رحلة الرحم والرسالة، من العصر الذهبي إلى الخواء.
منذ فجر التاريخ، لم يكن المسرح مجرد جدران وأضواء، أو خشبة يُعتلى عليها لإلقاء خطب رنانة وتفريغ الشحنات الترفيهية، بل كان “أغورا” الأفكار، ومنبر العقل، والفرن الذي تُصهر فيه قضايا المجتمع وأسئلته الكبرى. غير أننا إذا تأملنا المشهد الثقافي اليوم، سنكتشف أننا أزحنا هذا الكيان عن عرشه الأصيل، ودفعنا به إلى هامش التسلية الاستهلاكية، ليصبح بحق “المسرح الذي تجاهلناه”.
لقد ولد المسرح في زمن الإغريق كطقس جاد ومقدس يستهدف ما أسماه أرسطو “التطهير”؛ أي مواجهة الخوف والضعف البشري ليتطهر الجمهور إنسانياً وفكرياً. ومع الانتقال إلى القرن السابع عشر والكلاسيكية الحديثة، أصبح المسرح محراباً لتهذيب الأخلاق ودعم قيم العقل، حتى أطل القرن التاسع عشر بظلاله، فتحولت الخشبة مع المدرسة الواقعية على أيدي راديكاليين كإبسن وتشيكوف إلى مجهر دقيق يسلط الضوء على الأمراض النفسية والاجتماعية للطبقات الوسطى والهشاشة الإنسانية.
ولم يقف المسرح عند حدود الحكايات التقليدية، بل شهد القرن العشرون ذروة صخبه وتنويره مع تحولات فكرية وسياسية عميقة، ففي الثلاثينيات والأربعينيات برز “المسرح الملحمي” مع برتولت بريخت عالمياً لتفكيك الأنظمة السياسية وحث عقل المتلقي، بينما شهدت مصر تأسيس “الفرقة القومية” وبداية المسرح الذهني الفلسفي مع توفيق الحكيم عبر أعمال خلدت اسم المسرح العربي مثل “أهل الكهف”، ليتحول الفن حينها من مجرد استعراض شعبي إلى أدب راقٍ يناقش الهوية والوجود. ثم جاءت الخمسينيات والستينيات لتعكس صدمة ما بعد الحرب العالمية عبر “مسرح العبث” لدى صامويل بيكيت وأوجين يونيسكو، وتزامن معها عصر التألق العربي الشامل، حيث تحول المسرح في مصر إلى منبر تشكيلي وثوري يناقش صراع الطبقات كما عند نعمان عاشور في “الناس اللي تحت”، والتأصيل للهوية والتراث في “الفرافير” ليوسف إدريس، والمسرح الشعري الفلسفي لدى صلاح عبد الصبور في “مأساة الحلاج”، في حين أطلق سعد الله ونوس في الشام “مسرح التسييس” لإيقاظ الجماهير، وكان المسرح وقتها يقود الشارع بأسره ويصنع الوعي القومي.
ولكن بالمقارنة مع هذا التاريخ العريض، نعيش اليوم في زمن أصبحت فيه خشبة المسرح تشبه إلى حد كبير شاشات الهواتف الذكية: خفيفة، سريعة، ومفرغة من المعنى. لقد فقد المسرح الحالي ظله وغرق في اختلالات عميقة، حيث تم تسليخ الفن وسيطر “الإفيه” السطحي، وتحول النص المسرحي إلى مجرد تجمع لنكات عابرة لا تنتمي إلى حبكة درامية متماسكة أملًا في انتزاع ضحكة مجانية. كما هيمنت روح الاستهلاك التجاري وشباك التذاكر على قرارات المخرج والكاتب، فتراجعت القضايا الفكرية والإنسانية لصالح العروض البراقة التي تتغذى على الاستعراض البصري المفرط دون عمق درامي، مما أدى إلى تخريب الذائقة وفصل المسرح عن هموم الشارع والأزمات الوجودية للإنسان المعاصر.
ولم تكن أزمة المسرح تكمن في تراجع النصوص داخل المباني المغلقة فحسب، بل في انسحابه من “الشارع” الذي كان دوماً مصدر نبضه الأصيل. لقد عرفت التجربة المسرحية طفرات ملهمة حين قررت الخروج من جدران القاعات الفارهة إلى الميادين، والحارات، والأسواق، ليصبح الفن معانقة مباشرة للحياة. وإن غياب “مسرح الشارع” والفضاءات المفتوحة اليوم أحدث جداراً عازلاً بين الفن والمجتمع، حيث تحول المسرح من ممارسة مجتمعية حية تشتبك مع اليومي إلى نشاط نخبوي أو ترفيهي معزول، وفقدنا بذلك تلك الشرارة الفورية والتفاعل الحي الذي كان يجعل من المارة صُناعاً للحدث.
ويزيد من ضراوة هذه الأزمة تقاطع الفن الحي مع عصر التكنولوجيا الطاغية والذكاء الاصطناعي، إذ أصبح المسرح في مواجهة غير متكافئة مع ثقافة الشاشات السريعة ومحتوى “السيناريوهات الخوارزمية” وسوشيال ميديا تفرض وجبات فكرية خفيفة في ثوانٍ معدودة، مما جعل المتلقي الحديث يزهد في المجهود الذهني المطلوب لمتابعة نص عميق. ومن جهة أخرى، سقطت العديد من العروض المعاصرة في فخ الاستعراض التقني المفرط، حيث أصبحت المؤثرات الضوئية، والسينوغرافيا الرقمية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي تُوظف للتغطية على شح المعنى وغياب النص المتماسك، بدلاً من أن تكون أدوات خادمة للرؤية الفلسفية، متناسين أن جوهر المسرح يكمن في ذلك الطقس الإنساني الحي والطاقة المتبادلة بين الممثل والمتلقي في اللحظة والمكان ذاتهما، وهو ما لا يمكن لأعتى الخوارزميات أن تستبدله.
إن استعادة الهيبة المفقودة للمسرح ليست مستحيلة، ولكنها تتطلب إرادة حقيقية ورؤية إصلاحية شاملة تبدأ بإعادة الاعتبار للنص المسرحي بالتركيز على الكلمة والعمق الفكري ودعم الكُتاب الجادين، والاستثمار في إعداد الممثل ليكون “مثقفاً فكرياً” يدرك حجم الرسالة فوق الخشبة وليس مجرد نجم ترفيهي. كما تقتضي الضرورة تحقيق التوازن الواعي بين الترفيه والتقنية، فالكوميديا والتكنولوجيا ليستا عيباً إلا إذا وُظفتا لتغييب العقل. ولا بد أيضاً من إحياء مسرح الشارع والخروج بالفن إلى الميادين والجامعات للالتحام المباشر بالجمهور، وتفعيل المسرح المدرسي والجامعي لبناء الذائقة لدى الأجيال الجديدة منذ الصغر، فضلاً عن تحرير المسرح المستقل من هيمنة الشباك التجاري ليتمكن من تقديم أعمال جادة تحترم عقل المتلقي دون الخضوع التام لمتطلبات السوق الاستهلاكي.
إن المسرح ليس مجرد وسيلة لقضاء الوقت، بل هو مرآة الأمة وشاهد على حضارتها. وإن استمرار تجاهلنا لجوهر هذا الفن العظيم لن يؤدي فقط إلى موت الخشبة، بل إلى موت الوعي النقدي في مجتمعاتنا. لقد حان الوقت لنرفع الستار من جديد… ولكن على الفكر والروح، لا على الخواء.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
