منذ أن عرف الإنسان المسرح، لم تكن الخشبة مكانًا للترفيه فقط، بل كانت مرآةً للمجتمع، تنقل أفراحه وأوجاعه وصراعاته وأسئلته.
ففي المسرح الإغريقي، تناول أريستوفان في مسرحيته «بلوتوس – الثروة»، التي عُرضت عام 388 قبل الميلاد، قضية الثروة والفقر وتوزيع المال والعدالة الاجتماعية، وجعل من الفقر والثروة جزءًا أساسيًا من الصراع المسرحي.
ثم جاء شكسبير، وبعد أكثر من ألفي عام، ليضع في افتتاحية «كوريولانوس» عامة الشعب أمام الجوع ونقص الحبوب، وهم يطالبون بالطعام بسعر يستطيعون تحمّله.
أما موليير، فلم يترك المال بعيدًا عن مسرحه؛ ففي «البخيل»، التي عُرضت عام 1668، تحوّل المال والجشع وحب الثروة إلى محرك أساسي للصراع، وكشف من خلال الكوميديا كيف يمكن للمادة أن تسيطر على الإنسان وعلاقاته.
ومع تشيخوف، أصبح الفقر والمال والديون والتغير الاجتماعي جزءًا من ذلك القلق الإنساني الذي نراه في «بستان الكرز»، التي عُرضت عام 1904.
وهكذا، نكتشف أن الأزمات لم تولد في عصرنا، بل تناقلت نفسها عبر العصور، وتغيّرت أشكالها وأسماء ضحاياها، بينما بقي جوهرها حاضرًا: الفقر، والغلاء، والبطالة، والظلم، والفوارق بين الطبقات، وصراع الإنسان من أجل حياة أكثر كرامة.
ومن عصر إلى عصر، ظل الفن يلتقط هذه الأزمات ويضعها أمام الجمهور على الخشبة والشاشة والورق.
واليوم، ونحن نعيش أزمات مشابهة، يبرز سؤال أكثر غرابة:
هل التاريخ يعيد نفسه؟
أم أننا نحن الذين عدنا لننفّذ، في واقعنا الفعلي، ما كتبه الفنانون والمسرحيون قبل مئات وآلاف السنين؟
هل تغيّر الإنسان فعلًا، أم أننا ما زلنا نعيش الصراعات نفسها، ولكن بأسماء جديدة وأدوات جديدة؟
الرغيف الذي كان موضوعًا للصراع على خشبة قديمة، أصبح اليوم رمزًا للغلاء المعيشي.
والبطالة التي تناولها المسرح في أزمنة مختلفة، ما زالت تقف أمام شباب يبحثون عن فرصة.
والفقر والطبقية والظلم التي ناقشها المسرحيون منذ الإغريق، ما زالت تجد طريقها إلى حياتنا اليومية.
فهل نحن أمام تكرار للتاريخ، أم أمام مسرحية تاريخية طويلة لم يُكتب فصلها الأخير بعد؟
ربما لا يعيد التاريخ نفسه حرفيًا، لكن الإنسان يعيد إنتاج بعض أزماته عندما لا يتعلم من الماضي.
وهنا تأتي أهمية الفن.
فالفنان لا يملك آلة زمن، لكنه يستطيع أن يجعل الماضي حاضرًا أمامنا، وأن يحوّل ما كُتب على الورق إلى سؤال حيّ على الخشبة:
إلى متى سنظل نشاهد المسرحية نفسها، بينما تتغير أسماء الشخصيات فقط؟
الفن لا يملك وحده أن يغيّر الواقع، لكنه يملك أن يجعله مرئيًا.
والمسرح، منذ الإغريق حتى يومنا هذا، لم يكن بعيدًا عن وجع الإنسان.
فهل آن الأوان أن نكتب فصلًا جديدًا لا يكون فيه المواطن مجرد شخصية في المسرحية، بل إنسانًا قادرًا على تغيير نهايتها؟
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
