أحمد السيد النجار يكتب.. محاولة لإنصاف موهبة عظمى


فايزة أحمد والعبقري محمد الموجي الذي استخرج لآلئ وجواهر صوتها

لم يكن العبقري العظيم محمد الموجي (وهو الأثير عندي بين أبناء جيله)، مبالغا عندما غلبته العبرات وهو يتحدث عن فايزة أحمد فور وفاتها معتبرا أن رنة صوتها الفريدة هي الأجمل على الإطلاق من بين كل ما سمع من أصوات، غير آبه بأن تثير صراحته الجميلة كموسيقاه الرائعة، حفيظة الأحياء من الفنانات الكبار من جيل فايزة أحمد. وكانت بالفعل تملك رنة غريبة ونادرة وساحرة في آن واحد.
ومن بين أكثر من 60 ملحنا لحنوا لفايزة أحمد، تعد ألحان محمد الموجي البديعة هي أقدر من استخرج درر الإحساس وجماليات وزخارف الغناء العربي من صوت فايزة أحمد القادر والنادر، مثلما فعل مع المطرب الأسطورة عبد الحليم حافظ. وكادت فايزة أحمد تتسبب في مشكلة كبيرة عندما استدعتها الإذاعة المصرية في بداية قدومها لمصر، حيث عرض عليها الموسيقار محمد حسن الشجاعي المشرف على الموسيقى والغناء بالإذاعة المصرية آنذاك، أن يقوم الملحن الكبير فؤاد حلمي بالتلحين لها، ولم تكن تعلم عنه شيئا، أو أنه الشخص الذي كان موجودا بجانبها أثناء تقديم العرض لها، فرفضت وطلبت أن يكون محمد الموجي الذي كانت تعشق ألحانه، هو من يلحن لها. وغضب فؤاد حلمي واعتبر ما قالته استهانة وإساءة من مطربة قادمة للتو إلى مصر، وبادرها برد يحمل استهانة مقابلة.
وإزاء إصرارها على أن يكون العظيم محمد الموجي هو من يقدمها للجمهور في مصر بألحانه البديعة، كان لها ما أرادته. وبدأت معه مسيرة قصيرة، لكنها بالغة الثراء فيما نتج عنها من إبداعات استثنائية، فقد نفذ الموجي العبقري لمواطن الجمال والسحر في صوتها وقدم لها ألحانا مكنتها من إبراز بهاء وجمال وزخارف صوتها ودفء ورقي إحساسها الذي يعطي للكلمات عمقها ومعناها، وهو ما يتجلى في الأعمال المشتركة بينهما والتي شكلت البدايات الكبيرة لكليهما، والتي تشكل رصيدا ساحرا للغناء العربي مثل “بيت العز”، “يامه القمر ع الباب”، “يا الأسمراني”، “تمر حنه”، “أنا قلبي إليك ميال”، “تعالى لي يابا”، “حيران”، “م الباب للشباك”، “يا حبيبي واحشني”، “غلطة واحدة”، “ليه يا قلبي ليه”، “إلهي يحرسك م العين”، “قلبي عيك يا خي”. وفضلا عن سحر الألحان والصوت الأسطوري، كان اختيارها لكلمات أغانيها مع الموجي وغالبيتهامن كلمات المبدع الرائع مرسي جميل عزيز، موفقا وراقيا وإنسانيا بصفة عامة، وكان شديد الجرأة في بعض الأحيان مثل أغنية “يامه القمر ع الباب”. وفي كل الأحوال وضعتها تلك الأغنيات في سياق كلاسيكي يتسم بالرقي والسمو، وبنت شخصية غنائية مستقلة ودافئة وراقية وحساسة، استحقت بها أن تكون المطربة المفضلة للملكوت الأعلى للغناء أم كلثوم.
ولم تنس فايزة أحمد الإحراج الذي سببته للملحن الكبير فؤاد حلمي، وبعد فترة من توهجها مع الموجي، قامت بمصالحته، وغنت له أغنية حققت نجاحا كبيرا هي “بتسأل ليه عليا” من كلمات إسماعيل الحبروك، ثم غنت من ألحانه أغنية “من قلبي ومن قلبك” وهي من الأغنيات التي قالت بصراحتها الصادمة أنها لا تحبها ليس لأن اللحن سيء بل لأنها غير مناسبة لصوتها.
أما توتر علاقتها الفنية مع محمد الموجي المفضل لديها فيعود إلى تخليه عنها وقلة ألحانه لها ثم توقفه، بدعوى أنه مشغول بتقديم ألحان لعبد الحليم حافظ، أو على حد تعبيره الذي صرحت به: “أنا مرتبط بمطرب وواخد فلوس”. لكن هناك سبب آخر يقف وراء توتر علاقاتها بملحنيها عموما وهو أنها وهي المتعلمة والمثقفة موسيقيا، أو التي تفهم في الموسيقى على حد تعبير العبقري الآخر بليغ حمدي، كانت تجادل ملحنيها في ألحانهم وتطرح تصوراتها لغناء الكلمات، ولم تكن تغني ما يُقَدم لها بدون تفكير، وهو أمر كان من الصعب على الموجي تقبله لأنه مثل معلمه الأبرز رياض السنباطي لم يكن يقبل ذلك. وقد حاول زوجها الموسيقار محمد سلطان مصالحتها مع الموجي، وقال لها (كما قال لي بالنص): “الموجي هو اللي قدمك لمصر ولكل العرب وبروز صوتك وأبرز أجمل ما فيه، ولو ملكيش خير في الموجي يبقى ملكيش خير في حد”. وحدثت المصالحة الشخصية، لكن الموجي المعتز بنفسه للغاية، لم ينس تاريخ الخصومة وظل منشغلا عنها بالتلحين لآخرين.
وإذا كانت الخصومة الطويلة بين فايزة أحمد والموجي قد حرمتنا من إبداعات محتملة لهذا الثنائي المذهل الذي يقف في الصف الأول بين الموسيقيين والمطربين العرب على مر العصور، فإن فترة تعاونهما القصيرة تركت لنا بعض من أجمل جواهر الغناء العربي على مر الدهور، ولم يغير الخصام من رأيه فيها، حيث صرح بعد موتها الصادم، بأنها أجمل صوت!

شاهد أيضاً

مجاهد خلف لعنة ال كي جي ..وأزمة الهوية!

جدل كثير واحاديث اكثر عن الهوية وضرورة الحفاظ عليها والاهتمام بإقامة القواعد وحماية الأركان والحفاظ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *