السبت , 3 أكتوبر 2026

د. عامر عيد يكتب.. العقيدة الصينية الأمنية الجديدة وتحول صناعتها الدفاعية (2-2)

ربما يكمن الجانب الأكثر لفتاً للانتباه في هذا التحول الذي شهدته عام 2026 في مجالي الروبوتات والذكاء الاصطناعي؛ فبالإضافة إلى أسراب الطائرات المسيرة، بدأ الجيش الصيني يضع الروبوتات رباعية الأرجل والروبوتات الشبيهة بالبشر (الروبوتات البشرية) في الحسبان كعناصر محتملة في ساحة المعركة المستقبلية؛ وقد وصفت منشورات صادرة عن وزارة الدفاع الوطني الصينية أسراب الطائرات المسيرة المستقلة والمعززة بالذكاء الاصطناعي بأنها “وجه جديد للحرب”، مع التأكيد في الوقت ذاته على الميزة القتالية غير المتكافئة التي يمكن تحقيقها بفضل التفوق العددي للطائرات المسيرة الصغيرة.

الأنظمة غير المأهولة والحرب الروبوتية

وثمة تطور آخر أكثر إثارة للاهتمام يتعلق بالروبوتات الشبيهة بالبشر؛ إذ تشير وثائق المشتريات العسكرية والأبحاث التي ظهرت في سبتمبر 2026 إلى أن جيش التحرير الشعبي قد بدأ في اختبار روبوتات شبيهة بالبشر لمهام تشمل الاستطلاع، وواجبات الحراسة، والخدمات اللوجستية، وحرب المدن؛ يُعد الروبوت الشبيه بالبشر “فوكسي” (Fuxi)، الذي طورته شركة “نورينكو” (Norinco)، إحدى كبرى شركات الدفاع الصينية، وما ينطوي عليه من إمكانات للاستخدام في مهام الاستطلاع وغيرها من المهام الخطرة، دليلاً على انتقال هذا التوجه إلى قطاع الصناعات الدفاعية؛ وتوفر القاعدة الصناعية المدنية في الصين ميزة جوهرية في هذا الصدد؛ إذ استحوذت الشركات الصينية على ما يقرب من 95% من شحنات الروبوتات الشبيهة بالبشر على مستوى العالم في عام 2025.

وبناءً على ذلك، توفر وفورات الحجم المتحققة في مجال الروبوتات التجارية قاعدة تكنولوجية وصناعية يمكن نقلها، نظرياً، إلى قطاع الدفاع؛ وهنا تبرز بوضوح إحدى أهم سمات النموذج الصيني؛ إذ يوفر مبدأ “الاندماج المدني – العسكري” الإطار الأوضح لفهم كيف أصبحت الحدود الفاصلة بين صناعة الدفاع الصينية وقطاعات التكنولوجيا المتقدمة المدنية أكثر تداخلاً وسيولة؛ وبالمثل، تهدف التشريعات الدفاعية الوطنية في الصين إلى تطوير منظومة العلوم والتكنولوجيا الدفاعية من خلال التكامل المدني – العسكري، والتكامل بين حالتي السلم والحرب، والابتكار، والاعتماد على تقنيات تتسم بكونها “مستقلة وقابلة للتحكم”.

تايوان وبحر الصين الجنوبي، النطاق العملياتي

يمكن رصد أبرز المظاهر العملية الملموسة لهذا التحول التكنولوجي في محيط تايوان ومنطقة بحر الصين الجنوبي؛ فبالنسبة للصين، تمثل تايوان السيناريو المحوري الذي يمكن من خلاله معاينة المنطق العملياتي لقدراتها العسكرية الناشئة؛ ركزت التدريبات الأخيرة بشكل ملحوظ على عمليات “الحصار والسيطرة المشتركة” بدلاً من مجرد التدرب على غزو برمائي واسع النطاق؛ وتستخدم الصين قواتها الجوية والبحرية، إلى جانب خفر السواحل، للتدرب على سيناريوهات تهدف إلى قطع روابط تايوان الخارجية، والسيطرة على المجالين الجوي والبحري المحيطين بها، وتحييد قدرات القيادة والسيطرة والدفاع الجوي خلال المراحل الأولى من أي صراع محتمل؛

ويمكن ملاحظة استراتيجية مماثلة في بحر الصين الجنوبي، وإن كانت تُنفذ هناك في بيئة بحرية أكثر بعداً وعبر هيكل قيادة وسيطرة أكثر تطوراً؛ إذ توفر الجزر الاصطناعية بنية تحتية مادية تتيح للصين تحويل مطالباتها القانونية المتنازع عليها إلى مزايا عسكرية وعملياتية؛

وفي منطقة لا تزال السيادة عليها محل نزاع، تسعى بكين لفرض تفوق عسكري بحكم الأمر الواقع؛ وهي في سبيل ذلك، تجمع بين منطق “الدفاع النشط” والتحول التكنولوجي الذي يربط بين المجال المعلوماتي المتنامي والمجال العملياتي المادي؛ يكشف هذا عن سمة مهمة في العقيدة الأمنية الصينية المتطورة؛ فالهدف ليس بالضرورة التدمير المادي للخصم، بل تعطيل فاعلية النظام الذي يُمكّن الخصم من القتال، سواء من الناحية الفنية أو القانونية أو المعيارية؛ وبالتالي، يمكن فهم الصواريخ، والعمليات السيبرانية، والحرب الإلكترونية، وأنظمة الفضاء، والمنصات غير المأهولة، والقدرات البحرية والجوية المتكاملة، باعتبارها مكونات مختلفة للمنطق العملياتي ذاته.

من الصناعة الدفاعية إلى الهيكل الأمني

ينبغي أيضاً ربط التحول في الصناعة الدفاعية الصينية بالخطاب الأمني الجديد الذي يبرز في سياستها الخارجية؛ وقد كانت زيارة شي جين بينغ إلى مصر في سبتمبر 2026 ذات دلالة هامة في هذا الصدد، لا سيما دعوته دول الشرق الأوسط إلى معارضة التدخلات الخارجية والنظر في “هيكل أمني” إقليمي جديد؛ وتشير التدريبات العسكرية المشتركة بين الصين ومصر التي سبقت الزيارة، إلى جانب الاهتمام الإقليمي المتزايد بالطائرات الصينية المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي وتقنيات عسكرية أخرى، إلى أن “مبادرة الأمن العالمي” تكتسب تدريجياً أساساً مادياً ملموساً؛ ومع ذلك، لا تزال الصين لا تحاول محاكاة النموذج الأمريكي القائم على القواعد العسكرية العالمية والتحالفات الرسمية؛ إذ تواصل سياستها الدفاعية الرسمية التأكيد على مبدأ الشراكات بدلاً من التحالفات؛ ومع ذلك، بات من الصعب بشكل متزايد تفسير هذا الأمر على أنه يعني أن الصين لا تتحول إلى فاعل عسكري بارز.

إن نموذج بكين مختلف؛ إذ أصبحت العلاقات الاقتصادية، والاستثمار في البنية التحتية، ونقل التكنولوجيا، وصادرات الدفاع، والمناورات العسكرية المشتركة، والدبلوماسية الأمنية، أدواتٍ متكاملةً بشكل متزايد في السياسة الخارجية الصينية؛ ونخلص أن القوة الصناعية في صلب العقيدة الأمنية الصينية الجديدة؛ وتشير التطورات الأخيرة في قطاع الصناعات الدفاعية الصيني إلى تحول أوسع نطاقاً بكثير؛ فبالنسبة لبكين، لا يمكن قياس القوة العسكرية في ظل التنافس المستقبلي بين القوى العظمى بمجرد النظر إلى حجم الترسانة التي تمتلكها القوات المسلحة؛

لقد أصبحت الابتكارات التكنولوجية، وحجم الإنتاج، وسلاسل التوريد، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والقدرات الفضائية والسيبرانية، والقدرة على حشد الصناعة المدنية في ظروف الحرب، جزءاً لا يتجزأ من المعادلة الأمنية ذاتها؛ ولهذا السبب، ربما لا يكمن المفهوم الجوهري في العقيدة الأمنية الصينية الجديدة في التسلح فحسب، بل في “التكامل”؛ ويشمل ذلك التكامل بين القطاعين المدني والعسكري، وبين الحيز المادي والمجالين السيبراني والفضائي، وبين المنصات المأهولة وغير المأهولة، وكذلك الربط بين القدرة الاقتصادية والردع العسكري؛ وعليه، فإن السؤال الجوهري بشأن مستقبل المنافسة بين الولايات المتحدة والصين يتجاوز مجرد مسألة عدد حاملات الطائرات أو المقاتلات التي تمتلكها الصين؛ إذ تكمن الأهمية الكبرى في مدى قدرة الصين على تحويل واحدة من أكبر المنظومات الصناعية في العالم إلى قوة عسكرية مستدامة.

وتشير كافة المؤشرات، بدءاً من الدروس المستفادة من الحروب في أوكرانيا وإيران، والمناورات العسكرية حول تايوان، والاستثمارات التكنولوجية التي تتراوح بين أسراب الطائرات المسيرة والروبوتات الشبيهة بالبشر، ووصولاً إلى الزيادة المطردة في الإنفاق الدفاعي، إلى اتجاه واحد؛ فالصين لا تستعد لمستقبل الحروب بمجرد تطوير أسلحة جديدة، بل من خلال إعادة صياغة البنية التحتية الصناعية والتكنولوجية للحرب ذاتها؛ وفي حال نجاح هذا التحول، قد تصبح الصناعة الدفاعية الصينية ركيزة مادية هامة للنظام الأمني البديل الذي تطرحه بكين على العالم.

تمت،

الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية

شاهد أيضاً

د. عامر عيد يكتب.. وجوب الردع التركي على إسرائيل .. إيران تخطط لإخراج أمريكا من الشرق الأوسط والحرب تضع بن سلمان أمام مأزق وعزلة دولية (3-4)

نقلت السعودية، عبر سلطنة عُمان، مقترحاً جديداً إلى الحوثيين يتضمن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *