محمد المخلافي يكتب.. ما الذي يبقى حين يغيب المسرح؟

عرف اليمنيون منذ وقت مبكر الحكايات الشعبية والشعر وفنون الأداء والتعبير، ثم جاء المسرح الحديث في بيئة كانت مفتوحة على العالم، خصوصًا في عدن، حيث تفاعلت التأثيرات القادمة من الخارج مع اللغة والواقع والثقافة اليمنية.

ومع هذه التجارب، بدأ المسرح اليمني يأخذ شكله الخاص، متأثرًا بالظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية التي مر بها اليمن في كل مرحلة.

وقد تحدث عدد من الباحثين والمهتمين بتاريخ المسرح اليمني عن شواهد قديمة يمكن أن ترتبط بأشكال من الأداء والتمثيل. ومن بينهم الدكتور عبدالعزيز المقالح، الذي أشار في أكثر من مناسبة إلى بعض هذه الشواهد في اليمن القديم.

ومن بين هذه الشواهد مبنى دائري بالقرب من سد مأرب يُنسب إلى العصر السبئي، إلى جانب نقوش وشواهد أخرى قيل إنها ترتبط بالممثل والممارسة المسرحية. كما تحدث المقالح عن وجود أشكال من الشعر الملحمي في اليمن القديم، وشبّهها بما عرفته حضارات أخرى من ملاحم مثل (الإلياذة) و(الأوديسة).

وربما لا يصح أن نسمي هذه الممارسات مسرحًا بالمعنى المعروف اليوم، لكنها تكشف عن حضور الحكاية والأداء والتعبير الجماعي في الثقافة اليمنية القديمة. ولهذا يمكن النظر إليها بوصفها جزءًا من الخلفية التي يُبحث من خلالها عن جذور التجربة المسرحية اليمنية.

في مطلع القرن العشرين شهدت عدن عروضًا قدمتها فرق هندية، ويُشار إلى عام 1904 بوصفه من البدايات المبكرة لهذه العروض. وبعد سنوات قليلة، وتحديدًا في عام 1910، قدم طلاب مدرسة الحكومة عرضًا لمسرحية (يوليوس قيصر)، فكانت تلك من البدايات التي دخل فيها اليمنيون أنفسهم إلى تجربة المسرح.

وكانت عدن في ذلك الوقت مدينة مفتوحة على العالم بحكم موقعها وحركتها التجارية. وصلت إليها الصحف والكتب والفرق الفنية، ووجد المسرح طريقه إلى المدارس والنوادي وبعض المناسبات الثقافية. ومع الوقت ظهرت أعمال تتناول قضايا اجتماعية ووطنية، إلى جانب أعمال مقتبسة من المسرح العربي والعالمي.

لكن هذه الأعمال، عندما وصلت إلى الخشبة اليمنية، لم تبقَ بالضرورة كما جاءت. دخلت إلى مجتمع مختلف، وممثلين لهم تجاربهم، وجمهور له طريقته في فهم النص وتلقيه. ومن هنا أخذت النصوص والأفكار الوافدة شكلًا آخر على الخشبة اليمنية، وأصبحت جزءًا من تجربة لها علاقتها بالمكان والناس.

وفي العقود التالية استمر النشاط المسرحي في المدارس والنوادي، وازدادت ملامحه وضوحًا منذ خمسينيات القرن الماضي. ثم جاءت التحولات السياسية التي شهدها اليمن في الستينيات، مع قيام الجمهورية في شمال البلاد واستقلال الجنوب لاحقًا، لتفتح مجالًا أوسع للنشاط الثقافي والفني.

وانتشرت الفرق المسرحية في عدد من المدن خلال أواخر الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وظهرت تجارب في عدن والحديدة وغيرها. وفي الحديدة تحديدًا شهدت الحركة المسرحية تجارب وفرقًا عدة، من بينها تجربة المسرح الوطني التي ارتبطت في مرحلة لاحقة بالمخرج فريد الظاهري.

كانت الإمكانات محدودة في كثير من الأحيان، ومع ذلك واصل المسرحيون تقديم أعمال تتناول حياة الناس والقضايا التي كانت تشغلهم، إلى جانب الاستفادة من نصوص عربية وعالمية. وما جاء من الخارج لم يكن يبقى دائمًا كما هو؛ كان يتغير عندما يدخل إلى البيئة اليمنية، في اللغة وطريقة التقديم والتفاصيل التي تهم الجمهور.

ومن بين التجارب التي عشتها بنفسي، كانت تجربتي مع المسرح الجامعي في جامعة عدن.

في عام 2004، شاركت مع عدد من زملائي في تقديم مسرحية (يوليوس قيصر) باللغة الإنجليزية على خشبة مسرح جامعة عدن، وقدمت دور كاسيوس، قائد الجيش. كانت تجربة جديدة بالنسبة لي، حتى إنني في البداية رفضت الدور لأنه لا يشبه شخصيتي؛ أنا بطبيعتي هادئ الطباع، وشخصية كاسيوس محارب دموي وديماغوغي، لكن المخرج المسرحي جميل محفوظ، رحمة الله الواسعة تغشاه، أقنعني وقال لي: يجب على الممثل أن يتقمص الدور حتى وإن كان عكس شخصيته.

بعدها قبلت الدور، وخضعنا للتدريبات التي استمرت أشهرًا حتى تمكنت من أداء الدور بالشكل الذي كنا نريده. شاركنا في أسبوع المسرح ضمن فعاليات صنعاء عاصمة الثقافة العربية لعام 2004 في العاصمة صنعاء. نالت إعجاب الجميع، وتحدثت عنها وسائل الإعلام، وبُثت على قناة اليمن الفضائية. كانت تجربة جميلة، تعلمنا من خلالها فهم النص والشخصيات، وكيف نوصل الشخصيات إلى الجمهور.

وأتذكر أنه عندما عدت إلى عدن مع زملائي، وبحكم عملي كاتبًا في صحيفة (يمن تايمز)، كتبت مقالًا باللغة الإنجليزية عن المسرحية بعنوان (يوليوس قيصر في صنعاء)، ونُشر في الصحيفة.

لكن ذلك النشاط الذي عرفته المسارح والفرق خلال سنوات طويلة بدأ يتراجع بشكل واضح في السنوات الأخيرة. وبعد عام 2015، ازدادت صعوبة استمرار الحركة الثقافية والمسرحية مع الحرب والأوضاع الاقتصادية التي أثرت في حياة الناس، ومن بينهم الفنانون والمسرحيون.

لم يعد الأمر يتعلق فقط بتوفير خشبة مسرح أو تمويل عرض مسرحي. كثير من الناس أصبحوا منشغلين بتوفير احتياجات أسرهم، وتوقفت رواتب الموظفين في شمال البلاد، وفي المناطق الجنوبية أصبحت الرواتب غير كافية لإيجار شقة صغيرة، لذلك اضطر الكثير من الفنانين إلى البحث عن أعمال أخرى لا علاقة لها بالفن.

ومن بين هذه الحالات الفنان المسرحي سمير سعيد سيف، وهو أستاذ للتمثيل في معهد جميل غانم للفنون بعدن، والذي اضطر إلى العمل مباشرة في أحد مطاعم خور مكسر لإعالة أسرته المكونة من سبعة أفراد.

وهذا لا يتعلق بحياة الفنان وحده، بل ينعكس أيضًا على هوية المسرح نفسه. حين يترك الفنان مهنته ليبحث عن مصدر دخل آخر، لا تكون الخسارة في عمله وحده. فمع تراجع المؤسسات والفرق والعروض، تتوقف أيضًا خبرات وتجارب تراكمت خلال سنوات، وقد لا تجد فرصة لمن يكملها.

ومع ذلك، لم يختفِ المسرح اليمني تمامًا. ما زالت هناك محاولات وتجارب تظهر من وقت لآخر، كما أن كثيرًا من التجارب السابقة ما زالت حاضرة عند من شاركوا فيها أو شاهدوها. وما زال هناك مسرحيون يحاولون الاستمرار، رغم صعوبة الظروف.

المسرح اليمني ظل قريبًا من بيئته، وفي الوقت نفسه استفاد من المسرح العربي والعالمي. وما جاء من الخارج لم يكن يُنقل دائمًا كما هو، بل كان يتغير عندما يدخل إلى الخشبة اليمنية، ويتأثر باللغة والمجتمع والظروف المحيطة به. ومن هذه العلاقة بين المحلي والوافد تشكل جانب مهم من هوية المسرح اليمني.

أما اليوم، فلم يعد السؤال عن هوية المسرح وحدها، وإنما عن قدرته على الاستمرار أيضًا. فما زالت أعمال وتجارب المسرحيين حاضرة، وما زال بعضهم يحاول العمل رغم الظروف الصعبة.

فماذا يبقى من المسرح عندما تقل العروض وتضعف المؤسسات؟

تبقى النصوص، وتجارب من وقفوا على الخشبة، وما يتذكره الجمهور من تلك العروض. لكن عودة المسرح تحتاج إلى أكثر من نص وممثل؛ تحتاج إلى مكان وجمهور وظروف تسمح له بأن يستمر.

شاهد أيضاً

في فعاليات الدورة ال 47 لمهرجان القاهرة السينمائي :ورشة لتطوير سيناريو الأفلام الروائية الطويلة بالتعاون مع ” إرث ” لتطوير المحتوى

كتب / نادر أحمد : أعلن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي برئاسة الفنان حسين فهمي عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *