الثلاثاء , 6 أكتوبر 2026

د. إيهاب زايد يكتب.. نداء التراب وفجر الخالدين


بقلم: إيهاب محمد زايد
في تاريخ الأمم لحظاتٌ لا تُقاس بالساعات ولا بالأيام، بل تُقاس بمقدار ما تسكبه في عروق الأجيال من كبرياء، وما تحفره في ضمير التاريخ من مجدٍ لا يمحوه الزمان. وفي سِفر مصر الممتد لآلاف السنين، تقف ستة ساعات من نهار السادس من أكتوبر عام 1973 كشمسٍ ساطعة شقّت أستار الظلام، لتعلن للعالم أجمع أن هذا الوطن قد يمرض، ينزف، أو يتألم، لكنه أبداً لا يموت، ولا يفرط في ذرةٍ واحدة من ترابه المقدّس.
لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية تُدار في أروقة غرف العمليات، ولا مجرد خطة تكتيكية أعدّها دهاة القادة؛ بل كانت زلزالاً وطنياً أعاد ترتيب عقل العالم، وفجّر ينابيع العزة في القلوب التي أرهقها الانتظار. كانت ملهمةً بالدم والروح، متسلحةً بالإيمان الشديد بأن سيناء ليست مجرد قطعة أرض جغرافية تقع في شرق البلاد، بل هي قطعة من كبد مصر، ورئة يتنفس منها الوطن معاني حريته وسيادته.
عندما تحطم الحصن وسقطت أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”
دعونا نعد بالذاكرة إلى ذلك النهار الرمضاني المشهود، حين كان الصمت يلف أرجاء القناة، وكانت أعين العالم تجول بين خط بارليف المنيع — ذلك الجدار الساتر الذي قال عنه خبراء العسكرية العالمية إنه يحتاج إلى قنبلة ذرية لإزاحته — وبين عيون أبناء خير أجناد الأرض. كان الرهان الغربي ينصبّ على استمرارية حالة “لا سلم ولا حرب”، وعلى استسلام الشخصية المصرية لمرارة النكسة.
ولكن، كيف لغريبٍ أن يفهم عبقرية الجينات المصرية؟ كيف لخبراء التكنولوجيا أن يدركوا مقدرة المقاتل المصري حين يستدعي إرادة أجداده البناة العظام؟
في تمام الساعة الثانية وهروب الظهر، انطلق الزئير. أكثر من مائتي طائرة مصرية تحلق كالصقور تشق السماء، ومدافع كالبراكين صبت حممها على رؤوس المعتدين. وفي تلك اللحظة الفارقة، اختلطت صيحات “الله أكبر” بخرير مياه القناة، وذاب خرتوم المياه البسيط ليزيح أعتى مانع ترابي عرفه التاريخ الحديث. لقد عبر الأبطال! عبروا فوق جسور الشرف، وساروا فوق ألغام الموت، يحملون أرواحهم على أكفهم، لا يبتغون سوى شيء واحد: إما النصر وترسيم علم مصر فوق قمم سيناء، وإما الشهادة في سبيل أن تحيا مصر عزيزة كريمة.
سقطت الأسطورة الزائفة لـ “الجيش الذي لا يُقهر” تحت أقدام المزارع، والمهندس، والطبيب، والعامل المصري الذين ارتدوا الزي العسكري ليكتبوا بدمائهم أسطورة حقيقية؛ أسطورة الإرادة المصرية التي تكسر المستحيل.
العبقرية السياسية: الرؤية التي سبقت عصرها
إن أسطورة أكتوبر لا تكتمل فقط ببراعة العبور العسكري، بل تتجلى في أبهى صورها عندما نتأمل كيف استطاعت مصر تحويل هذا النصر العسكري المبين إلى ملحمة دبلوماسية وسياسية خالدة. وهنا تظهر الرؤية المصرية العبقرية التي سبقت العالم بعقود.
لقد أدرك القرار السياسي المصري، بقراءة استراتيجية عميقة وواعية، أن الحرب ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة فرض إرادة السلام العادل. وفي الوقت الذي كان فيه العالم بأسره يرتهن لخطابات الصراع الأيديولوجي العقيم، وتسيطر عليه ذهنية الحروب الممتدة والنزاعات الصفزية، قفزت مصر خطوة جريئة إلى المستقبل.
أتت المبادرة المصرية للسلام، وزيارة القدس، ثم مفاوضات كامب ديفيد، لتصدم العقول الجامدة وتخلع الأقنعة عن المفاهيم العسكرية التقليدية. لقد أثبتت مصر للعالم أن القوي هو من يصنع السلام، وأن الشجاعة في ميدان التفاوض لا تقل جسارة عن الشجاعة في ميدان القتال.
لقد خاضت مصر معركة السلام بعقول مهندسيها، ودبلوماسييها، وحكمائها، بنفس الروح التي خاضت بها معركة العبور. واجهت الضغوط، وعزلة المحيط، وتشكيك المشككين، لكنها ظلت ثابتة كالأهرامات، تضع نُصب عينيها هدفاً واحداً لا زحزحة عنه: استعادة كل شبر من أرض سيناء دون التفريط في حبة رمل واحدة.
ملحمة طابا: استرداد التراب بسيادة القانون
وتتوجت هذه الرؤية التاريخية بالمعركة القانونية الحاسمة حول “طابا”. حين حاولت قوة الاحتلال المماطلة والالتفاف على المخطط الشامل للانسحاب، لم تلجأ مصر للصدفة، بل جمعت نخبة من ألمع العقول في التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي.
خاضت مصر معركة التحكيم الدولي ببراهين قاطعة ووثائق تاريخية صلبة، أثبتت للعالم أجمع أن هذا الوطن يملك من الحضارة والرصيد المؤسسي ما يجعله ينتزع حقه بالقانون والدبلوماسية، كما انتزعه بالسلاح والدم. وفي التاسع عشر من مارس عام 1989، ارتفع العلم المصري فوق طابا، ليكتمل النصر، وتتحرر سيناء بالكامل؛ بالدم في الميدان، وبالعقل في السلام، وبالحجة في المحاكم الدولية.
لقد كشفت مصر للجهد الدولي نموذجاً فريداً غير مسبوق: كيف يمكن لدولة خاضت أربع حروب متتالية أن تحول النصر إلى منهج سلام استراتيجي يحفظ كرامتها، ويحمي مقدرات أجيالها القادمة، ويبني مستقبلاً جديداً للمنطقة بأسرها.
رسالة إلى الجيل الجديد: إرادة العبور لا تنتهي
إننا حين نكتب عن حرب أكتوبر وعن معركة السلام، لا نكتب لمجرد الاجترار العاطفي للماضي، ولا لاستدعاء ذكريات مجدٍ غابر، بل نكتب لنشعل الفتيل في أرواح أجيالنا الحاضرة والقادمة.
إن “روح أكتوبر” ليست وثيقة تُحفظ في الأرشيف العسكري، بل هي منهج حياة ومفتاح للعبور في كل زمان ومكان. إن عبور القناة عام 1973 كان عبوراً من الهزيمة إلى النصر، أما عبورنا اليوم فهو عبور من التحديات الاقتصادية والتنموية إلى آفاق المستقبل والتنمية الشاملة.
إن سيناء التي سالت عليها دماء أجدادنا وآبائنا لتسرد قصة التحرير، هي ذاتها سيناء التي تُبنى فيها اليوم الجسور، والتجمعات العمرانية، والمشاريع العملاقة، لتسرد قصة التعمير والتنمية. إن حماية التراب الوطني اليوم لا تتطلب فقط امتلاك السلاح الردع المتطور، بل تتطلب أيضاً العلم، والعمل الجاد، والوعي الفكري الصلب الذي يتحطم عليه كل مخطط يستهدف عقول الشباب ووعي الأمة.
الآثار الاقتصادية للنصر: زلزال جيوسياسي وثورة في أسواق العالم
لم يقتصر صدى نصر أكتوبر المجيد على خريطة الموازين العسكرية والتوازنات السياسية فحسب، بل امتد ليرسم ملامح خريطة اقتصادية جديدة للشرق الأوسط والعالم أجمع، تحولت فيها ثروات المنطقة من مجرد مواد خام تُستنزف إلى أوراق ضغط استراتيجي ومحركات للنمو الشامل.
كان استخدام سلاح النفط العربي — بالتنسيق مع النصر الميداني المصري — بمثابة الهزة الارتدادية الأقوى التي زلزلت الأسواق العالمية؛ إذ أدركت الدول الغربية والصناعية الكبرى، ولأول مرة، حجم الاعتماد المباشر على موارد الشرق الأوسط، مما أدى إلى إعادة هيكلة سوق الطاقة العالمي، وارتفاع عوائد النفط العربي بشكل قياسي، ليتحول هذا المورد الاستراتيجي إلى قاطرة نهضة واستثمار أحدثت طفرة عمرانية واقتصادية غير مسبوقة في دول الخليج والمنطقة العربية.
وعلى الصعيد الإقليمي، فتح تحرير سيناء واستعادة الملاحة في قناة السواحل المصرية الباب الذهبي لأهم شريان تجاري يربط الشرق بالغرب، ليُعيد للشرق الأوسط موقعه الصدارة كمركز لوجستي عالمي لا غنى عنه في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية. أما عالمياً، فقد أجبر هذا النصر القوى الكبرى على التخلي عن أوهام فرض الأمر الواقع، والاعتراف بأن الاستقرار الاقتصادي العالمي مرتهنٌ بالاستقرار السياسي والأمني في هذه المنطقة الحيوية من العالم.
إن إعادة فتح قناة السويس وتأمين ممراتها وتحويل سيناء إلى باحة للتنمية والاستثمار أثبت للعالم أن السلام القائم على العدل والقوة هو وحده الكفيل بتحقيق الازدهار الاقتصادي المستدام، وأن مصر — بقدرتها على الجمع بين السلاح والتنمية — لم تحرّر أرضها فحسب، بل أعادت صياغة قواعد الاقتصاد السياسي الإقليمي والدولي بأيدي أبنائها.

مصر.. قدر المجد وراية السلام
ستظل مصر هي الرقم الصعب في معادلة الشرق والعالم. ستظل هي الدولة التي علّمت البشرية كيف تُصنع الحضارات، وكيف تُخاض الحروب بشرف، وكيف يُصنع السلام بشجاعة واقتدار.
إن انتصار أكتوبر وحصول مصر على أرضها كاملة بالسلام ليس مجرد حدثٍ طارئ، بل هو تعبير عن طبيعة هذا الشعب العظيم الذي يمتلك مخزوناً حضارياً يجعله ينتفض دائماً من تحت الركام، ليصنع الفجر بعد أطول الليالي ظلاماً.
فلتفخر يا كل مصري، ولترفع رأسك عالياً في السماء، فأنت تنتمي إلى أرضٍ باركها الله، وإلى جيشٍ مرغ أعتى القوى في التراب، وإلى وطنٍ امتلك الرؤية الشجاعة ليسبق العالم ويزرع السلام في قلب المحن.
عاشت مصر حرة أبية، وعاش شعبها العظيم صانع المعجزات، ورحم الله شهداءنا الأبرار الذين كتبوا بدمائهم الزكية أقوى وأجمل صفحات التاريخ.

شاهد أيضاً

د. سامي المسلم يكتب.. جدلية الظاهر والباطن في الإنسان والعلاقات الإنسانية في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

يُعدّ الحكم على الأشياء من خلال مظاهرها الخارجية من أكثر الظواهر رسوخًا في الوعي الإنساني، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *