الأربعاء , 7 أكتوبر 2026

المسرحي محمد سيف يكتب.. حين لا يشبهنا المسرح

البارحة، في تعليقه على مادة نرجسية الممثل،
ومن هنا جاء السؤال: ماذا يحدث حين لا يشبهنا المسرح


طرح الصديق عبد الحليم المسعودي سؤالاً عن نرجسية المتلقي. كان سؤاله محفزاً لكتابة هذه المادة، ومحاولة التفكير في الوجه الآخر للعلاقة المسرحية: ماذا يحدث حين لا يكتفي المتلقي بمشاهدة العرض، بل يريد أن يراه مطابقاً لذائقته وانتظاراته؟

تقوم العلاقة المسرحية على توتر خلاق بين فعل العرض وفعل التلقي. فالممثل يضع جسده وصوته وحضوره في قلب الفعل، بينما يدخل المتلقي إلى التجربة محملاً بذاكرته وذائقته وخبرته وانتظاراته. ومن هذا التفاعل يتشكل المعنى؛ فالعرض لا يكتمل بمعزل عن المتلقي، والمتلقي لا يستقبل معنى جاهزاً ونهائياً.
لكن ماذا يحدث حين لا يعجبنا المسرح لأنه لا يشبهنا؟
هنا تبدأ إشكالية نرجسية المتلقي.
لا يتعلق الأمر بالإعجاب بالذات بمعناه المباشر، وإنما بحضور الذات بصورة مفرطة داخل فعل التلقي، بحيث تصبح الذائقة الشخصية معياراً للحكم على العرض. يدخل المتلقي إلى الصالة وفي ذهنه تصور مسبق لما ينبغي أن يكون عليه المسرح، ثم يقيس ما يراه وفق هذا التصور. فإذا وافقه العرض، شعر بأنه أمام مسرح جيد؛ وإذا خالفه، أصبح الاختلاف دليلاً على ضعف العمل أو قصور صاحبه.
لكن المسرح لا يُقاس دائماً بما يطابق توقعاتنا. فالمتلقي يأتي إلى العرض بذاكرته وتجربته، وهذا جزء أساسي من عملية التلقي. غير أن هذه العناصر يمكن أن تتحول إلى قيد عندما تصبح معياراً مغلقاً. فالذائقة التي لا تقبل إلا ما تعرفه، تتحول من أداة للتمييز إلى وسيلة لاستبعاد المختلف. وعندها لا يعود المتلقي منصتاً لما يقترحه العرض، بل يبحث عما يؤكد ما يحمله مسبقاً.
من هنا يمكن فهم النرجسية بوصفها إصراراً على أن يكون المسرح قريباً من صورتنا عنه.
المتلقي النرجسي لا يسأل فقط: ماذا يقول هذا العرض؟ بل يسأل، بصورة أكثر خفاءً: لماذا لم يقل ما كنت أنتظره؟ لماذا لم يستخدم اللغة التي أعرفها؟ لماذا لم يقدم الشخصيات بالطريقة التي أراها صحيحة؟ لماذا لم يمنحني التجربة التي جئت أبحث عنها؟
وهذه الأسئلة ليست خاطئة في ذاتها؛ فالنقد يبدأ من السؤال والاختلاف. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الحكم الشخصي إلى حكم نهائي، وعندما يصبح عدم التطابق مع الذائقة سبباً كافياً لإدانة العمل. يمكن هنا استدعاء نرسيس، بصورة محدودة، بوصفه دالاً على التعلق بصورة الذات. فالمتلقي قد لا يرى العرض في استقلاله، وإنما يبحث عن صورته داخله: أفكاره، ذاكرته، معاييره، وما اعتاد أن يسميه مسرحاً. وحين لا يجد تلك الصورة، يشعر بأن المشكلة في العرض، لا في توقعاته.
وهذا يقود إلى سؤال جوهري: هل وظيفة المسرح أن يرضينا، أم أن يضعنا أمام ما لا نعرفه؟
لا يعني ذلك أن على المسرح أن يتعمد مخالفة الجمهور، أو أن رفض المتلقي للعمل دليل على قيمته. فالعرض يمكن أن يفشل، ويمكن أن يكون الحكم عليه سلبياً ومشروعاً. لكن النقد الحقيقي يفترض أن يمنح العمل فرصة لأن يكون مختلفاً قبل أن يحاكمه وفق معيار جاهز.
فالمسرح ليس خطاباً مغلقاً، ولا منتجاً مصمماً لإرضاء ذائقة واحدة. إنه تجربة تقوم على تعدد القراءات، وعلى احتمال أن ينتج العرض لدى كل متلقٍ معنى مختلفاً. ومن هنا فإن اختلاف المتلقي مع العمل ليس بالضرورة علامة على فشل العلاقة؛ بل قد يكون أحد شروطها.
المشكلة تبدأ حين يفقد المتلقي القدرة على احتمال هذا الاختلاف.
وهنا تلتقي نرجسية المتلقي، بصورة غير مباشرة، مع نرجسية الممثل. فالممثل قد يجعل حضوره مركز العرض، والمتلقي قد يجعل ذائقته مركز الحكم عليه. وفي الحالتين تتضخم الذات على حساب العلاقة المسرحية نفسها.
لكن المسرح لا يحتاج إلى متلقٍ يتفق معه دائماً، كما لا يحتاج إلى متلقٍ يرفضه دائماً. إنه يحتاج إلى متلقٍ قادر على أن يدخل في حوار مع ما يراه، وأن يمنح المختلف فرصة للكشف عن منطقه وأسئلته، قبل أن يصدر حكمه.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم: هل أعجبني العرض؟ وإنما: ماذا فعل بي؟ ماذا حرّك في ذاكرتي؟ ماذا جعلني أعيد النظر فيه؟ وما الذي قاوم فهمي؟
فقد يكون العرض الذي يزعج ذائقتنا أكثر فائدة لنا من العرض الذي يؤكدها دائماً.
إن نضج التلقي لا يعني التخلي عن الذائقة أو تعليق الحكم النقدي، وإنما معرفة حدود الذات داخل عملية التلقي. أن نعرف أن ما نراه ليس بالضرورة ما هو موجود فقط، وأن تجربتنا ليست المعيار الوحيد الممكن لقراءة العمل.
في النهاية، لا تكمن حرية المسرح في أن يقول ما نريد، ولا تكمن حرية المتلقي في أن يفرض عليه ما يريد؛ وإنما في أن تظل بينهما مساحة تسمح بالاختلاف، والتأويل، وإعادة النظر.
فربما لا تكون المشكلة دائماً في أن المسرح لم يشبهنا، بل في أننا لم نمنحه فرصة لأن يكون شيئاً آخر

شاهد أيضاً

وسط حضور جماهيري كبير نجوم ” مطلوب عائلياً ” يحتفلون بعرضه الخاص في قطر

وغدا بدء عرضه في دور السينما المصرية ..والخميس بدول الخليج كتب / نادر أحمد :في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *