كان “العم أمين” يتجول بخطوات ثقيلة وموزونة، يجر خلفه عربته الخشبية ذات العجلتين الكبيرتين . لم تكن صريراً عادياً ذلك الذي تصدره أخشاب العربة ، بل كان أشبه بنغمة رتيبة تدعو أهل الحي للتأمل . لم يكن العم أمين بائعاً عادياً يستبدل الخردة بالنقود ، كان لمن يعرفه عن قرب ، حارس الذكريات المهجورة ، وجامع أرواح الأشياء التي أهملها أصحابها أو أجبرتهم الأيام على التخلي عنها .
على عتبة دكان قديم أغلقت أبوابه منذ سنوات ، جلس “يونس”. شاب في أواخر الثلاثينات ، ارتدى معطفاً داكناً يلتف حول جسده المنهك ، وكانت عيناه الغائرتان تسرحان في الفراغ . جلب يونس معه من المدينة الحديثة ثقلاً لا يُرى ، صدمات خفية من أصدقاء تحولوا إلى غرباء ، وعلاقات قامت على المصالح ، ووعود تتبخر بمجرد قضاء الحاجة . كانت روحه تشبه بيتاً خاوياً هجرته القلوب الرحيمة ، وتركته فى مهب الرياح .
توقفت العربة أمامه تماماً . ألقى العم أمين نظرة دافئة على الشاب ، ثم جلس على حافة العربة إلى جواره ، وسحب نفساً عميقاً ثم أخرجه بتنهيدة أعمق .
نظر يونس إلى الأشياء المكدسة على العربة ، راديو قديم مغطى بقطعة قماش ، وساعة بندولية متوقفة عقاربها ، ومصباح نحاسي أكل الزمان بعض أطرافه ، وعود خالى من الأوتار أصاب جسده الشروخ ، وكتاب تجليده يدوي انفرطت بعض صفحاته .
قال يونس وهو يقلب بعينين ذابيلتين تلك المقتنيات ، “يا عم أمين… الدنيا برة بقت غريبة أوي . الناس بقت تبيع بعضها بأرخص أثمان ، وكل واحد شايل وش غير وشه ، وضحكاتهم بقت مصبوغة بالألوان الزائفة . أحياناً بحس إن الكراكيب اللي على عربيتك دي فيها روح وصدق أكتر من نص البني أدمين اللي بنقابلهم كل يوم”.
ابتسم العم أمين ابتسامة هادئة ، وامتدت يده الخشنة ليمسك بالراديو القديم المصنوع من الخشب البني الداكن . مسح عنه الغبار بأطراف أصابعه وقال ، “كل حتة هنا يا يونس ليها قصة.. ومش أي قصة ، دي أسرار قلوب أصحابها . الناس مبتستغناش عن حاجتها القديمة بسهولة ، في ناس بتبيع عشان لقمة العيش ، وناس بتبيع عشان تهرب من وجع الذكرى”.
رفع العم أمين الراديو الصغير وضعه بين يديه كما يحمل طفلاً وليداً ، وقال ، “شايف الراديو ده؟ ده كان بتاع عمك ‘عبد القادر’ الخياط . راجل عاش عمره كله يشبك القماش ببعضه ويرقع ثوب غيره . الراديو ده ما كانش بيسكت في دكانه ، كان دايماً شغال على إذاعة القرآن الكريم الصبح ، وقبل المغرب يظبطه على صوت أم كلثوم أو صوت الشيخ رفعت . لما ماتت مراته من سنتين ، فضل يفتح الراديو كل يوم في نفس الميعاد ، عشان كان بيقولي ، ‘الراديو ده يا أمين هو الوحيد اللي فاضل لي من ريحتها ، كان بينطق بالدفء لما كانت تقعد جنبي تسقيني الشاي’. بس الشهر اللي فات ، ابنه الصغير تعب ، والأدوية بقت غالية فوق طاقته . جالي عم عبد القادر ، ودمعته على خده ، وحط الراديو في إيدي وقال لي ، ‘خد ده يا أمين… الموت مش بياخد الذكريات ، بس أنا مجبر أبيع حتة من روحي عشان أشتري دوا للي فاضل لي من ريحتها”.
انقبض قلب يونس وهو يستمع لكلمات العجوز . خيل إليه أنه يرى الخياط العجوز وهو يودع رفيقه الخشبي . قال يونس بنبرة انكسار ،
“عم عبد القادر باع الراديو عشان يرحم ابنه… باع أغلى ما عنده بدافع الحب والرحمة . بس تعرف يا عم أمين؟ أنا في حياتي شفت ناس بتبيع أقرب الناس ليها مش عشان دوا ولا عشان لقمة عيش ، بيبيعوهم مجاناً… عشان مصلحة صغيرة ، أو عشان لقوا ناس تانية ألمع في الشكل. عبد القادر قلبه رحيم وسليم حتى وهو بيستغنى ، لكن الناس الجديدة بتبدلك وتنساك في لحظة من غير ما ترمش ليها عين . ياه قد إيه الناس القديمة كانت رحيمة حتى في أوجاعها!”.
تأمل العم أمين كلام الشاب ، ثم أومأ برأسه مشيراً إلى قطعة أخرى .
أمسك العم أمين بساعة حائط بندولية ، خشبها منحوت بدقة ، لكن عقاربها توقفت عند السادسة والربع وقال “الساعة دي كانت متعلقة في الصالة الكبيرة لبيت الحجة ‘سعاد’. الحجة سعاد كانت ست كريمة ، بيتها مفتوح للغريب قبل القريب . الساعة دي كانت بترن كل ساعة ، وتفكر أهل البيت بمواعيد الأكل واللمة وصلاة الفجر . الحجة سعاد فضلت شايلاها ومحافظة عليها زي عينيها . بس لما كبرت في السن ، ولادها اتفرقوا، كل واحد خدته الدنيا ونسوا البيت الكبير . وبقت هي تقعد بالساعات تبص للبندول وهو بيروح ويجي ، وكأنها بتترجى الزمن يرجع لورا عشان تسمع ضحكة من ضحكاتهم . لما اشتد عليها المرض ، دخلت عليها بنتها وقالت لها إن البيت لازم يتباع عشان يوزعوا الفلوس ، وإن الكركبة دي ملهاش مكان في شققهم الجديدة العصرية. البنت هي اللي جابت لي الساعة دي بنفسها يا يونس… وقالت لي ، ‘خذها مش عاوزين حاجة تقلب علينا المواجع وتفكرنا بالقديم’. الحجة سعاد ما باعتش الساعة… ولادها هم اللي باعوا زمن أمهم عشان يخلصوا من ذكريات بتمثل لضميرهم عبء!”.
اضطرب يونس ، واهتزت نبرات صوته بالمرارة ،
“أشخاص بيبيعوا تاريخ أهاليهم عشان يخلصوا من الشعور بالذنب ، ياه يا عم أمين… ده اللي بيحصل معايا بالظبط . أنا أعرف ناس كنت بفتكرهم سند ، لمجرد إني فكرتهم بموقف جدعنة أو بعهد قديم بينا ، حسوا إنه عبء عليهم . انفضوا من حولي عشان يتخلصوا من التزامات الصداقة . القلوب بقت أضيق من إنها تشيل الذكرى الحلوة ، وبقت النذالة هي أسهل طريق للهروب . الساعة دي واقفة عند السادسة والربع… وكأنها رفضت تمشي في زمن القلوب فيه بقت قاسية بالشكل ده”.
ثم أخرج العم أمين مصباحاً نحاسياً صغيراً ، كان في أصله يُستخدم بالجاز ، لكنه خالي الآن من أي فتيل .
قال العم أمين وهو يحرك المصباح تحت ضوء شمعة الحارة ، “المصباح ده كان بتاع الأستاذ ‘مصطفى’ المعلم المتقاعد . الراجل ده عاش طول عمره ينور عقول العيال في المدرسة . المصباح ده كان صاحبه وهو بيصحح كراسات الولاد في الليالي اللي النور كان ببيقطع فيها . كان مصطفى يقولي ، ‘يا أمين ، المصباح ده شهد على نجاح مئات الولاد اللي خرجتهم من تحت إيدي’. بس مصطفى جاله وقت اتعمى فيه ، وما بقاش يشوف الضوء . جابلي المصباح وهو بيتحسس أطرافه ، وقال لي ، ‘أنا خلاص دخلت في الضلمة يا أمين… والمصباح ده ملوش لازمة معايا . خده يمكن يقع في إيد حد محتاج ينور بيه طريقه’. مصطفى ما باعوش عشان فلوس ولا عشان يهرب ، باعوا عشان كان حاسس إن نوره لازم يستمر مع حد تاني”.
مسح يونس وجهه بكفيه وقال بصوت خافت ،
“مصطفى كان شمعة بتتحرق عشان تنور للغير… وما زال قلبه بيفكر في نور الناس وهو في قمة ظلامه . لكن شوف الناس اللي بنعيش وسطهم النهاردة يا عم أمين… بياخدوا منك كل نورك ، يمتصوا طاقتك وضحكتك وأملك ، ولما تنطفي ويحل عليك الظلام ، يرموك ويفتشوا عن شمعة جديدة يستهلكوها . عايشين في عتمة حقيقية ، حتى لو كانوا في أنوار المدينة الكبيرة . يا بخت مصطفى بنوره الداخلي اللي ما انطفاش رغم عمى عينيه .
تناول العم أمين مرآة بيضاوية ذات إطار فضي قديم ، بها بريق خافت رغم كلحة السنين .
قال العم أمين وهو ينظر إلى انعكاس وجهه فيها،
“المرآة دي كانت للست ‘سهام’. كانت امرأة جميلة جداً في شبابها ، وكانت المرآة دي أغلى حاجة عندها ، كانت بتشوف فيها حُسنها ورقتها كل يوم . مرت السنين وجعدت الأيام وجهها ، وأصيبت بمرض غير ملامحها . كانت كل ما تبص في المراية ، تشوف حسرتها على الشباب اللي راح والأصدقاء اللي اتخلوا عنها لما ملامحها اتغيرت . جتلي بنفسها وهي لافة المرآة في قماش أسود ، وقالت لي بصوت مكسور ، ‘خد دي يا أمين… خبيها عني . أنا مش قادرة أبص لملامحي وأفتكر الناس اللي كانوا بيحبوني عشان شكلي وبس… المرآة دي بتتعبني عشان بتفكرني بأن الوجوه بتتغير والقلوب بتتغير معاها”.
تنهد يونس بأسى وقال ، “عاشوا يحبوها عشان القناع الخارجي ، ولما الزمن غير الملامح ، سابوها لوحدها ، ده بالظبط اللي تعبني من الناس الجديدة يا عم أمين… ناس بيمثلوا إنهم بيحبوك ، وهم في الحقيقة بيحبوا الصورة اللي رسموها لك في دماغهم ، أو الفائدة اللي بياخدوها منك . عايشين بألف وش ، كل يوم قناع جديد حسب الموقف ، ما فيش حد بيبص لروحك ، ما فيش حد بيحبك لنفسك وبس . الست سهام باعت المراية عشان تهرب من زيف الوجوه ، وأنا نفسي أهرب من كل المرايات اللي بتفكرني بإني انخدعت في أقنعة الناس”.
سحب العم أمين صندوقاً خشبياً صغيراً ، كان ممتلئاً بأوراق مطوية بعناية .
قال العم أمين وهو يلمس الصندوق برفق ، “الصندوق ده جابهولي شاب في سنك كده ، كان هيموت من الحزن وهو بيحطه في إيدي . الصندوق ده فيه رسائل خطية كتبها لحبيبته على مدار خمس سنين . كان كاتب فيها كل مشاعره ، وأحلامه ، والوعود اللي وعدها لها . بس أهلها رفضوه عشان ظروفه المادية كانت على قده ، وجوزوها لراجل تاني مقتدر . الشاب جالي بعد فرحها بيوم واحد ، وقال لي ، “خد الصندوق ده يا عم أمين… أنا مش قادر أحتفظ بالرسائل دي . كل كلمة فيها بقت بتطعن قلبي زي السكين . أفكارنا وأحلامنا المكتوبة هنا بقت ملك الماضي ، وأنا محتاج أعيش ، محتاج أفرغ قلبي عشان أقدر أتنفس”.
تأمل يونس الصندوق وبعض الرسائل لفترة طويلة ، وكأن كل ورقة فيه تروي جزءاً من خيباته الخاصة . قال يونس ، “الشاب باع الرسائل دي عشان يداوي جرحه ، باعها وهو ينزف عشقاً ووفاءً . التخلي هنا كان وسيلة للبقاء على قيد الحياة . بس الفرق يا عم أمين ، إن الشاب أوفى في مشاعره ورسائله كانت صادقة.. إنما النهاردة ، الناس بتوعدك بالبقاء ، وتكتب لك رسائل الحب والوفاء ، وتاني يوم يرموك في سلة المهملات من غير حتى ما يرف لهم جفن . الحنين اللي في رسائل الشاب بيبكي الحجر ، إنما الجفاء اللي بنشوفه من الناس الجديدة بيجمد الدم في العروق”.
أخيراً أخرج العم أمين عوداً موسيقياً قديماً ، أوتاره مقطعة ، وفي جسده الخشبي شروخ واضحة .
قال العم أمين وهو يهز العود برفق ، “ده كان بتاع ‘عم إبراهيم’ العواد . كان لما يمسك العود ده في سهرات الحارة القديمة ، يخلي الحارة كلها فى حالة من الطرب والسعادة ، والناس تتجمع حوله عشان تسمع عزفه . كان عزفه بيصحي الحنين في النفوس ، ويفرح القلب الحزين . لما مات ابنه الوحيد في حادثة ، عم إبراهيم ما لمسش العود ده تاني . فضل حاطه في ركن الأوضة ، لحد ما في يوم الشروخ دخلت في الخشب زي ما دخلت في قلبه . جابهولي وقال لي ، ‘العود ده كان بيطلع ضحكة من القلب يا أمين… لما صاحب الضحكة راح ، النغم فيه مات. خده يمكن يجي حد يقدر يصلح أوتاره ويعزف بيه نغمة أمل جديدة”.
امتدت يد يونس لتلمس خشب العود المكسور ، وشعر برعشة تسري في أطرافه . قال يونس بصوت مليء بالرجاء والدموع ، “عم إبراهيم فقد ضحكته مع فقدان ابنه… حزنه كان شريف وصادق . لكن إحنا يا عم أمين ، بنفقد ضحكتنا كل يوم وسط ناس عايشة وبتاكل وتشرب معانا، بنفقد الضحكة الصافية اللي طالعة من القلب ، لأن كل ضحكة بنشوفها حوالينا بقت ضحكة صفراء ، مجاملة زنيخة ، أو شتيمة مستترة . أنا محتاج ضحكة زي اللي كان العود ده بيطلعها زمان… ضحكة حلوة تصحي في النفس الحنين ، وتداوي القلب اللي أرهقته الخدع والأقنعة”.
ساد الصمت بين الاثنين لدقائق . كانت الحارة قد خلت تماماً من المارة ، ولم يعد يُسمع إلا صوت أنفاسهما .
نظر يونس إلى العربة برمتها ، وإلى العم أمين الذي كان يجلس بثبات كأنه جبل من الحكمة ، وقال بصوت يختنق بالدموع ، “شفنا الأسباب يا عم أمين… اللي باع عشان يطعم ابنه ويداويه ، واللي باع عشان ولاده رموه ، واللي باع عشان يهرب من وجع الفقد ، واللي باع عشان يفيد غيره… كل قطعة هنا شايلة جزء من القلوب الرحيمة القديمة . عشان كده أرجوك… قولي ، ينفع تاخد الناس الجديدة دي كلها ؟ ناس المصلحة والوشوش المزيفة والقلوب القاسية… وترجع لنا الناس القديمة ؟ الناس اللي كان عندهم رحمة ، وصدق ، وقلوب سليمة؟”.
وضع العم أمين يديه على ركبتي يونس ، ونظر في عينيه بتركيز شديد وعطف أبوي بالغ ،
”يا بني… أنت فاكر إن الناس القديمة دي كانت من كوكب تاني؟ الناس القديمة كانت بني أدمين زينا بالظبط ، كان عندهم أخطاء وعيوب ومشاكل . بس الفرق الوحيد إنهم كانوا بيمسكوا في ‘الأصل’. كانوا عارفين إن الكلمة أمانة ، وإن القلب الرحيم مش ضعف ، وإن الجدعنة مش بضاعة نبيعها لما السعر يعلى”.
ثم أشار العم أمين إلى كل قطعة على عربته واحدة تلو الأخرى وقال ، “عم عبد القادر ما باعش الراديو إلا وهو شايل الحب في قلبه… والحجة سعاد ماتت وقلبها أبيض رغم قسوة ولادها… ومصطفى المعلم طفى مصباحه بس ساب نوره في قلوب تلامذته… وطارق طوى رسائله بس ما خانش عهده… وعم إبراهيم كسر عوده بس ما زيفش نغمته . الناس دي ما انقرضتش يا يونس… الناس دي أثرها فاضل لأنهم اختاروا يكونوا حقيقيين”.
سكت العم أمين قليلاً ، ثم قال بنبرة عميقة تشبه الحلم ، “أنت عاوز ترجع الناس القديمة؟ الحقيقة إنك مش محتاج تفتش عنهم في الشوارع ، ولا تنادي عليهم في الروبابكيا . الناس القديمة عايشة جواك أنت… لما ترفض تخون عشان المصلحة ، لما تبتسم في وش حد حزين من غير ما تستنى مقابل ، لما تخلي قلبك رحيم وسليم وسط قسوة الحياة ، لما تكون شمعة في الضلمة بدل ما تلعن الظلام… ساعتها أنت بتبقى واحد من الناس القديمة”.
ثم سحب العم أمين المصباح النحاسي العتيق ، ووضع فيه فتيلة صغيرة كان يحتفظ بها في جيبه ، وقام بإشعالها بعود ثقاب . انساب ضوء دافئ وصغير من المصباح ، ليضيء المساحة الصغيرة بينهما وسط ظلام الحارة .
أعطى العم أمين المصباح المشتعل ليونس وقال له ، “الناس الجديدة مش كلها شر يا بني ، بس أغلبهم خايفين… خايفين ينخدعوا فبيلبسوا الأقنعة ، خايفين يتوجعوا فتقسي قلوبهم .
لما تظهر أنت بقلبك السليم ونورك الصادق ، هتخليهم يفتكروا أصلهم الطيب . خذ المصباح ده معاك… كمل بيه طريقك ، وكون أنت الضوء اللي بيدور عليه غيرك”.
تأمل يونس ضوء المصباح الدافئ بين يديه . شعر وكأن الأغلال التي كانت تطوق صدره بدأت تتفكك شيئاً فشيئاً . لم تعد الحكايات مجرد ذكريات لأشخاص رحلوا ، بل أصبحت دروساً حية تنبض بالمعنى ، أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تسقط بتغير الزمن ، وأن الرحمة والنقاء هما الاختيار المستمر الذي يحمي الروح من الفناء .
وقف يونس من على العتبة الخشبية ، ونظر إلى العم أمين بابتسامة صافية لم تقتصر على شفتيه بل أضاءت عينيه أيضاً . هز رأسه شاكراً ، ودعاه بالخير ، ثم سار في الشارع المظلم حاملاً المصباح الصغير .
انطلق العم أمين بعربته مجدداً ، تدور عجلاتها الخشبية على أصوات الحصى ، وصوته يتردد بين جدران الحارة العتيقة ، “روبابيكيا… حاجات قديمة للبيع”، لكن صوته هذه المرة لم يكن يحمل حزناً ، بل كان يتردد كأنشودة أمل تعلن أن المعاني الجميلة لا تموت أبداً ، طالما أن هناك قلوباً ما زالت تتذكر قيمتها .
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
