الأربعاء , 7 أكتوبر 2026

د. عادل عامر يكتب.. العمالة الوافدة في ليبيا بين الحاجة الاقتصادية واستنزاف النقد الأجنبي

يمثل ملف العمالة الوافدة في ليبيا أحد الملفات الاقتصادية والاجتماعية المتشابكة التي تتجاوز في آثارها مسألة توفير العمالة إلى قضايا سوق العمل، والنقد الأجنبي، والتحويلات المالية، والهجرة النظامية وغير النظامية، والأمن الاجتماعي، وحقوق العمال، واحتياجات الأسرة الليبية.

وقد عاد هذا الملف إلى الواجهة مع تداول تقديرات تشير إلى وجود أعداد كبيرة من العاملات المنزليات الوافدات، من بينها تقديرات تتحدث عن أكثر من 450 ألف عاملة، مع حضور ملحوظ لعاملات من دول أفريقية، ولا سيما نيجيريا. كما تتداول بعض التقديرات أرقامًا ضخمة للتحويلات المالية المرتبطة بالعمالة الأجنبية تصل إلى مليارات الدولارات سنويًا.

وهنا يجب التأكيد على أن هذه الأرقام تحتاج إلى قاعدة بيانات رسمية ودقيقة للتحقق من حجمها، لأن غياب الإحصاءات الشاملة يجعل تقدير التأثير الحقيقي للعمالة الوافدة على الاقتصاد الليبي أمرًا بالغ الصعوبة.

العمالة الوافدة.. ضرورة اقتصادية أم تحدٍ اقتصادي؟

لا يمكن النظر إلى العمالة الأجنبية في ليبيا باعتبارها مشكلة في حد ذاتها، فالاقتصاد الليبي يعتمد في قطاعات متعددة على العمالة الوافدة، نتيجة احتياجات سوق العمل ونقص العمالة في بعض المهن والخدمات.

وفي مجال العمالة المنزلية تحديدًا، تلجأ بعض الأسر إلى العاملات الوافدات لتوفير خدمات التنظيف والرعاية المنزلية ورعاية الأطفال وكبار السن والمرضى، وهي احتياجات حقيقية لا يمكن تجاهلها.

ومن ثم، فإن القضية الأساسية ليست في وجود العمالة الوافدة، وإنما في كيفية تنظيمها وإدارتها اقتصاديًا وقانونيًا واجتماعيًا.

فالعمالة المنظمة بعقود واضحة وتصاريح رسمية وبيانات دقيقة تختلف اقتصاديًا وقانونيًا عن العمالة التي تعمل بصورة غير رسمية ولا تخضع لنظام واضح للمتابعة.

التحويلات المالية.. أين تذهب العملة الأجنبية؟

تعد تحويلات العمالة الأجنبية إلى الخارج من أهم الجوانب الاقتصادية التي تستحق الدراسة.

فالعامل الوافد يحصل على دخل داخل ليبيا، ثم يقوم بتحويل جزء من هذا الدخل إلى أسرته أو حساباته خارج البلاد. وعندما يتكرر ذلك على نطاق واسع، تصبح التحويلات جزءًا من حركة النقد الأجنبي الخارجة من الاقتصاد الليبي.

لكن من الضروري عدم وصف كل تحويلات العمالة بأنها “استنزاف” تلقائيًا للنقد الأجنبي؛ فالتحليل الاقتصادي يجب أن يضع في الاعتبار المقابل الاقتصادي الذي تحصل عليه ليبيا، مثل الخدمات التي تقدمها العمالة، ومدى حاجة السوق إليها، والضرائب والرسوم التي يمكن تحصيلها، وما إذا كانت العمالة تشغل وظائف لا تتوافر لها عمالة محلية.

لذلك فإن السؤال الاقتصادي الأكثر دقة هو:

ما صافي الأثر الاقتصادي للعمالة الوافدة على الاقتصاد الليبي؟

وللإجابة عن ذلك يجب مقارنة قيمة الأجور والتحويلات الخارجة بقيمة الخدمات والإنتاج الذي تقدمه العمالة، إضافة إلى الإيرادات التي تحصل عليها الدولة من تصاريح العمل والرسوم والضرائب، وأثر هذه العمالة في سوق العمل المحلي.

لماذا تمثل العمالة المنزلية حالة خاصة؟

تختلف العمالة المنزلية عن العمالة الموجودة في الشركات والمصانع والمشروعات، لأنها تعمل داخل المنازل، الأمر الذي يجعل الرقابة عليها أكثر تعقيدًا.

ولهذا فإن تنظيمها يحتاج إلى نموذج قانوني وإداري خاص يقوم على:

تسجيل العاملة وصاحب العمل.

وجود عقد عمل مكتوب وواضح.

تحديد الأجر وساعات العمل والإجازات.

تحديد طبيعة المهام المطلوبة.

تنظيم السكن والإعاشة إذا كان العمل يتطلب الإقامة.

تحديد آليات إنهاء العقد.

توفير وسائل واضحة لتقديم الشكاوى.

حماية حقوق العامل وصاحب العمل معًا.

ربط تصاريح العمل بقاعدة بيانات وطنية موحدة.

وهذا التنظيم لا يحمي الاقتصاد فقط، وإنما يحمي أيضًا العاملات من الاستغلال ويحمي الأسر من العمالة غير المنضبطة أو غير الموثقة.

قاعدة بيانات وطنية.. البداية الحقيقية للحل

من الصعب وضع سياسة اقتصادية سليمة دون معرفة حجم الظاهرة.

ولذلك تحتاج ليبيا إلى قاعدة بيانات وطنية موحدة للعمالة الأجنبية تتضمن، بقدر ما يسمح به القانون، بيانات العامل، وجنسيته، ومهنته، ومكان عمله، ونوع الإقامة، وصاحب العمل، ومدة العقد، والأجر، وتاريخ انتهاء التصريح. كما ينبغي الربط الإلكتروني بين الجهات المختصة، بحيث لا يصبح العامل الوافد مجرد رقم في سجلات منفصلة، وإنما جزءًا من منظومة معلومات متكاملة تساعد الدولة على التخطيط.

فالبيانات الدقيقة تمكن الحكومة من الإجابة عن أسئلة جوهرية:

كم عدد العمالة الأجنبية الموجودة فعليًا؟

كم منهم يعمل بصورة قانونية؟

ما القطاعات التي تستوعب أكبر عدد منهم؟

كم تبلغ أجورهم؟

ما حجم التحويلات المالية إلى الخارج؟

ما الجنسيات الأكثر حضورًا؟

وما الوظائف التي يمكن إحلال العمالة الوطنية فيها تدريجيًا؟

450 ألف عاملة.. ماذا يعني هذا الرقم اقتصاديًا؟

إذا صحت التقديرات المتداولة بشأن وجود نحو 450 ألف عاملة منزلية وافدة، فإن الرقم سيكون له وزن اقتصادي واجتماعي كبير، حتى قبل حساب إجمالي العمالة الأجنبية في القطاعات الأخرى.

لكن التعامل مع هذا الرقم باعتباره حقيقة إحصائية نهائية يتطلب أولًا التحقق منه من خلال السجلات الرسمية والمسوح الميدانية.

فالفارق بين وجود 100 ألف أو 300 ألف أو 450 ألف عاملة ليس مجرد فرق رقمي، وإنما يغير بصورة جوهرية حسابات سوق العمل والأجور والتحويلات والطلب على النقد الأجنبي.

ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من مرحلة التقديرات إلى مرحلة الإحصاء الرسمي.

4 مليارات دولار.. رقم يحتاج إلى تفكيك اقتصادي

إذا كان الرقم المتداول بشأن تحويلات العمالة يصل إلى نحو 4 مليارات دولار سنويًا، فلا ينبغي الاكتفاء بإعلانه، بل يجب تفكيكه إلى عناصره.

فهل يمثل الرقم تحويلات العمالة المنزلية فقط، أم إجمالي تحويلات العمالة الأجنبية؟

وهل هو رقم سنوي فعلي أم تقديري؟

وهل يشمل التحويلات الرسمية فقط أم التحويلات التي تتم عبر قنوات غير رسمية؟

وهل ترتبط كل هذه التحويلات بأجور حصل عليها العمال داخل ليبيا؟

هذه الأسئلة ضرورية قبل بناء سياسات نقدية أو مالية على الرقم.

كما أن الحد من التحويلات غير الرسمية لا يتحقق فقط بالرقابة، وإنما بإنشاء قنوات رسمية سهلة وآمنة ومنخفضة التكلفة لتحويل الأموال، مع تشجيع العمالة وأصحاب العمل على استخدام النظام المصرفي.

العلاقة بين العمالة الوافدة وسوق العمل الليبي

من أهم القضايا التي يجب بحثها: هل تنافس العمالة الأجنبية العمالة الليبية أم تسد فجوة في سوق العمل؟

الإجابة تختلف من قطاع إلى آخر.

ففي بعض المهن التي يعزف عنها بعض المواطنين، قد تسد العمالة الأجنبية نقصًا حقيقيًا في السوق. وفي مهن أخرى قد يكون وجود عمالة أجنبية بأجور منخفضة عاملًا يؤثر في فرص العمالة الوطنية.

لذلك لا ينبغي اتخاذ موقف عام من العمالة الوافدة، وإنما يجب إجراء دراسة قطاعية لسوق العمل تحدد المهن التي تحتاج إلى عمالة أجنبية، والمهن التي يمكن إحلال العمالة الوطنية فيها، والمهن التي تحتاج إلى تدريب وتأهيل المواطنين.

البعد الاجتماعي والأسري

هناك جانب آخر لا يقل أهمية عن الجانب الاقتصادي.

فالاعتماد المتزايد على العمالة المنزلية يمكن أن يغير طبيعة توزيع الأدوار داخل الأسرة، خصوصًا في رعاية الأطفال وكبار السن.

وفي المقابل، هناك أسر لديها احتياجات حقيقية لا تستطيع تلبيتها دون مساعدة منزلية، خاصة الأسر التي يعمل فيها الأب والأم، أو التي تضم مسنين أو أشخاصًا يحتاجون إلى رعاية مستمرة.

ولهذا فإن القضية تحتاج إلى سياسة متوازنة لا تنظر إلى العاملة المنزلية باعتبارها مجرد “يد عاملة”، وإنما باعتبارها إنسانًا له حقوق، وفي الوقت نفسه لا تتجاهل حقوق الأسرة التي تقوم بالتعاقد معها.

حقوق العاملات جزء من الحل الاقتصادي

تنظيم العمالة المنزلية يجب أن يقوم على حماية الطرفين.

فحماية العاملة من الاستغلال، وعدم حجز جواز سفرها، وضمان الأجر المتفق عليه، وتحديد ساعات العمل والراحة، وإيجاد آلية للشكوى، كلها أمور لا تتعارض مع مصالح الدولة الاقتصادية.

بل إن سوق العمل المنظم يساعد على تقليل العمالة غير الرسمية، ويزيد قدرة الدولة على معرفة حجم النشاط الاقتصادي المرتبط بها، ويحسن إدارة الهجرة والعمل.

البعد الأمني والهجرة غير النظامية

لا يمكن فصل ملف العمالة الوافدة عن ملف الهجرة غير النظامية، خصوصًا في دولة مثل ليبيا تقع في منطقة جغرافية تجعلها نقطة عبور واستقرار لبعض المهاجرين.

لكن الخلط بين العمالة الأجنبية النظامية والمهاجر غير النظامي قد يؤدي إلى سياسات غير دقيقة.

لذلك يجب أن يكون هناك تصنيف واضح بين:

العامل الأجنبي الذي يحمل تصريح عمل وإقامة قانونية.

العامل الذي انتهت أوراقه ويحتاج إلى تسوية وضعه.

المهاجر غير النظامي.

ضحايا الإتجار بالبشر والاستغلال.

العمالة التي دخلت البلاد بصورة قانونية ثم خالفت شروط الإقامة أو العمل.

لكل حالة أدوات قانونية وإدارية مختلفة.

نحو سياسة جديدة للعمالة المنزلية

يمكن أن تقوم السياسة الليبية الجديدة على عدة محاور:

أولًا: الحصر والتسجيل

إنشاء سجل وطني دقيق للعمالة المنزلية الأجنبية.

ثانيًا: التعاقد الإلكتروني

إلزام أصحاب العمل بعقود موحدة تحفظ حقوق الطرفين.

ثالثًا: تنظيم الاستقدام

ربط استقدام العمالة باحتياجات حقيقية لسوق العمل.

رابعًا: تنظيم التحويلات

توفير قنوات مصرفية رسمية وسهلة للتحويلات المالية.

خامسًا: حماية الحقوق

إنشاء آلية واضحة للشكاوى وتسوية النزاعات.

سادسًا: التدريب والتوطين

زيادة برامج تدريب الليبيين في خدمات الرعاية المنزلية والمساعدة الاجتماعية والصحية.

سابعًا: الرقابة على مكاتب الاستقدام

إخضاع شركات ومكاتب الاستقدام لترخيص ورقابة فعالة.

ثامنًا: مكافحة الإتجار بالبشر

التعامل بحزم مع أي شبكات تستغل العمالة أو تتاجر بالبشر، مع توفير الحماية القانونية للضحايا.

الاستثمار في العمالة الوطنية

من الخطأ أن تكون معالجة الملف قائمة فقط على تقليل أعداد العمالة الأجنبية.

فالسياسة الاقتصادية الأكثر استدامة هي أن تعمل ليبيا على بناء سوق خدمات منزلية ورعاية اجتماعية يمكن أن تستوعب العمالة الوطنية.

ويمكن إنشاء برامج تدريب واعتماد مهني في مجالات:

رعاية كبار السن.

رعاية الأطفال.

المساعدة المنزلية.

الرعاية المنزلية الصحية.

خدمات ذوي الإعاقة.

إدارة المنزل والخدمات المساندة.

وبذلك تتحول القضية من مجرد “استيراد عمالة” إلى إنشاء قطاع اقتصادي منظم للرعاية والخدمات المنزلية.

المطلوب.. رؤية اقتصادية شاملة

إن ملف العمالة الوافدة في ليبيا لا يمكن اختزاله في رقم 450 ألف عاملة، ولا في رقم مليارات الدولارات من التحويلات.

فالقضية أكبر من ذلك، لأنها تتعلق بسوق العمل، والنقد الأجنبي، والهجرة، والأسرة، والحقوق، والأمن، والاقتصاد غير الرسمي.

ومن هنا، فإن المطلوب هو إجراء دراسة وطنية شاملة تعتمد على البيانات الرسمية والمسوح الميدانية، وتحدد:

الحجم الحقيقي للعمالة الأجنبية.

نسبة العمالة المنزلية.

حجم التحويلات الرسمية وغير الرسمية.

متوسط الأجور.

القطاعات الأكثر اعتمادًا على العمالة الأجنبية.

الوظائف التي يمكن توطينها.

التكلفة الاقتصادية للعمالة غير النظامية.

احتياجات الأسر الليبية من خدمات الرعاية.

الآثار الاجتماعية للاعتماد على العمالة المنزلية.

الخلاصة

إن تنظيم العمالة الوافدة لا يعني إغلاق سوق العمل أمام الأجانب، كما أن حماية حقوق العمال لا تعني تجاهل مصالح الاقتصاد الوطني.

المطلوب هو التوازن بين احتياجات الاقتصاد الليبي وحقوق العمال واحتياجات الأسرة والحفاظ على موارد النقد الأجنبي.

ومن وجهة نظر اقتصادية، فإن أول خطوة في هذا الاتجاه هي الانتقال من التقديرات المتداولة إلى الأرقام الرسمية، ومن العمالة غير المنظمة إلى سوق عمل واضح، ومن التحويلات غير المرصودة إلى نظام مالي شفاف، ومن استقدام العمالة بصورة عشوائية إلى استقدام مرتبط باحتياجات فعلية.

فالعمالة الوافدة يمكن أن تكون عنصرًا مساعدًا للاقتصاد عندما تكون منظمة وموجهة وفق احتياجات السوق، لكنها تصبح مصدرًا لمشكلات اقتصادية واجتماعية عندما تعمل خارج إطار التخطيط والرقابة والقانون.

والتحدي الحقيقي أمام ليبيا ليس فقط كم عدد العمالة الوافدة؟ وإنما:

كيف يمكن إدارة هذه العمالة بحيث تستفيد منها الدولة والمجتمع، وتحمي حقوق العاملين، وتحد من الاقتصاد غير الرسمي، وتحافظ في الوقت نفسه على موارد النقد الأجنبي؟

وهذا هو جوهر الإصلاح المطلوب في ملف العمالة الوافدة والعمالة المنزلية في ليبيا.

دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي

ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري

وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا

شاهد أيضاً

د. إيهاب زايد يكتب.. نداء التراب وفجر الخالدين

بقلم: إيهاب محمد زايدفي تاريخ الأمم لحظاتٌ لا تُقاس بالساعات ولا بالأيام، بل تُقاس بمقدار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *