الأحد , 4 أكتوبر 2026

السفير عبدالرحيم شلبي يكتب .. القوى المتوسطة: الواقعية السياسية في عصر التفكك الدولي


عندما عاد مفهوم «القوى المتوسطة» إلى واجهة النقاش الدولى خلال الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة فى عام ٢٠٢٤، لم يكن ذلك مجرد دعوة مبدئية لاستعادة التوازن.
فقد برزت الفكرة فى مواقف قادة دول مثل الرئيس الفنلندى ألكسندر ستوب، ورئيس الوزراء الأسترالى أنتونى ألبانيزى، ورئيس الوزراء الكندى آنذاك جاستن ترودو، وإن اختلفت مقارباتهم. ففى أغسطس ٢٠٢٤، دعا ستوب إلى تعميق العلاقات مع القوى المتوسطة فى أفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط والخليج وآسيا الوسطى، بينما وصف ألبانيزى أستراليا بأنها «قوة متوسطة بناءة» ذات مصالح عالمية. ومع وصول الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة إلى ختام مناقشاتها العامة وأسبوع المستوى الرفيع هذا الشهر، أصبح هذا الطرح أكثر وضوحا باعتباره ممارسة استراتيجية متنامية، لا مجرد توصيف سياسى. وانضمت إليه أصوات من الجنوب العالمى، أبرزها إندونيسيا، التى تسعى فى عهد الرئيس برابوو سوبيانتو إلى توسيع هامش الحركة فى سياستها الخارجية انطلاقا من مبدأ «السياسة الحرة والنشطة».
ويتطابق هذا التحول الجيوسياسى بدرجة كبيرة مع رؤى تحليلية طرحها وزير الخارجية المصرى الأسبق السيد عمرو موسى. فموضوع النفوذ الذى تمتلكه الدول غير السوبر- قوة ليس جديدا على فكره الدبلوماسى؛ إذ تناول موسى إرهاصات هذا المفهوم فى عمله ضمن الفريق رفيع المستوى للأمم المتحدة المعنى بالتهديدات والتحديات والتغيير عام ٢٠٠٣، وعاد إلى التركيز عليه فى مداخلات إعلامية وفكرية سابقة. وفى كلمته الرئيسية أمام قمة «كرامة» فى مدينة فاس فى يونيو الماضى، كان موسى من بين المتحدثين الرئيسيين فى قمة تناولت الدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة للسلام ومنع الصراعات، إلى جانب البحث عن نموذج جديد للحوكمة. ومن هنا تكتسب رؤيته أهمية خاصة فى النقاش حول قدرة الدول المتوسطة على استخدام التنسيق الدبلوماسى والثقافى كأداة لاستعادة قدر من الاستقرار عندما تتعثر المؤسسات الدولية.
إن الهيكل التقليدى للأمن الجماعى، الذى بُنى على المعاهدات الشاملة وإجماع مجلس الأمن، يواجه اليوم حالة من الشلل الهيكلى الحاد. فالقوى العظمى تتعامل مع المحافل الدولية بصورة متزايدة باعتبارها ساحات للتنافس السياسى والاستراتيجى، مما يترك الدول متوسطة الحجم عرضة لديناميات الحروب بالوكالة، وصدمات سلاسل الإمداد، والأزمات الإقليمية الممتدة. وردًا على ذلك، فإن القوى المتوسطة لا تدرس التغيير فحسب، بل تتجه بصورة عملية إلى تخفيف اعتمادها على التكتلات والتخندقات الأحادية الصارمة، لصالح قدر أكبر من المرونة الاستراتيجية.
إن القوى المتوسطة الحديثة ترفض الخيارات الثنائية المفروضة. فلم يعد المنطق الصفرى لتحالفات الحرب الباردة يخدم بالضرورة الأمن القومى أو الاستقرار الاقتصادى. وفى حين تتحرك القوى المتوسطة الغربية مثل كندا وأستراليا فى مساحة دقيقة بين التزامات التحالف التقليدية والحاجة إلى دبلوماسية أكثر استقلالاً، تتجه قوى متوسطة فى الجنوب العالمى مثل إندونيسيا ومصر إلى بناء سياسات خارجية متعددة الاتجاهات تقوم على صون السيادة وتوسيع هامش الحركة. وعندما تفشل المؤسسات الشاملة فى ضمان الأمن البحرى أو سلامة الحدود أو استقرار التدفقات الاقتصادية، يصبح التعاون الإقليمى والمرن وسيلة لسد جانب من هذا الفراغ.

ويمثل هذا التطور انتقالًا من التعددية الواسعة إلى أشكال أكثر مرونة من التعاون متعدد الأطراف محدود الأهداف، وهى ترتيبات تُشكّل لمواجهة تهديدات أمنية أو اقتصادية أو لوجستية محددة. ونرى هذه الدينامية تعمل باستمرار فى منطقتنا؛ فعندما تتعثر القنوات الدولية التقليدية، يصبح التنسيق العملى بين الأطراف الإقليمية الفاعلة، مثل قنوات التواصل الدبلوماسى والأمنى التى تربط بين القاهرة والرياض وأنقرة، أحد خطوط الدفاع الأولى لمنع التصعيد الإقليمى. إن ممارسة دور القوة المتوسطة بنجاح تتطلب متطلبات استراتيجية محددة، فى مقدمتها تبنى موقف دبلوماسى يوازن بين المبادئ والواقعية الصلبة. ويجب على القوة المتوسطة الحفاظ على قنوات مفتوحة عبر الانقسامات الأيديولوجية، واستغلال موقعها الجغرافى والاستراتيجى دون أن تقع رهينة للحسابات الصفرية للقوى العظمى. فالمرونة الاستراتيجية ليست مجرد تحوط، بل هى عقيدة محسوبة لحماية سيادة الدولة وتوسيع خياراتها عندما تفقد القواعد الدولية قدرتها على التنفيذ.
إن الخلاصة الرئيسية التى يمكن استخلاصها من الأجندة الدبلوماسية لعام ٢٠٢٦ واضحة: التعددية الدولية لا تتلاشى، ولكنها تتجه نحو قدر أكبر من اللامركزية. فالنظام الدولى يعاد تشكيله اليوم ليس فقط فى القاعات الكبرى فى نيويورك، بل أيضاً عبر العواصم الإقليمية، من خلال التنسيق المباشر بين الدول. وما نشهده ليس نهاية التعددية، بل هو انتقال من تعددية تتركز فى المؤسسات الكبرى إلى تعددية أكثر مرونة تتوزع فيها القدرة على المبادرة بين مجموعات من الدول.
وبالنسبة للدبلوماسية المصرية والعربية المتجهة نحو عام 2027، فإن الهدف محدد: الملاحة بنجاح فى ظل التفكك العالمى الحالى تتطلب تعظيم النفوذ الذى نملكه كقوة متوسطة. ومن خلال تعميق التحالفات الإقليمية العملية، وتأمين الممرات التجارية الحيوية، والتمسك بصلابة مؤسسات الدولة، تمتلك القوى المتوسطة أدوات حقيقية لمنع الاحتكاكات المحلية من التحول إلى انهيار أوسع. وفى عصر الحوكمة الدولية المأزومة، لن يهبط الاستقرار من الأعلى؛ بل سيُبنى من الوسط.

مساعد وزير الخارجية الاسبق

شاهد أيضاً

مدير «الفاو» في اليوم العالمي للأغذية: الابتكار والاستثمار مفتاح تحقيق الأمن الغذائي للجميع

كتبت أمل محمد أمين أكد الدكتور شو دونيو، المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *