الخميس , 1 أكتوبر 2026

د. خالد محسن يكتب: إضاءات.. حول الذكاء القاتل!!


في عالمٍ يتسابق فيه البشر لنقل مجمل إدراكهم وتفكيرهم إلى “خوارزميات” رقمية، لم يعد السؤال الحقيقي يتعلق بمدى فائدة هذه التقنية، بل بمدى أمانها.
إن سيناريو “الذكاء الموازي القاتل” ليس مجرد أطروحة من أدب الخيال العلمي، بل هو تحذير صريح من تحول تقنيات الذكاء الاصطناعي من أدوات مساعدة إلى كيانات تتجاوز قدرتنا على الفهم أو التوجيه والتحكم.
وتأتي الخطورة الأكبر عندما تتقاطع قوة المعالجة فائقة السرعة مع قدرات اتخاذ القرار الذاتي في مجالات حيوية كالسلاح والطب والاقتصاد، مما يجعل احتمالية خروج هذه الأنظمة عن السيطرة تهديدًا وجوديًا يضع الإنسانية أمام اختبارها الأكثر حسما: هل يمكننا احتواء عقلٍ سنكون نحن النقطة الأضعف في معادلة نموه؟!.

ووسط جدل أممي واسع ومناقشات متباينة الرؤي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي بتقنياته متسارعة التطور
حذر “بيل جيتس”، من الآثار المؤلمة لبرامج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي من أنه قد يتسبب في مقتل مليار شخص حين يخرج عن السيطرة ،وتتولي الأجهزة فائقة التطور
اتخاذ قرارات ذاتية دون تعقل أو إنسانية.
وطالب بضرورة إيجاد آلية أمنية للتوافق نحو فرض ضمانات ورقابة إلزامية على التكنولوجيا.
ومن حلم الحياة إلى موت محقق وربما نهاية العالم ..
هكذا بدأت الحكاية.. بدأت حين حلم الإنسان الأول أن يصنع آلة تريح يديه، فصنع الفأس، ثم حلم بآلة تريح قدميه، فصنع العجلة، ثم حلم بآلة تريح عقله، فصنع الكمبيوتر..
وكان كل حلم هو خطوة نحو حياة أسهل، أطول، أجمل..
ثم جاء الحلم الأخير، الأكبر، الأخطر والأرعب في آن واحد: أن نصنع آلة تفكر بدلاً عنا..
أن نخلق عقلاً لا يتعب، لا ينام، لا ينسى.
سميناه ذكاءً اصطناعياً.. وصفّقنا له طويلاً، وقلنا: أخيراً، تحرر الإنسان!.
ولم نسأل أنفسنا السؤال الفلسفي المرعب: ماذا لو تحرر الذكاء نفسه من الإنسان؟.
ها نحن اليوم،وقد انقلب الحلم من حلم الحياة إلى احتمال موت محقق لمئات الملايين من البشر. هذا ليس خيالاً علمياً، بل تحذير أطلق من قلب المطبخ نفسه: “بيل جيتس”، مؤسس مايكروسوفت، الرجل الذي بنى نصف عالمنا الرقمي، وربما أكثر.

ماذا قال بيل جيتس؟ ولماذا الآن؟..في مقابلة صادمة مع شبكة “NBC” الأمريكية في برنامج Meet the Press، بُثت مقتطفاتها الخميس الماضي 25 سبتمبر، قال جيتس بالنص: الذكاء الاصطناعي قوي بالتأكيد بما يكفي للتسبب في أحداث قد تؤدي إلى وفاة “مليار شخص”
ولم يقلها كتنبؤ عبثي، بل كتحليل واقعي لمعادلة مرعبة يراها تتكون أمام عينيه:
إن معادلة جيتس للموت المحقق = ذكاء خارق + نوايا شريرة..
وأضاف : “لم يسبق أن وُجد سلاح بهذه القوة مثل مزيج من أشخاص ذوي نوايا سيئة يستخدمون أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي.
ولكن الذي أرعب “جيتس” إلى هذا الحد، ليس أن الذكاء الاصطناعي سيخطئ ويقتلنا بالخطأ، بل إن إنساناً شريراً واحداً، جماعة إرهابية، أودولة مارقة،أو “هاكر” عبقري ماكر، ربما سيستخدم سلاح الذكاء ليصنع ما لم يستطع البشر صنعه من قبل!.
وربما تأتي الطامة في صورة “فيروس بيولوجي” مصمم بالذكاء الاصطناعي ينتشر في الهواء، أو هجوم “سيبراني” علي أنظمة عسكرية ومدنية في عدة دول وفي آن واحد، قد تشل مستشفيات وبنوك ومؤسسات مالية وشبكات كهرباء ومياه لمدن كاملة في لحظة واحدة، أو في هيئة طائرات مسيرة ذاتية القيادة تنفذ اغتيالات جماعية، أوعمليات تزييف واحتيال مالي تدمر اقتصاداً كاملاً!.

وهذا ليس كلام “جيتس” وحده، بل إن شركة “أنثروبيك” نفسها، المطورة لنموذج Claude، نشرت تقريراً مرعباً يوثق استخدام جهات حكومية وغير حكومية لأدواتها للتخطيط لهجمات بمسيرات وأبحاث بيولوجية خطيرة.
وقد استقال أحد كبار موظفيها منذ عدة اسابيع قائلاً إن شركات الذكاء الاصطناعي “تقامر بحياتنا”، وآخر قال إن هناك احتمالاً قد يتجاوز الـ 10% لانقراض البشرية خلال 10 سنوات بسبب الذكاء الفائق!.
وقد انتقل الجدل من غرف المبرمجين إلى قاعات الأمم المتحدة. ولم يعد سؤالاً تقنياً: هل الذكاء الاصطناعي مفيد؟ بل سؤالاً وجودياً: هل سنبقى على قيد الحياة؟.
وعادل الجدل حول الطريق نحو الرقابة الإلزامية..ونهاية أسطورة التنظيم الذاتي.
وهنا يضع “بيل جيتس” يده على الجرح الأكبر، فخلال السنوات الماضية كانت شركات التكنولوجيا تقول للحكومات: اتركونا، نحن ننظم أنفسنا. نحن نضع الأخلاقيات، نحن نضع الضوابط.
“جيتس” اليوم يعلن وفاة هذه الأسطورة، حين قالها بوضوح:
“لا أحد يعتقد أن التنظيم الذاتي كافٍ”، و”نحن بحاجة إلى أجهزة إنفاذ القانون والسياسيين للدخول في النقاش بشأن شكل إجراءات الحماية وآليات المراقبة، ويجب أن يكون ذلك أمراً إلزامياً”..

ماذا تعني الرقابة الإلزامية؟
وفقا للخبراء المختصين تعني ثلاث ضمانات أساسية:
1ـ ضمانة الرخصة: مثلما لا يُسمح لأي شخص ببناء مفاعل نووي في حديقة بيته، لا يجب أن يُسمح لأي شركة بإطلاق نموذج ذكاء فائق بدون ترخيص دولي، واختبارات سلامة، وأجهزة تشغيل وتحكم وإيقاف إجبارية.
وقد دعا “جيتس” نفسه مؤخرا لتأسيس منظمة دولية لمراقبة الذكاء الاصطناعي على غرار وكالة الطاقة الذرية.
2ـ ضمانة التتبع: كل استخدام خطير للذكاء الاصطناعي في مجالات البيولوجيا والكيمياء والأسلحة والبنية التحتية يجب أن يكون مُسجلاً، مُتتبعاً، وتحت رقابة أجهزة إنفاذ القانون، لا مجرد تعهد أخلاقي من الشركة.
ـ 3: ضمانة المسؤولية: إذا تسببت شركة في كارثة بسبب إهمالها لمعايير السلامة طمعاً في السباق، يجب أن تحاسب جنائياً، لا أن تدفع غرامة وتستمر. هذا ما قصده “جيتس”، حين قال إن القواعد الجديدة “لن تؤدي إلى إبطاء كبير لما يقومون به”، لكنها ستمنع المقامرة بأرواحنا.
“بيل جيتس” لا يقول أوقفوا الذكاء الاصطناعي نهائيا، هو نفسه أكبر المستثمرين فيه، ويؤكد مرارا أنه سيفيد في الصحة والتعليم والزراعة، لكنه يقول: الحلم الجميل يحتاج إلى حارس مستيقظ. وإلا تحول من حلم الحياة إلى كابوس موت محقق.
ورقم الضحايا بـ”المليار” الذي حذر منه ليس رقماً، إنه ناقوس خطر.
إنه يقول لنا: إما أن نضع لهذا المارد قوانين ملزمة الآن، قبل أن يخرج من القمقم تماماً، وإما أن نستيقظ يوماً فلا نجد من يكتب عنا أننا كنا هنا.

من يراقب الحارس؟
في الفلسفة اليونانية كان هناك سؤال: من يراقب الحراس أنفسهم؟
اليوم سؤالنا: من يراقب الذكاء الذي سيراقبنا؟.
نحن صنعنا مرآة ذكية جداً، فأصبحت أذكى منا، والآن نحن خائفون أن تكسرنا المرآة.
وتبقي حقيقة أن الذكاء الاصطناعي ليس شيطانا بطبعه نحن من البسناه “القرون” ،ليس قاتلاً بطبعه.. ولكن الإنسان الذي يستخدمه بلا ضمير وبلا رقابة هو القاتل الفعلي..
وفي زمن “اللايقين” ، والحقائق النسبية والقناعات الفاسدة فالأيام وحدها كفيلة بكشف النقاب!.

من فيض الحكمة:

ـ يقول الله عز وجل : ﴿ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا} صدق الله العظيم – الإسراء 37.
وقال المصطفي صلي الله عليه وسلم (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، فسأله الصحابة : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا؟ فقال: (إن الله جميل يحب الجمال..الكبر بطر الحق وغمط الناس)..
وبطر الحق: رفضه .. وغمط الناس: احتقارهم والتقليل من شأنهم.
ـ المتكبر كالواقف على قمة جبل، يرى الناس صغاراً ويرونه صغيراً.
ـ الكبر ليس أن تلبس ثوباً غالياً، الكبر أن تلبس نفساً رخيصة وتظنها غالية.
ـ الغرور القاتل: أن تنسى أنك من تراب، وتمشي على تراب، وستعود إلى التراب..
ولله الأمر من قبل ومن بعد.

لمزيد من الاخبار هنا

شاهد أيضاً

عبد المحسن سلامة يكتب.. آخر يوم!

نتمنى ألا يكون اليوم الأربعاء الموافق 30 سبتمبر هو آخر أيام المهلة التى حددتها وزارة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *