لم يعد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء الغربية، الصادر في 1 أكتوبر 2026 تحت الرمز S/2026/781، مجرد تقرير دوري عن وضع بعثة المينورسو. فالتقرير يأتي في لحظة مفصلية من مسار القضية، وقبل أيام من انتهاء ولاية البعثة في 31 أكتوبر، وبعد سنة شهدت تحولاً واضحاً في طبيعة العملية السياسية التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام، ستيفان ديميستورا.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل سيجدد مجلس الأمن ولاية المينورسو؟ فهذا هو الاحتمال الأقرب في ظل المعطيات الحالية. السؤال الأهم هو: بأي لغة سيجددها؟ وما الذي سيقوله القرار الجديد عن الحكم الذاتي، وتقرير المصير، والسيادة، ومستقبل العملية السياسية؟
فهنا تحديداً توجد المعركة السياسية والقانونية الحقيقية.
الحكم الذاتي لم يعد مجرد مقترح مغربي
أبرز تحول يستحق التوقف عنده هو أن مقترح الحكم الذاتي المغربي لم يعد يُطرح داخل مجلس الأمن باعتباره مجرد مبادرة أحادية قدمها المغرب سنة 2007.
بعد القرار 2797، أصبح أساساً للمفاوضات السياسية.
وهذا تطور له دلالته السياسية، لأن مجلس الأمن لا يتعامل مع مقترح الحكم الذاتي باعتباره وثيقة هامشية، بل وضعه في قلب العملية التي يفترض أن تقود إلى تسوية سياسية.
وتزداد أهمية ذلك عندما نقرأ تقرير غوتيريش في سياق المفاوضات التي جرت خلال سنة 2026، والتي شارك فيها المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا.
لقد انتقلت المفاوضات من العموميات إلى مناقشة تفاصيل ترتبط بشكل الحكم، والمرحلة الانتقالية، والضمانات، والترتيبات الأمنية، وتقاسم الموارد، والمصالحة وغيرها.
بمعنى آخر، لم يعد النقاش يدور فقط حول هل توجد إمكانية للحل؟ وإنما بدأ يقترب من السؤال الأكثر صعوبة:
ما شكل هذا الحل وكيف يمكن تنفيذه؟
لكن تقرير غوتيريش لا يمنح أحداً شيكاً على بياض
من الخطأ، في المقابل، أن نقرأ التقرير وكأنه إعلان أممي عن حسم السيادة أو إعلان نهائي عن اعتماد الحكم الذاتي.
هذا غير موجود في الوثيقة.
فتقرير الأمين العام يبقي على لغة تقرير المصير، ويربط أي تسوية بعملية سياسية وبمفاوضات وبـ«تشاور هادف» مع شعب الصحراء الغربية.
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي التوقف عندها:
الحكم الذاتي أصبح أساساً للمفاوضات، لكن النتيجة النهائية لم تُحسم بعد.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة لن تكون معركة حول إدراج الحكم الذاتي في المسار السياسي فقط؛ فقد تحقق هذا التحول بالفعل، وإنما ستكون معركة حول كيفية تعريف هذا الحكم الذاتي، وضماناته، وآليات تنفيذه، والجهة التي ستشارك في بلورة تفاصيله، وكيف ستتم معالجة مفهوم تقرير المصير داخل التسوية النهائية.
السؤال المغربي المشروع: هل أصبح المطلوب الآن تفاوضاً حول التفاصيل؟
من زاوية مغربية، يمكن قراءة التطورات الأخيرة باعتبارها انتقالاً مهماً من مرحلة كان فيها النقاش الدولي يدور حول صيغ متعددة للحل، إلى مرحلة أصبح فيها مقترح الحكم الذاتي هو المرجعية الأساسية للتفاوض.
وهذا لا يعني أن المغرب حصل على كل ما يريد، لكنه يعني أن طبيعة النقاش تغيرت.
فبدلاً من العودة في كل مرة إلى نقطة الصفر، أصبحت المفاوضات تنطلق من مقترح محدد قدمه المغرب، وهو مقترح يقول المغرب إنه يوفر لسكان الصحراء الغربية تدبير شؤونهم الذاتية ضمن السيادة المغربية.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه داخل النقاش الحقوقي المغربي ليس فقط:
هل قبلت الأمم المتحدة بالحكم الذاتي؟
بل أيضاً:
ما الضمانات السياسية والقانونية التي يمكن أن تجعل الحكم الذاتي حلاً فعلياً يضمن للسكان إدارة شؤونهم وحماية حقوقهم وحرياتهم ومشاركتهم السياسية والاقتصادية؟
فالحقوق لا تُختزل في الشعارات السيادية، كما أن السيادة لا ينبغي أن تكون ذريعة لإهمال الحقوق والحريات.
وتقرير المصير؟ لا ينبغي تجاهله
من الخطأ أيضاً، من زاوية حقوقية، التعامل مع مفهوم تقرير المصير وكأنه اختفى من أدبيات الأمم المتحدة.
لم يختفِ.
بل إن التقرير يؤكد استمراره ضمن العملية السياسية.
لكن السؤال القانوني والسياسي الحقيقي هو:
هل يجب اختزال تقرير المصير حصراً في خيار الاستقلال؟
هنا تبرز أهمية التمييز بين مبدأ تقرير المصير وبين شكل ممارسة هذا الحق.
فالقانون الدولي لا يجعل كل عملية تقرير مصير نسخة واحدة متطابقة، والتسويات السياسية يمكن أن تتخذ أشكالاً مختلفة، شرط أن تكون قائمة على الإرادة الحرة والحقيقية للسكان المعنيين.
ومن هنا يمكن للحكم الذاتي أن يُناقش، من منظور حقوقي، ليس فقط باعتباره ترتيباً دستورياً، وإنما باعتباره إطاراً محتملاً لممارسة واسعة للحكم الذاتي والمشاركة السياسية والثقافية والاقتصادية، إذا توفرت له الضمانات الضرورية.
أين توجد العقدة إذن؟
العقدة الأساسية ليست فقط في صيغة الحكم الذاتي، وإنما في السيادة وتقرير المصير.
وهذا ما يؤكده تقرير غوتيريش نفسه عندما يسجل استمرار الخلاف بين الأطراف بشأن هاتين المسألتين.
ولهذا فإن قرار مجلس الأمن في نهاية أكتوبر سيكون مهماً جداً.
فإذا اكتفى المجلس بتكرار اللغة السابقة، سيكون ذلك مؤشراً على استمرار إدارة النزاع.
أما إذا عزز اللغة المتعلقة بالحكم الذاتي باعتباره أساساً للمفاوضات، فقد يعني ذلك انتقالاً إضافياً نحو جعل هذا المقترح محور التسوية.
أما إذا جمع بين الأمرين ــ الحكم الذاتي كأساس للتفاوض وتقرير المصير كهدف للتسوية ــ فسيكون أمامنا نموذج أكثر تعقيداً، لكنه ربما أكثر انسجاماً مع الصيغة التي يحاول غوتيريش ودي ميستورا تطويرها.
وماذا عن المينورسو؟
هنا أيضاً توجد مسألة تستحق النقاش.
المينورسو تأسست سنة 1991 في سياق مختلف تماماً، وكان اسمها نفسه مرتبطاً بـ«الاستفتاء».
لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، ومع استمرار النزاع وعدم إجراء الاستفتاء، ومع تغير طبيعة العملية السياسية، أصبح السؤال مشروعاً:
هل تستطيع المينورسو أن تستمر بالمهام نفسها إلى ما لا نهاية؟
أم أن المرحلة الجديدة تقتضي إعادة النظر في طبيعة مهمتها بما يتلاءم مع المسار السياسي الجديد؟
ولهذا فإن قرار أكتوبر قد يكون مهماً ليس فقط بسبب مدة التمديد، وإنما بسبب ما سيقوله عن مستقبل البعثة ووظيفتها في المرحلة المقبلة.
ثلاثة احتمالات أمام مجلس الأمن
يمكن، في ضوء التقرير والتطورات الحالية، تصور ثلاثة اتجاهات رئيسية:
الأول: تمديد تقليدي.
تجديد ولاية المينورسو لمدة سنة، مع دعم المفاوضات والاستمرار في لغة القرار السابق، مع بعض التعديلات المرتبطة بتطورات 2026.
الثاني: تمديد قصير.
تجديد لمدة ستة أشهر، بما يسمح للمجلس بالعودة إلى الملف في ربيع 2027 وتقييم نتائج المفاوضات والمراجعة الاستراتيجية لمهمة المينورسو.
الثالث: قرار سياسي أكثر وضوحاً.
تثبيت أقوى لمقترح الحكم الذاتي باعتباره أساساً للمفاوضات، مع الحفاظ على لغة تتعلق بتقرير المصير والحل السياسي المقبول من الطرفين.
وهذا الاحتمال الثالث سيكون الأكثر دلالة من الناحية السياسية، لأن المعركة لن تكون حول كلمة «تمديد» وإنما حول المفردات التي ستحدد الإطار السياسي للمرحلة المقبلة.
الاختبار الحقيقي للمغرب أيضاً
لكن، ومن زاوية مغربية حقوقية، لا ينبغي أن ننتظر من مجلس الأمن وحده الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بحقوق السكان.
إذا كان الحكم الذاتي يُقدم باعتباره مشروعاً للحل، فإن قوته لن تقاس فقط بموقعه في قرارات مجلس الأمن، وإنما أيضاً بمدى قدرته على تقديم نموذج حقيقي للحكم المحلي، والمشاركة السياسية، والتنمية، والحقوق والحريات، والمساءلة، والعدالة في توزيع الموارد.
وهنا تحديداً يمكن للمغرب أن يحول النقاش من مجرد معركة حول المواقف الدبلوماسية إلى نقاش حول جودة الحل نفسه.
فكلما كان نموذج الحكم الذاتي أكثر ديمقراطية وحقوقية ومشاركة، كان أكثر قدرة على تقديم نفسه باعتباره تسوية سياسية قابلة للحياة.
أما البوليساريو والجزائر…
فالتطور الجديد يضعهما أيضاً أمام سؤال سياسي واضح:
إذا أصبح الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، فهل ستظل العملية السياسية تدور حول رفض الفكرة من حيث المبدأ، أم ستنتقل إلى مناقشة مضمونها وضماناتها وآلياتها؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي للمفاوضات.
فالتفاوض لا يعني أن طرفاً يتخلى عن موقفه، وإنما يعني البحث عن مساحة مشتركة يمكن أن تنتج حلاً سياسياً.
وبالمقابل، فإن أي محاولة لفرض نتيجة نهائية من طرف واحد ستظل، وفق منطق الأمم المتحدة نفسه، متعارضة مع فكرة التسوية السياسية المتفاوض بشأنها.
أكتوبر 2026: قرار تمديد أم بداية مرحلة جديدة؟
لهذا، فإن قرار مجلس الأمن المنتظر في نهاية أكتوبر يستحق قراءة تتجاوز عدد أشهر التمديد.
فإذا جدد المجلس المينورسو سنة كاملة، فسيكون السؤال: ما هي مهمتها في المرحلة الجديدة؟
وإذا مددها ستة أشهر، فسيكون السؤال: هل يريد المجلس استخدام هذا التمديد كمهلة إضافية لتسريع المفاوضات؟
وإذا شدد على الحكم الذاتي، فسيكون السؤال: إلى أي حد سيعيد تعريفه باعتباره أساساً للحل؟
وإذا حافظ على لغة تقرير المصير، فسيكون السؤال: كيف سيتم التوفيق بين هذا المبدأ وبين الحكم الذاتي؟
وهنا نستنتج أن تقرير غوتيريش لا يقول إن النزاع انتهى.
لكنه يقول شيئاً أكثر أهمية بالنسبة إلى المرحلة المقبلة:
المسار السياسي تغير.
الحكم الذاتي أصبح أساساً للمفاوضات، والمفاوضات دخلت في تفاصيل لم تكن مطروحة بهذه الصورة من قبل، فيما بقيت قضايا السيادة وتقرير المصير والضمانات والقبول الشعبي في قلب الخلاف.
ولهذا فإن قرار مجلس الأمن في نهاية أكتوبر لن يكون مجرد قرار إداري لتمديد ولاية المينورسو.
إنه سيكون، بدرجة كبيرة، اختباراً لاتجاه القضية في المرحلة المقبلة.
هل سيواصل المجلس إدارة النزاع؟
أم سيدفع نحو تسوية سياسية أكثر تحديداً؟
وهل سيجعل الحكم الذاتي أكثر رسوخاً باعتباره أساساً للتفاوض؟
وهل يستطيع في الوقت نفسه الحفاظ على البعد الحقوقي لمفهوم تقرير المصير؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
أما بالنسبة للمغرب، فإن التحدي لا ينبغي أن يكون فقط كسب معركة الصياغة داخل مجلس الأمن، وإنما جعل أي حل سياسي مقترح قابلاً للدفاع عنه أيضاً من منظور حقوق الإنسان والديمقراطية والمشاركة الشعبية.
ففي نهاية المطاف، قوة أي تسوية لا تقاس فقط بما تقوله قرارات مجلس الأمن، وإنما أيضاً بقدرتها على ضمان الحقوق والكرامة والمشاركة الفعلية للسكان المعنيين.
وهنا تحديداً ستكون المرحلة المقبلة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
