أمنية القطان تكتب.. لماذا أصبحنا.. نعيش العلاقات بعقلية الاستبدال؟

️
لماذا أصبح الرحيل أسهل من المحاولة؟

لماذا أصبحنا حين نختلف مع شخص، نفكر سريعًا في البحث عن شخص آخر، بدلًا من محاولة فهمه؟
وكيف تحولت العلاقات من مساحة نبني فيها شيئًا معًا، إلى تجربة مؤقتة، إذا لم تمنحنا ما نريد فورًا… نبحث عن بديل؟
ربما لم يعد الإنسان اليوم يخاف من فقدان الآخر بقدر ما يخاف من أن يبقى وحيدًا.
وهنا بدأت المشكلة…
فنحن نعيش في زمن جعل كل شيء قابلًا للاستبدال؛ الهاتف، العمل، المكان، وحتى الأشخاص.
تطبيقات التواصل جعلتنا نرى آلاف الوجوه في دقائق، وفتحت أمامنا أبوابًا لا تنتهي من الخيارات، حتى أصبح البعض يتعامل مع العلاقة وكأنها منتج:
إن لم تعجبني… أستبدلها.
إن تأخرت في إشباع احتياجي…
أبحث عن غيرها.
إن ظهرت مشكلة… أرحل.
إن اختلفنا… ربما هناك شخص آخر ينتظرني.
وهكذا أصبحنا نخلط بين الحرية وبين الهروب من المسؤولية.
وبين أن تختار نفسك… وأن تتخلى عن كل شخص لا يطابق توقعاتك.
الحقيقة أن العلاقة الإنسانية لم تُخلق لتكون مثالية.
الحب ليس أن تجد شخصًا لا يخطئ، ولا أن تجد إنسانًا يفهمك طوال الوقت.
الحب الحقيقي هو أن تجد شخصًا، وعندما تحدث الخلافات، لا يصبح أول تفكير بينكما:
«كيف أتخلص منك؟»
بل:
«كيف نفهم بعضنا؟»
لكننا أصبحنا نعيش في عصر السرعة…
نريد الحب سريعًا، والاهتمام سريعًا، والاعتذار سريعًا، والنتائج سريعة.
وإذا احتاجت العلاقة إلى وقت أو صبر أو مواجهة أو إصلاح… نشعر أنها أصبحت عبئًا.
حتى أصبح البعض لا يبحث عن
«شريك حياة» بقدر ما يبحث عن شخص يملأ الفراغ.
وهنا تظهر واحدة من أخطر مشكلات العلاقات الحديثة:
أننا أحيانًا لا نحب الأشخاص، بقدر ما نحب الشعور الذي يمنحونه لنا.
فإذا توقف الشخص عن منحنا الاهتمام الذي اعتدناه، بدأنا نشعر أنه لم يعد مناسبًا.
مع أننا ربما لم نتوقف لحظة لنسأل:
هل تغير هو فعلًا؟
أم تغيرت احتياجاتي؟
هل انتهى الحب؟
أم انتهت مرحلة الانبهار؟
هل هذا الشخص لم يعد يستحق وجوده في حياتي؟
أم أنني لم أعد أملك الصبر الكافي لأعرفه من جديد؟
نحن لا ننتبه أن الإنسان يتغير.
وأنت أيضًا تتغير.
والعلاقة الصحية ليست علاقة لا تتغير، وإنما علاقة تستطيع أن تتغير دون أن تفقد معناها.
لكن عقلية الاستبدال جعلتنا ننسى قيمة «الإصلاح».
أصبح الاعتذار أقل أهمية من العثور على شخص جديد.
وأصبحت فرصة ثانية تُعتبر ضعفًا.
والصبر يُفسَّر أحيانًا بأنه تنازل.
والتمسك بالعلاقة يُنظر إليه وكأنه خوف من الوحدة.
مع أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تتمسك بشخص يؤذيك، وبين أن تتمسك بعلاقة تستحق الإصلاح.
ليس المطلوب أن نبقى في علاقات مؤذية.
وليس كل رحيل هروبًا.
أحيانًا يكون الرحيل حماية للنفس، وأحيانًا يكون الاستمرار ظلمًا لها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الرحيل هو الحل الأول، وليس الأخير.
عندما نتوقف عن الحوار قبل أن يبدأ.
وعندما نحكم على الإنسان من موقف واحد.
وعندما ننسى عشرات التفاصيل الجميلة بسبب خطأ واحد.
وعندما نعتقد أن الشخص القادم سيكون أفضل فقط لأنه «جديد».
الجديد دائمًا يبدو أجمل…
حتى نكتشف أن كل علاقة تحتاج إلى نفس الأشياء:وعي، أحترام، إحتواء، إحترام، صبر، مسؤولية، صدق.
لذلك ربما نحن لا نحتاج إلى المزيد من الأشخاص في حياتنا بقدر ما نحتاج إلى علاقات أكثر نضجًا.
نحتاج أن نتعلم كيف نختلف دون أن نهدم.
وكيف نعاتب دون أن نجرح.
وكيف نضع حدودًا دون أن نعاقب.
وكيف نغادر عندما يصبح البقاء مؤذيًا، دون أن نحول كل علاقة انتهت إلى عداوة.
فليس كل من رحل كان سيئًا…
وليس كل من بقي كان جيدًا.
لكن الإنسان الناضج يعرف أن الأشخاص ليسوا قطع غيار.
وأن القلوب ليست أماكن مؤقتة نقيم فيها حتى نجد مكانًا أفضل.
وربما السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا قبل أن نقول:
«سأستبدله»
هو:
«هل انتهت الحكاية فعلًا… أم أننا فقط لم نعد نعرف كيف نكتب فصلًا جديدًا؟»
ففي زمن أصبح فيه الاستبدال سهلًا…
ربما أصبح الوفاء، والصبر، والاحتواء، والقدرة على الإصلاح من أندر أشكال الحب.
وفي النهاية…
لا تبحث دائمًا عن شخص أفضل.
ابحث عن علاقة يكون فيها كلاكما مستعدًا لأن يصبح أفضل.
لأن الإنسان الذي يهرب من كل علاقة عند أول أزمة…
قد يكتشف بعد سنوات أنه لم يكن يغيّر الأشخاص.
كان فقط يكرر الحكاية نفسها… مع وجوه مختلفة.

مرشد نفسي، إسشتاري أسري
معالج زواجي بالإتحاد العالمي للمعالجيين النفسيين العرب

شاهد أيضاً

مأمون الشناوي يكتب.. فاتح البيوت.. جمال عبد الناصر !!

لست بصدد تقييم الرجل ، ولا تجربته ؛ فقد حدث ذلك آلاف المرات ، وكُتبت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *