الثلاثاء , 6 أكتوبر 2026

د.سامح صابر يكتب.. فارس فوق الرمال

​في أعقاب نكسة 1967، كانت صحراء سيناء تئن تحت وطأة الاحتلال، بينما كانت المخابرات العامة المصرية تسابق الزمن لجمع أي معلومة عن مواقع العدو وتحركاته عبر الأراضي المحتلة. في تلك الأيام العصيبة، يتسلل ضابط المخابرات الشاب “كيلاني” إلى عمق سيناء متخفياً في زي بدوي. وبعد مسيرة شاقة وسط القفار، وصل إلى بئر ماء لينفض عن كاهله غبار الطريق. وهناك، التقى بالشيخ “عطية”، أحد أعيان المنطقة. ادعى كيلاني أنه “تاجر ينتظر شحنة بضائع”، وبشهامة أهل سيناء المعروفة، أصر الشيخ عطية على استضافته في بيته لحين انتهاء مهمته. 
​أثناء إقامته، لاحظ كيلاني طفلاً صغيراً يدعى “فارس”، ابن الشيخ عطية، وهو يرعى الغنم ويهتم ببط وطيور المزرعة. لم يكن فارس طفلاً عاديًا؛ كان يتسم بدقة ملاحظة وذكاء وقاد وسرعة بديهة غير معتادة لمن في سنه. وفي لحظة إلهام خالفت كافة القواعد العسكرية والتقاليد الاستخباراتية المتوارثة، لمعت في ذهن كيلاني فكرة مجنونة، تجنيد هذا الطفل. 
​بدأ كيلاني يقضي أوقاتاً طويلة مع فارس، يختبر قدرته على الاستيعاب والتذكر. كان الطفل يلتقط التفاصيل الدقيقة بكفاءة مذهلة. وعندما حان وقت مغادرة الضابط بحجة تأخر الشحنة، طلب من فارس أن يلتقيه سرا عند صخرة معزولة على الشاطئ. وهناك، كشف له عن هويته الحقيقية وخطورة المهمة، لتلمع عين الطفل بعزيمة صلبة ويجيب بثبات، “أنا مستعد لأي حاجة بس يمشوا من أرضنا”. 
​كان التحدي الأكبر هو كيفية إدخال فارس إلى داخل المعسكرات والقواعد البحرية الإسرائيلية المحصنة دون إثارة الشكوك. وفي أحد اللقاءات، وجد كيلاني الحل حين رأى فارس يحمل سلة بيض طازجة: سيدخل فارس المعسكرات كبائع بيض تجول! فالعدو لن يشك أبداً في طفل صغير يبيع الطعام للجنود. 
​بدأت العملية بنجاح باهر. استطاع فارس بلباقتة وضحكته العفوية أن يكسب ثقة الجنود، بل وصادق ضابطاً إسرائيلياً من أصل يمني يُدعى “جعفر درويش”، قائد النقطة 158. وكانت المخابرات المصرية تزود فارس بكميات محددة من البيض في كل مرة ليضطر للتردد على المعسكر أكثر من مرة في اليوم الواحد، مما أتاح له حرية الحركة والدخول والخروج دون رقابة. 
​تلقى فارس تدريبات مكثفة على يد كيلاني لتحديد الثغرات في حقول الألغام، ومواقع المدافع الثقيلة، ومولدات الكهرباء، وخزانات المياه. لم يكتف الطفل بذلك، بل قدم رصداً تفصيلياً لغرف الضباط، وأماكن نوم الجنود، وأعداد الحراسة الليلية، وحتى المسافات بين الأسلاك الشائكة. 
​​لم تتوقف المهمة عند جمع المعلومات النظرية، بل انتقلت للرحلة الأكثر خطورة: زرع أجهزة التجسس. 
​تم تدريب فارس على التعامل مع أجهزة تصنّت متطورة بحجم قطع معدنية صغيرة. وبجرأة لا تتناسب مع سنوات عمره الغضة، استغل فارس ثقة الضباط وتسلل إلى داخل غرفة القيادة وغرف القادة الكبار، ليزرع تلك القطع داخل الدواليب وتحت الأسرة. بفضل هذه الخطوة الجريئة، أصبحت تحركات قيادة الموقع ونشرات الموساد تُرصد مباشرة وعلى الهواء في غرف عمليات القاهرة. 
​​

لم تكن صحراء سيناء مجرد رمال ملتهبة تحت شمس الظهيرة، بل كانت مسرحاً للعبة شطرنج قاتلة، الخطأ فيها يعني الموت أو المعتقل.
​في ليلة شديدة الظلمة من صيف عام 1971، كان السكون يخيم على النقطة 158 الحصينة. رياح الليل تعزف صفيرها بين خطوط الأسلاك الشائكة، وصوت محركات مولدات الكهرباء الضخمة يطغى على ما سواه. على بعد أمتار قليلة من خط الدفاع الأول، كان “فارس” يربض بين الكثبان المائية المتاخمة للشاطئ، جسده الصغير مدهون بطين بحري داكن ليخفي انعكاس الضوء، وبيده سلة البيض القماشية المعتادة ولكن هذه المرة… ببطانة مزدوجة. 
​كانت الأوامر التي تلقاها من الضابط “كيلاني” صريحة ومباشرة،
​”يا فارس، الليلة مش مجرد بيض ودوشة مع الجنود. الليلة زرع ‘الشرارة’. لو اتكشفت، مش هتعرف تخرج، وأنا مش هقدر أتدخل.”
​تنفس فارس ببطء شديد كما علمه كيلاني لتخفيض ضربات قلبه. تمتم بآيات من القرآن الكريم، ثم تحرك بمرونة كالظل. زحف على بطنه متفادياً الألغام الفردية التي حفظ أماكنها بفضل الخريطة الذهنية التي رسمها خلال زياراته المكررة. 
​وصل إلى القاطع الجانبي لمبنى القيادة، حيث تُعقد الاجتماعات المغلقة بين قادة المواقع وضباط الموساد. كان الضابط الإسرائيلي “جعفر درويش” يجلس في الداخل يتحدث بصوت مرتفع عبر جهاز اللاسلكي بلغة عبرية صريحة. 
​سحب فارس من طيات سلة البيض أسطوانة معدنية لا يتعدى حجمها حجم عقلة الأصبع، جهاز تصنت شديد الحساسية. كانت الفتحة المستهدفة هي نافذة التهوية الخاصة بغرفة نوم القائد، والتي تقع مباشرة فوق مكتب المعلومات. 
​فجأة، أضاء كشاف الحراسة المتحرك الزاوية التي يقف فيها فارس.
تجمد الطفل في مكانه تماماً، والتقصقت أذنك بصوت خطوات أحذية عسكرية ثقيلة تقترب بسرعة من السور الجانبي.
صرخ الحارس الإسرائيلي باللغة العبرية وهو يوجه سلاحه الأوتوماتيكي نحو الظلال،
“مي زيه؟ (من هناك؟)”.
​ساد صمت مرعب. كان الضابط كيلاني يراقب المشهد من خلال منظاره الليلي من على مسافة كيلومترين عبر الحدود البحرية، ويده تضغط على زناد بندقية القناصة بحرقة، لكنه يعلم أن أي إطلاق نار سيفشل المهمة ويقضي على فارس تماماً.
​في جزء من الثانية، استغل فارس دهاءه الفطري وطفولته. بدلاً من الهرب، خرج من بين الظلال ممسكاً بسلته وبدأ بالبكاء بصوت مرتفع وخائف، 
​”أنا يا سيدي… فارس، سلة البيض وقعت مني وأنا راجع البيت، والظلمة خلتني أتوه” 
​اقترب الحارس بغضب، وحين عرف وجه الطفل الذي يتردد دائماً على المعسكر، استرخى بدنه وانخفضت سبابته عن زناد الرشاش. خرج “جعفر درويش” على صوت البكاء، ونظر إلى فارس بشك،”ما الذي يأتيك في هذا الوقت المتأخر يافارس؟” 
​رد فارس وهو يرتجف بتصنع مذهل، ممسكاً بقميص جعفر،
“كنت جايب لك البيض اللي طلبته الصبح عشان تعمل العشاء للضباط، والكلب بتاع المعسكر جرى ورايا وطير البيض في الرمل”. 
​ضحك الضابط جعفر وصاح بالحارس ليخفض سلاحه. اقترب جعفر من فارس وطبطب على كتفه، ثم أخذ السلة ليفحصها. في تلك اللحظة بالذات، وبينما كان الضابط مشغولاً بجمع البيض المتبقي من السلة، مد صالح يده بمهارة فائقة إلى أسفل حافة نافذة خشبية ملاصقة لغرفة القيادة، وألصق جهاز التصنت المغناطيسي في تجويف سري لا تصله الأعين. 
​مرت الثواني وكأنها دهر. أرجع الضابط السلة لفارس وأعطاه بضع قطع من النقود وقال له،
“عد إلى بيتك فوراً ولا تتجول في الليل مجدداً.”
​انحنى فارس شاكراً وركض باتجاه الصحراء. وبمجرد وصوله إلى الصخرة المعزولة على الشاطئ حيث كان كيلاني بانتظاره، انهار الطفل من شدة التوتر وأمسك بيد الضابط. 
​وضع كيلاني سماعة الاستقبال في أذنه، ولأول مرة، سمع بوضوح صوت درويش وهو يتحدث داخل الغرفة عن تحركات الطيران المرتقبة للأسبوع القادم. 
​التفت كيلاني إلى فارس، وابتسامة فخر تمتزج بالذهول ترتسم على وجهه، وقال له،
​”من الليلة دي يا فارس… القاهرة بقت تسمع نفس كل ضابط في المعسكر ده. أنت مش مجرد بطل… أنت عين مصر اللي ما بتنامش”.
​كانت هذه العملية مجرد تمهيد للضربة الكبرى، حيث أصبحت البيانات التي يجمعها فارس تدفق يومياً، ممهدة الطريق لخطة الخداع الاستراتيجي التي ستبهر العالم لاحقاً في أكتوبر 1973. 
مع الاقتراب من ساعة الصفر لحرب أكتوبر، وانكشاف خيط خطير يهدد العملية بأكملها.
​​بحلول خريف عام 1973، كانت سيناء تغلي تحت رماد السكون الظاهري. أجهزة التصنت الصغرى التي زرعها فارس كانت تنقل نبض الموقع 158 لحظة بلحظة إلى غرفة عمليات المخابرات بالقاهرة. لكن التحدي الأكبر برز فجأة حين أقر الضابط الإسرائيلي “جعفر درويش” نظام حراسة جديداً يعتمد على تغيير شفرات مرور المعسكر كل 6 ساعات. 
​في أواخر سبتمبر 1973، تسلم الضابط “كيلاني” تعليمات سيادية حاسمة، المطلوب خريطة محدثة نهائية للغرف المحصنة تحت الأرض ومواقع الرادارات الجوالة التي تم تدعيم المعسكر بها مؤخراً. 
​تلاقى كيلاني بفارس في النقطة الآمنة. كان وجه كيلاني مشدوداً ومجهداً، 
​”يا فارس، المرة دي الخطر مضاعف. الشك زاد، ودرويش بقى يقفل المكاتب بلمس أجهزة إنذار حركة. لو قدمك زلت… مش هيرحموا حد”.
ثبت فارس نظره في عيني الضابط بثبات أهل سيناء، 
​”أنا دخلت الجحر ده ميت مرة يا حضرة الضابط… والأرض دي أرضنا، والرمل بيغطيني”.
​في الرابع من أكتوبر 1973، قبل الحرب بيومين اثنين، تسلل فارس إلى المعسكر حاملاً كالعادة طبق البيض، متظاهراً بالبراءة والارتباك المعتاد. استطاع عبور البوابة الأولى بعد أن مازح حراس البوابة. 
​توجه نحو مركز الاتصالات الخلفي، حيث توجد غرف الضباط والمبنى الهيكلي للرادار. كانت خطته تقتضي ترك طبق البيض في مطبخ الموقع، ثم استغلال فترة استراحة الحراسة الظهرية لزرع شريحة تتبع صغيرة داخل شبكة المولد الكهربائي الاحتياطي. 
​لكن المفاجأة غير المتوقعة حدثت، بينما كان فارس ينحني خلف خلفية المولد، سمع صوت صفارة إنذار خافتة، وصوت خطوات مسرعة، إنه “جعفر درويش” برفقة ضابط استخبارات عسكرية وصل للتو من تل أبيب فجأة لمراجعة التأمين.
​أصبحت أقدام الضباط على بعد سنتيمترات من مخبأ فارس.
تحدث ضابط الاستخبارات باللغة العبرية بغضب،
“هناك تسريب معلوماتي يحدث في هذه المنطقة… المخابرات المصرية تعرف أدق تفاصيل تحركاتنا، لا بد أن نتشدد مع البدويين والمترددين على الموقع”.
​تسمر فارس في مكانه، ويده تلتصق بالحديد الساخن للمولد. في تلك اللحظة الحرجة، لمح درويش طباق البيض الموجود في المطبخ، والتفت نحو المولد ببديهة حادة وقال باللغة العربية، “صالح؟ هل أنت هنا؟”
​لم يكن أمام فارس خيار لسحب وقته، بل خرج فوراً وهو يبتسم ابتسامة طفولية بائسة، ممسكاً بقطع معطوبة من الأسلاك كان قد أعدها مسبقاً،
“يا سيادة القائد جعفر، السلك ده كان طالع منه شرار جنب البيض، كنت بحاول أبعده عشان ما يحصلش حريقة”. 
​نظر ضابط الاستخبارات الجديد إلى فارس بشك قاتل، وسحب مسدسه من جرابه وفحص يدي الطفل بدقة. كانت يدا فارس ممتلئتين بشحم المولد والتراب، مما جعل ادعاءه يتسم بالواقعية.
​تدخل جعفر درويش مقاطعاً الشك،
“دعك منه… هذا مجرد طفل بدوي يبيع البيض هنا منذ سنين، ولا يفهم شيئاً في هذه الأمور”. 
​نهر الضابط الجديد فارس وأمره بالخروج فوراً وعدم العودة مجدداً إلى المعسكر. خرج فارس ببطء شديد كي لا يثير الشبهات، لكنه قبل أن يغادر، كان قد أتم مهمته بنجاح وألصق شريحة التتبع في القاطع الرئيسي للمولد دون أن يلاحظ أحد. 
​​بمجرد خروج فارس من المعسكر، كانت سيارات المخابرات المصرية في انتظاره ونقلته هو وأسرته بالكامل تحت حراسة مشددة عبر طرق صحراوية سرية نحو القاهرة، تنفيذاً للأوامر العاجلة للقيادة العامة بتأمين البطل الصغير وعائلته قبل بدء العمليات العسكرية. 
​وفي السادس من أكتوبر 1973، في تمام الساعة الثانية ظهراً، انطلقت الطائرات والمدافع المصرية تدك حصون خط بارليف والنقطة 158 بدقة متناهية، بناءً على الإحداثيات والخرائط والتفاصيل الدقيقة التي جلبها الطفل فارس والضابط كيلاني. 
​وبعد انتصار الحرب الشامل، زار الرئيس أنو السادات قرية “ميت أبو الكوم” بالمنوفية، وحرص على استقبال البطل الصغير بنفسه. وقف الطفل فارس أمام رئيس الجمهورية بأناقة وشموخ، وأدى التحية العسكرية، ليرد عليه السادات بابتسامته الشهيرة قائلاً، 
​”جننت الإسرائيليين يا واد، وبسببك في ضابط كبير في الموساد جاله أزمة نفسية من اللي عملته”.
​​بعد سنوات طويلة من الانتصار، وفي أحد أروقة مبنى المخابرات العامة بالقاهرة، يجلس ضابط شاب برتبة مقدم على نفس المكتب التاريخي للضابط “كيلاني”. 
​ينظر المقدم فارس إلى صورة قديمة معلقة على الجدار تجمعه بالرئيس السادات والضابط كيلاني بعد الحرب. يبتسم وهو يفتح ملفاً جديداً لعملية استخباراتية معاصرة، متذكراً الكلمة التي قالها له كيلاني يوماً على شاطئ سيناء، 
​”الوطن يا فارس مش مجرد أرض بنقف عليها.. الوطن هو السير في الظلام عشان غيرك يعيش في النور”.

شاهد أيضاً

«يوم الثقافة الروسية» لطلاب المدارس

كتب عادل البكل شهد البيت الروسي بالقاهرة فعاليات «يوم الثقافة الروسية»، المخصصة لطلاب المدارس بمدينة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *