الأربعاء , 30 سبتمبر 2026

هدى حجاجى تكتب.. نظرية اللقاء الأخير

كثيرًا ما نظنّ أن البداية تصنع الحكاية،
لكنّ الحقيقة أنّ النهاية وحدها تعرف كيف تكشف ما كان مخبأ.
يظنّ البعض أن النهاية مجرد انطفاء،
لكن الحقيقة أنّ العلاقة حين تصل إلى بابها الأخير،
تتكشّف بطريقةٍ لا ترحم.
هناك، حيث لا يعود للإنكار مكان،
ولا للتمثيل طاقة،
ولا للمجاملة دور،
تسقط الأقنعة التي ظلّت ثابتة لسنوات،
وينجلي ذاك السحر الذي كان يخفي هشاشة التفاصيل تحت اسم الحب.
عند اللحظة الأخيرة،
لا يُرى الطرفان بأعينهما فحسب،
بل بطباعهما، ومعدنهما الداخلي،
وبما يبقى منهما عندما تتساقط لغة المبادرات والعطاء المجامل.
فاللقاء الأخير لا يكشف الخداع…
بل يكشف الجوهر.
إنه اللحظة التي يظهر فيها الإنسان كما لم يظهر من قبل:
واضحًا، مجردًا، بلا سحرٍ يلمّع الصورة،
ولا حنينٍ يغطي الفراغ،
ولا خوفٍ يؤجل الحقيقة.
جلست أمامه في المقهى ذاته الذي شهد بداياتهما.
الغريب أن الطاولة كانت كما هي…
لكن شيئًا ما في الهواء تغيّر،
كأن المكان نفسه أدرك أنه سيشهد اعترافًا لا يُقال بصوتٍ مسموع.
تأملته طويلًا، ليس بعينيها، بل بحدسٍ يعرف أكثر مما ينبغي.
وعلى غير عادة اللقاءات، لم تبحث عن الكلمات المناسبة.
كانت متعبة من التجميل، مرهقة من إنقاذ ما لم يعد يريد أن يُنقَذ.
رفعت رأسها وقالت بصوت هادئ، لكنه ثابت:
– عندما ننظر لبعض للمرة الأخيرة… نرى الحقيقة كما هي.
نظر إليها بدهشة خفيفة، لم يعرف ماذا يقصد قلبها،
لكنّه شعر أن شيئًا ما يُغلق… بهدوءٍ يشبه غلق باب القدر.
قال لها:
– يمكن أن نبدأ من جديد.
ابتسمت…
ابتسامة خفيفة، ناضجة، ليست ساخرة ولا ضعيفة.
– المشكلة ليست في البداية…
بل في أننا لم نعد الأشخاص الذين بدأوا.
ساد بينهما فراغ قصير،
لم يكن موتًا… بل ميلاد فهمٍ متأخر.
شعرت للحظة أنها ترى وجهها الحقيقي للمرة الأولى:
امرأة تجرّبت، وخسرت، ونضجت،
ولم تعد تقبل أن تُكمِل نصف حياة مع شخصٍ لم يعد يستطيع أن يحبّها كاملة.
وقبل أن تنهض، قالت بوضوح
ما لم تستطع قوله طوال سنوات:
– بعض النهايات ليست قسوة…
بل نجاة.
وقف يودعها كما لو أنه يستيقظ من حلم طويل.
ولم يقل شيئًا،
لأنه أدرك أن الحكاية التي حاول أن يُنقذها
كانت قد كتبت نهايتها منذ زمن.
خرجت من الباب،
ولوهلةٍ شعرت بأنها أخفّ،
كأنها تركت جزءًا من ألمها على الطاولة،
وأخذت معها فقط الحقيقة.
وفي اللحظة التي أغلق فيها الباب خلفها،
أغلق الزمن الصفحة الأخيرة من تلك الحكاية…
بهدوء،
كما تفعل الأبواب التي تعرف أن لا أحد سيعود.

لمزيد من الاخبار هنا

شاهد أيضاً

خالد عبد المحسن يكتب .. يا بائع الكتب

يا بائع الكتبهل من كتاب يعيد العمروالذكريات الراحلةيابائع الكتبهل من كتاب يعيد الصباوالحب والأحلاميعيدني إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *