من الصعب أن يزور الإنسان مدينة مرسى مطروح ولا يقع في حب شواطئها الرائعة.. فهذه المدينة الساحلية تمتلك من مقومات الجمال والطبيعة ما يجعلها واحدة من أهم المقاصد السياحية والمصايف المصرية، ليس فقط للمصريين الذين يتوافدون عليها بأعداد كبيرة خلال أشهر الصيف ويأتون لها من كل محافظات مصر، وإنما أيضا للسائح العربي والأجنبي الباحث عن شواطئ هادئة ومياه صافية وطبيعة خلابة ومختلفة.
بالتأكيد.. مطروح ليست مجرد مدينة للمصيف، وإنما واحدة من المدن التي تمتلك شخصية خاصة.. فالبحر فيها له ألون مختلفة، والشواطئ تتميز بتنوعها وجمالها، والموقع الجغرافي للمدينة يمنحها أهمية سياحية واقتصادية كبيرة، فضلا عن ارتباطها بتاريخ طويل وأحداث مهمة في تاريخ مصر.
قضيت في مطروح أربعة أيام استمتعت خلالها بجمال شواطئها وروعة مياهها، وتجولت في عدد من مناطقها وشوارعها، ولاحظت ما جرى من أعمال تطوير وتحديث في بعض الشوارع والمناطق السياحية.. والحقيقة أن هناك جهودا واضحة لتحسين الصورة العامة للمدينة، وهو أمر يستحق الإشادة والتقدير.
لكن ما رأيته خلال هذه الزيارة دفعني إلى طرح سؤال مهم:
**هل ما تحقق من تطوير في مطروح يكفي لكي تتناسب المدينة مع المكانة السياحية التي تستحقها؟
في تقديري..الإجابة هي: لا تزال مطروح بحاجة إلى المزيد من التطوير والتحسين
والمقصود هنا ليس التقليل من حجم ما تم إنجازه، وإنما العكس تماما؛ فكلما ارتفع مستوى التطوير في جزء من المدينة، أصبح من الضروري أن تمتد عملية التطوير إلى بقية المناطق حتى تظهر مطروح كلها بالصورة التي تليق بها.
أولى الملاحظات التي استوقفتني كانت مدخل المدينة..فالمدخل هو أول صورة يراها القادم إلى مطروح، ومن الطبيعي أن يكون في مقدمة المناطق التي تحظى بالعناية والتجميل والنظافة.. لكن بعض المشاهد التي رأيتها عند المدخل لا تتناسب مع مدينة سياحية بهذا الحجم وتلك الأهمية.
تراكم القمامة في بعض المواقع، وقيام الأغنام بالبحث بين أكوام المخلفات عن الطعام، مشهد لا ينبغي أن يكون موجودا في مدخل مدينة تستقبل آلاف المصطافين والزائرين كل عام.
وبما أن الانطباع الأول عن أي مدينة يبدأ من مدخلها.. فأرى أن مدخل مدينة مطروح يحتاج إلى تنسيق حضارى يتناسب مع مكانة المدينة وحجم الإقبال عليها وما ننتظره منها.
الزائر الذى يرى عند دخوله مدينة- أى مدينة- شوارع نظيفة، وتشجيرا جيدا، وإضاءة مناسبة، ولافتات منظمة، ومظهرا حضاريا، فإن ذلك يبعث إليه رسالة واضحة بأن هذه المدينة تحترم زوارها وتعتني بتفاصيلها.
أما إذا كان أول ما يلفت انتباهه هو القمامة والمظاهر العشوائية، فإن الصورة تكون مختلفة مهما كان جمال البحر والشواطئ.
ومن هنا أعتقد أن مدخل مطروح يحتاج إلى مشروع متكامل للتطوير والتجميل، لا يقتصر على الرصف أو الإنارة، وإنما يشمل النظافة المستمرة، والتشجير، وتنظيم الإعلانات واللافتات، وإزالة أي مظاهر عشوائية، ووضع نظام واضح يمنع إلقاء المخلفات.
كما أن مستوى النظافة لا ينبغي أن يكون مرتبطا بموسم الصيف فقط.. فمطروح مقصد سياحي مهم طوال العام والمدينة لها عشاقها الذين يرغبونها طوال العام.
صحيح أن فصل الصيف يشهد زيادة هائلة في أعداد الزائرين، لكن المدينة السياحية يجب أن تظل نظيفة ومنظمة طوال العام، لأن مطروح ليست مدينة موسمية بالمعنى الكامل؛ فهي مدينة لها سكانها وحياتها اليومية ومقوماتها السياحية التي يمكن استثمارها على مدار العام.
من الملاحظات الأخرى التي تحتاج إلى اهتمام أكبر وسائل النقل داخل المدينة..فوجود وسائل نقل بدائية أو عشوائية بكثرة يؤثر في الشكل الحضاري للمدينة، ويجعل حركة المواطنين والمصطافين أقل راحة وتنظيما.. ومطروح، باعتبارها مدينة سياحية، تحتاج إلى منظومة نقل داخلي أكثر انتظاما، بحيث يستطيع المواطن والزائر الانتقال بسهولة وأمان، دون أن تتحول الشوارع إلى مساحة للحركة العشوائية.
ولا يمكن أن نتحدث عن تطوير مدينة سياحية من دون أن نتحدث عن المظهر العام للشوارع..فالتطوير الحقيقي لا يعني شارعا جميلا هنا وشارعا آخر يحتاج إلى مزيد من الاهتمام هناك، المطلوب هو رؤية متكاملة تجعل المدينة كلها تتحرك في اتجاه واحد: رصف جيد، أرصفة منظمة، إنارة مناسبة، تشجير، نظافة، واجهات مبان مقبولة، وإعلانات لا تشوه المشهد البصري.
وقد رأيت في مطروح نماذج جيدة بالفعل من أعمال التطوير، وهذا يجعلني أكثر إصرارا على ضرورة استكمال التجربة.
فما دام هناك نجاح في تطوير بعض المناطق، فلماذا لا يمتد هذا النجاح إلى بقية الشوارع والمداخل والمناطق التي يمر بها الزائر؟
مطروح تمتلك أهم عنصر في المعادلة السياحية وهو: الطبيعة..لكن الطبيعة وحدها لا تكفي.
البحر الجميل يحتاج إلى مدينة جميلة تحيط به، والشاطئ الرائع يحتاج إلى طريق نظيف ومنظم يصل إليه، والسائح الذي يستمتع بالمياه الصافية يحتاج إلى خدمات جيدة ونظافة ونظاما وأمانا ومظهرا حضاريا.
وهنا يجب أن ننظر إلى تطوير مطروح باعتباره استثمارا في السياحة وليس مجرد إنفاق على تجميل الشوارع.
كل جنيه ينفق على النظافة والتشجير وتحسين المداخل وتنظيم النقل وتطوير المناطق السياحية، يمكن أن ينعكس على تجربة الزائر، وعلى قدرة المدينة على جذب مزيد من المصطافين والسائحين، وعلى إطالة مدة إقامتهم وتشجيعهم على العودة مرة أخرى.
كما أن مطروح تمتلك فرصة كبيرة لتصبح واحدة من أهم المدن السياحية المصرية وهذا ما تستهدفه الدولة بالتأكيد، وليس مجرد مصيف يأتي إليه الناس خلال شهور الصيف ثم يغادرونه.
لذلك نتطلع خلال المرحلة المقبلة الى وضع خطة واضحة ومستمرة لتطوير المدينة، تبدأ من مداخلها، وتمر بشوارعها وميادينها، ولا تنتهي عند شواطئها.
خطة تضع النظافة في مقدمة الأولويات، وتتعامل مع المخلفات بصورة أكثر صرامة، وتمنع تحويل الشوارع إلى أماكن لتجمع القمامة، وتواجه المظاهر العشوائية، وتنظم وسائل النقل، وتزيد المساحات الخضراء، وتحافظ على جمال الشواطئ..
أعتقد أن المواطن والزائر لهما دور في هذه المنظومة، فالحفاظ على نظافة المدينة مسئولية مشتركة بين الأجهزة التنفيذية التي تملك أدوات الرقابة والتنظيم والتدخل السريع.
لقد خرجت من مطروح بعد أربعة أيام وأنا أكثر اقتناعا بأن هذه المدينة تستحق الكثير والكثير من التطوير والتحسين.
تستحق شوارع أكثر نظافة، ومداخل أكثر جمالا، ونقلا أكثر تنظيما، وتشجيرا أكثر، وخدمات سياحية أفضل.
والرسالة هنا ليست انتقادا لمطروح، وإنما دعوة إلى استكمال ما بدأ بالفعل..فمطروح الجميلة التي أحبها المصريون، ويأتي إليها العرب والأجانب، يمكن أن تكون أجمل بكثير مما هى عليه الآن.
إذا كانت مطروح قد بدأت بالفعل رحلة التطوير والتحديث، فإن ما تحتاجه الآن هو أن تستمر الرحلة حتى تصل إلى كل شارع ومدخل ومنطقة، لتصبح المدينة في الصورة التي تليق بجمالها ومكانتها السياحية.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
