تكمن فى أنه جعل من العرض المسرحى مجرد صورة ضمن صور أخرى لا حصر لها، يكتظ بها عصر الصورة الذى نحياه الآن”
الوضع المسرحى الراهن والبديل الممكن :
فى أعقاب الإنهيار الذى أصاب المعنى المؤسسى الكلى العام والشامل، وعجز الدولة القومية عن استعادة دورها الوظيفى القديم، انقسمت المجتمعات الإنسانية إلى (جماعات المعنى)؛ وهو ما يطلق عليه ما فيزولى إصطلاح (الجمعانية العائدة): جماعات صغيرة يلتف كل منها حول معنى ما، تستمد منه مبررات وجودها، كما تستمد منه القوة على مواصلة الحياة- [فالأفراد لا يستمدون قيمتهم الفعلية إلا بالنظر إلى المجموعات التى يرتبطون بها.] (1)، ومنها على سبيل المثال: (الجماعات الدينية، والجماعات الرياضية ، والجماعات الفنية … إلخ)، وهو ما نلمس مظاهره لدينا بوضوح يند عن الوصف- غير أننا نلاحظ أن تلك الجماعات إنما تحيا (المعنى) فى ذاته، متخذة مما يمثله (الدين، الرياضة، الفن) وسيلة لإقامة علاقة جمالية مع الوجود [والجمالية هنا لا تختزل فى الفن ، إذ هى تحيل إلى العواطف المشتركة والأحاسيس المعيشة بشكل جماعى] (2)- كما يقول (مافيزولى). أى أن ممارسة المعنى فى ذاته صارت هى قيمة القيم كلها عند تلك الجماعات.
غير أن هذا يعنى (موت التمثيل). ويتحدث “ياوس” عن تلك الظاهرة باعتبارها (إنتقالا من جمالية التمثيل إلى جمالية الإدراك).
فى ظل تلك الوضعية التى نحيا بموجبها الآن تداعيات موت الواقع، يصير (التمثيل) نفسه هو الأسطورة الجديدة التى تطاردنا. ذلك أن التمثيل، وبما هو تمثيل الواقع، قد حل محل (الواقع الميت)، وادعى كذبا أنه هو الواقع نفسه. عملية الإنتحال هذه؛ الناتجة عن تحويل الواقع الحقيقى إلى نماذج مبرمجة؛ هى (قوالب وذاكرات) مصطنعة- كما يقول (بودريار)، تفشت الآن (بفعل التكنولوجيا)، واجتاحت الوجود برمته، مما تحول معها كل تمثيل إلى (إعلان موت) الأصل الحقيقى؛ المُحاكَى؛ أى إلى (إصطناع). وحين يصير الخيال هو الواقع نفسه، فهذا يعنى تلاشى الفرق بين الواقع والخيال، ومن ثم (موت التمثيل).
المقلق فيما يحدث هو أن جماعات المعنى تحيا ذلك الموت بل وتمارسه دون أن تعيه (!!).
سأتخذ نموذجى هنا من (الجماعات المسرحية) باعتبارها أحد أشكال (جماعات المعنى)، وسأتناولها من زاوية علاقتها بـ (مبدأ التمثيل) ودلالته على (موت الواقع الحقيقى)، لنرى الكيفية التى تتقمَّص بها الصور المستنسخة هوية ذلك الواقع.
الجماعات المسرحية :
نحن الآن لا نرى المسرح أو سرابه، بقدر ما نرى صورة مستنسخة أو منمذجة منه (فوق- واقع Hyperreel)؛ فقد تجاوز مرحلة الموت الفعلى، ولم يتبق منه سوى إعادة تدوير أنظمته المرجعية- تلك التى تمَّت تصفيتها طوال السنوات الماضية- لتعمل ضده هو نفسه؛ أى أننا نحيا الآن فى زمن بعث الأنظمة المرجعية المسرحية، بعد تجريدها من سلطتها القديمة وشحنها بالإصطناع المبرمج.
يتحدث (بودريار) عن أن هذا المنحى العام الذى يشمل الواقع بأكمله، ليس المقصود منه [محاكاة ولا تكرارا ولا حتى مسخرة. بل المقصود إستبدال الواقع برموز عنه، أى بعملية ردع لكل سيرورة واقعية ببديلها الإجرائى] (3) .
ففى الوقت الذى تشهد فيه الظاهرة المسرحية تزايدا ملحوظا فى عدد الفرق، فإنما تشهد أيضا تزايدا ملموسا فى حجم الإنصراف الذى يبديه الجمهور عن متابعة الإهتمام بفن المسرح!.
هذا وبينما لم يعد المسرح جزءا من المشروع الحضارى العام، الخاص بالمجتمعات المعاصرة؛ إذ فقد كمية كبيرة من سلطتة التاريخية فى صناعة المعنى الذى يحتاج إليه المجتمع، سنجد أن المسرح ذاته- عند المشتغلين به- صار هو (المكان الرمزى الدال على المعنى الجمالى المصطنع)، وبتعبير آخر، المشتغلون بالمسرح الآن يقيمون مع العالم علاقة وجودية ذات كثافة جمالية إصطناعية، لا تمت لجمالية المحاكاة التى يتأسس عليها النوع المسرحى بصلة.
ففى التحوَّل من جمالية التمثيل إلى جمالية الإدراك، يتحدث (ياوس) عن حِسِّية بصرية خالصة، أو عن “نزع الطابع المفهومى عن العالم”، ومن هذا المنظور لا يتعلق الأمر بالهيمنة على العالم من خلال المفهوم، بقدر ما يتعلق بضمان “الإمساك الروحى به” عبر متعة بصرية، “إن الإدراك الجمالى، كما نتصوره، مطالب بالإنطلاق فقط من نزع الطابع المفهومى عن العالم، ويرغب فى عرض الأشياء، وقد تخلت عن كل ما يثقل مظهرها البصرى الخالص”، إنه تصوُّر آخر أكثر إتصالا بالمتعة، وذلك من خلال الصورة ، بالنظر إلى الأهمية التى سيكتسيها الشكل. ويضيف ما فيزولى: لا يمكننا أن نحجم عن الإشارة إلى أى مدى يوضِّح تعدُّد الصور وحضورها الكلى فى اليومى هذه الأطروحة ؛ فالصور مستهلكة بشكل جماعى هنا والآن، إنها تصلح كعامل للجمع والربط، وتمكِّن من إدراك العالم لا من تمثيله، وحتى إذا نحن استطعنا استقطابها من وجهة نظر سياسية فإن لها بالأخص وظيفة أساطيرية؛ بحيث أنها تغذِّى اللغز، أى أنها توحِّد بين العارفين بطبيعتها..
الإشارة هنا شديدة الدلالة، فبعد أن كانت [اللغة هى حكاية العالم]، صارت [الصورة هى حكاية العالم]، ذلك أن كلا منهما [يصلح كعامل للجمع والربط]؛ اللغة عن طريق “التمثيل”، والصورة عن طريق “الإدراك”.
ولكن، من هم العارفين بطبيعتها؟.
بإنصراف الجمهور عن المسرح، انعزل المسرحيون بأنفسهم وتحولوا إلى (جماعة مغلقة) تمارس طقوسا سرية؛ هى نفسها (العروض التى يقدمونها لأنفسهم)؛ فالمسرحيون- غالبا- هم الذين يشاهدون عروض بعضهم البعض؛ أى أنهم يلعبون دور الجمهور أيضا (؟!).
وفى محاولة لفهم طبيعة تلك الظاهرة الجديدة، سنلاحظ بأن المسرحيين الشبان يعكفون منذ سنوات على إنماء قدراتهم ومهاراتهم المسرحية الخاصة؛ من خلال التدريبات التى يحرصون على مزاولتها فى الورش (الدولية والمحلية)، وكذلك من خلال المهرجانات (الدولية والعربية) التى يقدمون عروضهم بها بإنتظام.
غياب الجمهور هنا، يعنى أننا أمام تحوُّل تاريخى فى علاقة المسرح بنفسه وبالواقع الإجتماعى، فباعتباره (ظاهرة إجتماعية فى الأساس)، تحوَّل المسرح من (النمو فى الحقل الإجتماعى؛ بتمَثُّل الأنماط الإجتماعية فى الممارسة الخيالية)، إلى (النمو بعيدا عن المجتمع؛ بتمَثُّل القيم الجمالية الإصطناعية “المنمذَجة”؛ ذات الطابع العالمى؛ التى هى جزء لا يتجزء من “الواقع العالمى الجديد”).
مما يعنى أننا أمام ظاهرة جديدة بالفعل، تحوَّل المسرح بمقتضاها عن مسيرته التاريخية التفاعلية (كمؤسسة إجتماعية منتجة للمعنى العام) إلى (ممارسة منكفئة على نفسها ومكتفية بإنماء ومزاولة المعنى الخاص بالجماعة المسرحية ذاتها). من هنا يمكننا الإمساك بدلالات محدَّدة حاولت العروض الشبابية تمثلها، وهى تلك الخاصة بـ (مسرح الصورة والمسرح الجسدى؛ بماهو جزء من مسرح الصورة نفسه).
مشكلة مسرح الصورة تكمن فى أنه جعل من العرض المسرحى مجرد صورة ضمن صور أخرى لا حصر لها، يكتظ بها عصر الصورة الذى نحياه الآن، هكذا، دون أن تتميَّز تلك الصورة بمعنى ما، يتطلبه الجمهور. هذا دون أن ننسى ما قاله (ريجيس دوبرى): [… وفى ثقافة بصرية بدون ذات وللموضوعات الإفتراضية يغدو الآخر جنسا آيلا للإنقراض والصورة صورة لنفسها.] (6)، وكذلك قوله بأن: [الصورة هى المجال المشترك لعصرنا بأكمله]. [إنه نظام يمارس قيادة صارمة للعقول إلى درجة لا يتم التفكير فيه باعتباره كذلك. وكل نظام سلطة يقوِّم نفسه على أنه بديهى. فما يرينا العالم هو أيضا ما يعمينا عن النظر إليه: “إنه أيديولوجيتنا”. فهذه الأخيرة لا تبدى حدَّتها إلا فى التخلص من الأفكار التى تسكن “بؤبؤ عيوننا”.] (7)، إنه [التكريس العالمى للعين]، [إننا- الآن- نرى كل ما هو موجود عبر ما هو ظاهر…]، [ليس ثمة معجم للمرئى، و”العين تنصت”، لكنها لا تسمع عين الآخر.] (8)، إنها [الفرضية البصرية للوجود: فكل ما هو موجود يوجد… “أما” الباقى، أى كل ما ليس يصلح “للرؤية”، يغدو غير موجود أى خيالا ووهما.] (9)، [الواقع غدا مقولة تقنية ثقافية، وهذه التقنية أصبحت عالمية.] (10)… إلخ.
ومن ناحية أخرى، نلاحظ بأن (إعداد أو تصنيع جسد الممثل فى الورش المسرحية)، يتم عادة وفقا لنماذج قياسية محدَّدة “قوالب تعبيرية حركية” متعلقة بالأداء المُحْكَم التصميم . هذا والنمذَجَة والتصميمات المحكمة، وهى من أخص خصائص (العقلانية التقنية)، لا تتضمن [محاكاة و لا تكرارا و لا حتى مسخرة. بل المقصود “بها” استبدال الواقع برموز عنه، أى بعملية ردع لكل سيرورة واقعية ببديلها الإجرائى]، كما أشار بودريار من قبل .
وتلك هى (الطقوسية الجديدة) التى تنطوى عليها العروض الأدائية السائدة الآن.
ولاشك أن [لها… وظيفة أساطيرية؛ بحيث أنها تغذِّى اللغز، أى أنها توحِّد بين العارفين بطبيعتها.]؛ كما أشار مافيزولى، وهم (أعضاء الجماعة المسرحية) ذاتها.
المسرحيون الآن يزاولون المسرح باعتباره هو معنى وجودهم نفسه. هذا و(الجماعة المسرحية ككل)؛ وأعنى بها الدائرة الكبرى التى تضم فى طياتها جميع المشتغلين بالمسرح، وعلى الرغم من الطبيعة (الجمالية الإصطناعية) للمشروع الذى تنتمى إليه، إلا أنه (سياسى) فى جوهره.
الجماهير و(الإستهلاك كإنتاج):
وعلى الضفة المقابلة لما سبق، سنجد أن الجماهير الآن، وبينما تمارس الحياة الإستهلاكية اليومية، فإنما تعيد تأسيس “الواقع” من خلال “المعانى” الجماعية التى تمنحها له. مما يدل على أن “الواقع” نفسه يعاد بناؤه توزيعيا الآن من خلال تلك المعانى. إذن، كل “توزيع” هو “تنظيم” وكل تنظيم إنما يتم من خلال “معنى ما- يعيد إنتاج نفسه، أو على الأقل هو يضمر تلك الرغبة” ونظرا لتعدُّد المعانى المتصارعة لدينا، فتعدد التنظيمات يعنى أن الواقع الذى نحياه الآن، إن هو إلا واقع موزَّع على قوى عديدة؛ واقع ممزَّق، وبدقة- نحن نحيا فى (واقع- ات؛ جمع واقع، وهو إجتهاد خاص بى، لأن كلمة واقع لا جمع لها) (11).
غير أنه يعنى أيضا أن الثقافة المؤسسية “الرسمية” الآن، تمَثِّل (الوضعية الأكثر ضعفا) وفى طريقها للإندثار، بينما ثقافة الجماهير تمثل (الوضعية الأكثر قوة) وفى طريقها إلى الصعود. ويمكن الزعم بأن عدم قدرة الدولة القومية على صناعة ومن ثم الهيمنة على المعنى العام، كان هو “الفرصة” التى اقتنصتها الجماهير للدفع بالمعانى الجماعية العديدة “المكبوتة والمستحدثة على حد سواء” للتعبير عن نفسها بحرية. مما يمكن معه الزعم بأنها تهَتُّك الأنساق الثقافية المحلية القديمة، نظرا لتكاثر وتراكم التكتيكات (أى الحيل والإجراءات) التى يبتكرها الناس، لمقاومة الأنساق المستقِرَّة من ناحية والنسق العولمى من ناحية أخرى، غير أن ذلك التراكم التكتيكى اليومى نفسه بدأ فى التحول الكيفى نحو تأسيس أنساق ثقافية جديدة (ذات طابع جماهيرى)- تتمحور حول (المقاومة، المتعة).
ـــ ويبقى السؤال :
هل بإمكاننا إنتاج براديجما ثقافية جديدة قادرة على إقامة علاقات واقعية مع مجالات القوة السائدة؟. وبتعبير آخر: هل بإمكاننا الربط بين كل تلك المجالات المتصارعة، بإبتداع نماذج معرفية وسياسية جديدة، تتطوَّر داخل التوترات الناشبة بين تلك المجالات المتعلقة بالقوة الثقافية، ونمنحها التوازنات الرمزية وعقود التوافق والتسويات المؤقتة ؟.
فإذا كان الإستهلاك هو جوهر ثقافة الجماهير، وإذا كانت الممارسة الدلالية هى جوهر الإستهلاك، فهذا يعنى أن العمل المؤسسى “الرسمى” يجب أن يتمحور حول (الدلالة). وأعتقد بأن هذا يجب أن يكون هو مناط عمل المثقفين والدولة فى المرحلة الراهنة.
ففى ظل علاقات القوى العولمية الراهنة، علينا الدفع بإعادة استعمال المواد الثقافية العولمية، لتخليصها من لغتها الأيديولوجية الإجبارية لصالح ثقافة محلية جديدة لا تعيد إنتاج نفسها بقدر ما تحوُل دون تسلُّط العولمى وإمتصاصه للمحلى. وذلك بالدفع بالمهارات والأحلام والخيال إلى أقصاهم؛ بما هم الضامن الوحيد لإنتاج أشكال أبداعية جديدة، محطِّمة للأثر المطابق الذى تتوخَّاه السياسات الإستراتيجية العولمية.
إذن، ترتكز مهام المؤسسات الثقافية والعلمية الرسمية وغير الرسمية على ضرورة العمل على مضاعفة الإبتكار الجماهيرى فى المواقع الثقافية المختلفة.
هكذا، تجاوزا للوعى اللحظى العابر الذى يولد ويموت كل لحظة، فى ظل “جمالية الإدراك ” التى حلت محل “جمالية المحاكاة” فى عصر ثقافة الجماهير؛ وهى إحدى نتائج استحواذ الصور المستنسخة علينا؛ تلك الصور الفارغة التى لا تحاكى شيئا، [وتفتقر إلى العبق التاريخى (Aura) الذى هو شرط الأصالة] كما قال (والتر بنيامين)، وتشبُّثا بالوعى الحقيقى؛ بماهو (تراكم الماضى فى الحاضر، من أجل ما سوف يكون)- كما يقول (برجسون).
الهوامش:
1 ، 2ــ تأمل العالم (ميشيل مافيزولى)، ترجمة: فريد الزاهى، المشروع القومى للترجمة ، القاهرة ، ط 1 ، 2005 ، صفحات : (46 ، 45) .
3 ــ المصطنع والإصطناع (جان بودريار)، ترجمة : د . جوزيف عبد الله ، المنظمة العربية للترجمة ، بيروت ، ط 1 ، 2008 ، ص (47) .
4 ، 5 ــ تأمل العالم ، صفحات : (46 ، 47) ..
6 ، 7 ، 8 ، 9 ــ حياة الصورة وموتها (ريجيس دوبرى) ، ترجمة : فريد الزاهى ، أفريقيا الشرق ، صفحات : (244 ، 290 ، 290 ، 291 ، 291) .
10 ــ العمل الفنى فى عصر إعادة إنتاجه تقنيا (والتر بنيامين)، ترجمة : نشوان محسن دماج ، ebn.khaldoun@yahoo.fr.
11 ــ ينقسم المفكرون المشتغلون على “الواقع الراهن” إلى تيارين، أحدهما يرى أن الواقعين “الإفتراضى والمعزز” اغتالا “الواقع الحقيقى”؛ بودريار وريجيس دوبرى وغيرهما، والآخر يذهب إلى “تعدد الواقع” كـ “جيجيك”. ولكن هذا الأخير، لا ينشغل بتمزق الواقع الحقيقى، ولا يعد هذا التمزق ذا دلالة، كدأب الماركسيين.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
