، لضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر؛ آمال السعودية في شرق أوسط جديد تتبدد، أمضى ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي للمملكة، محمد بن سلمان، سنوات وهو يسعى إلى بناء شرق أوسط مختلف تماما، من خلال تغييرات اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق تهدف إلى تحويل المملكة شديدة المحافظة إلى مركز عالمي للأعمال ضمن منطقة أكثر ازدهارا وتكاملا؛ لكن تلك الجهود تعرضت لانتكاسات كبيرة بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، الذي أشعل حربا تلو الأخرى؛ وعندما هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في 28 فبراير، ردت طهران بهجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة على السعودية ودول خليجية أخرى، وأغلقت فعليا مضيق هرمز، ما أدى إلى احتجاز صادراتها من النفط والغاز وإحداث صدمة في الاقتصاد العالمي.
وإلي لقاء قادم باذن الله.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
