عند البوابة الجنوبية للخليج العربى حيث تغادر مياهه الي بحر عمان يقبع مضيق هرمز تبدو مياهه هادئة وتعبره السفن في رحلات لا تنقطع، تحمل ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا، بينما تراقبها الجبال الصامتة على جانبيه، وكأنها تحفظ أسرارا كتبت قبل أن يعرف الإنسان التاريخ.لكن لهذا السكون وجه آخر فما إن تعصف رياح السياسة حتى تتبدل ملامح المكان فالسماء الصافية تصبح ساحة للطائرات والصواريخ ويزرع قاعه بالألغام البحرية التي تفتك بالسفن العابرة، ليجد المضيق نفسه شاهدا على صراع الإنسان فوق رقعة كونتها الطبيعة في صبر امتد ملايين السنين.
وكأن الصراع جزء من قدر هذا المكان منذ ولادته الأولى فما يشهده اليوم من توترات ليس إلا امتدادا لصراع أقدم بكثير لم يكن بين البشر بل بين قوى الأرض نفسها.
قبل مئات الملايين من السنين كانت هذه المنطقة جزءا من محيط التيثس العظيم تعاقبت فوقه فترات الغمر والانحسار تاركة وراءها رواسب هائلة من الأملاح، عرفت فيما بعد باسم ملح هرمز.
ظلت تلك الطبقات مدفونة في أعماق الأرض ملايين السنين تنتظر الفصل التالي من الحكاية وهي اللحظة التي غيرت وجه المنطقة إلى الأبد فقد أخذت الصفيحة العربية التي تستقر فوقها الجزيرة العربية اليوم، تتحرك ببطء نحو الشمال حتى اصطدمت بالصفيحة الأوراسية فارتفعت الأرض مكونة جبال زاجروس الشاهقةفي الشمال بينما أخذ الحوض الواقع إلى الجنوب يهبط تدريجيا حتى غمرته مياه البحر ليتشكل الخليج العربي وبين جبال ترتفع ومياه تتمدد تشكل مضيق هرمز ليصبح البوابة الطبيعية التي تربط الخليج العربي ببحر عمان والمحيط الهندي.
ولم تتوقف آثار تلك الأحداث عند رسم شكل اليابسة والبحر، بل دفعت أيضا طبقات ملح هرمز إلى الصعود ببطء عبر الصخور، مكونة القباب الملحية التي اشتهرت بها المنطقة والتي لعبت دورا مهما في تكوين كثير من حقول النفط والغاز.
إن كل سفينة تعبر المضيق اليوم وكل موجة ترتطم بصخوره تمر فوق صفحة من كتاب الأرض الذى لم تكتبه السياسة ولم ترسمه الحروب بل خطته الطبيعة عبر ملايين السنين، ثم تركت للإنسان أن يضيف إليه فصلا جديدا قد يطول أو يقصر لكنه لن يكون يوما أقدم ولا أعمق أثرا من الحكاية التي بدأت في أعماق الأرض فليدرك ترامب وأمثاله أن ما كتبته الصخور ابقى من كل الحروب فالبحر سيبقي بحره والجبال ستظل حارسة للمكان والشعوب طاردة المعتدين.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
