الخميس , 8 أكتوبر 2026

د. عامر عيد يكتب.. ضغوط إيران والحوثيين تدفع الخليجيين لإعادة حساباتهم .. تركيا تستبعد دورًا عسكريًا في اليمن والعسكريون الأمريكيون منقسمون وتقلبات ترامب تبحث عن تحالفات جديدة (4-4)

يبرز الانقسام الداخلي، المأزق المتزايد الذي يواجهه الرئيس ترامب، في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة منخرطة في حرب مع إيران بدأها ترامب لكنه واجه صعوبة في إنهائها، بينما تواجه أيضاً نقصاً في بعض أنواع الأسلحة الرئيسية؛ وكان السعوديون حليفاً مهماً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك طوال فترة الحرب مع إيران؛ وقال ترامب لشبكة فوكس نيوز خلال عطلة نهاية الأسبوع إنه يقرر ما إذا كان سيصعّد الحرب مع إيران، وهو موقف عبّر عنه بصورة متقطعة خلال الأشهر القليلة الماضية؛ ولم يرد البيت الأبيض ولا متحدث باسم السفارة السعودية في واشنطن على طلب للتعليق؛ ورفض البنتاغون التعليق؛ وكانت هناك بالفعل توترات بين الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط بسبب الحرب؛ ففي مايو، فوجئت السعودية بإعلان ترامب عزمه مساعدة السفن على المرور عبر مضيق هرمز، فردت بتعليق قدرة الجيش الأمريكي على استخدام قواعده ومجالها الجوي؛ ثم تراجع ترامب بصورة مفاجئة عن قراره؛ وسبق للولايات المتحدة أن قدمت الدعم للسعوديين من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية، والمساعدة في التخطيط، وإرسال مستشارين عسكريين إلى مواقع متقدمة مع القوات السعودية، بل وتقديم بعض أشكال الدعم اللوجستي.

الأصول الأمريكية والحوثيون

ووفق ما أفادت بهNBC News ؛ غير أن السعوديين طلبوا مراراً من الولايات المتحدة بذل المزيد، بما في ذلك المساعدة في تنفيذ ضربات ضد الحوثيين؛ ولم يكن ترامب قد أبدى اهتماماً بالتحرك حتى يوم الخميس الماضي، عندما أبلغه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال مكالمة هاتفية، أن المملكة لا تستطيع النجاح بمفردها، وذلك بعد سلسلة من التطورات، من بينها استهداف الحوثيين للبنية التحتية السعودية وإسقاط المقاتلة F-15 وتهديدهم بالسيطرة على قطاع النفط اليمني، بحسب أحد المسؤولين الأمريكيين؛ وقال المسؤول إنه بعد المكالمة أمر ترامب الجيش بتقديم خيارات جديدة له لتنفيذ ضربات ضد الحوثيين؛ وعقد رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين اجتماعاً طارئاً في الساعة السادسة مساء داخل غرفة “The Tank” ، وهي غرفة الاجتماعات شديدة التحصين في البنتاغون، لمناقشة الخيارات، بحسب المسؤول لـ “إن بي سي نيوز”؛ كما ألغى كين رحلة إلى كوبنهاغن كان مقرراً أن يلتقي خلالها رؤساء أركان دول حلف شمال الأطلسي.

وقال المسؤول إن مسؤولين عسكريين أمريكيين عرضوا على ترامب، عدة مرات منذ يوم الخميس، خيارات تهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية للحوثيين ووقف تقدمهم الأخير، مضيفاً أن البنتاغون يمتلك ما يكفي من الأصول العسكرية في المنطقة ليكون مستعداً للتحرك إذا صدرت إليه الأوامر بذلك؛ وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد نشرت بعض التفاصيل المتعلقة بعملية اتخاذ ترامب للقرار؛ وتصاعد العنف خلال عطلة نهاية الأسبوع، إذ قال الحوثيون إنهم استخدموا صواريخ وطائرات مسيّرة يوم السبت لمهاجمة مواقع “حساسة” في الرياض ومنشأة تابعة لأرامكو في مدينة ينبع على البحر الأحمر، وهي مركز رئيسي لتصدير النفط؛ وأصدر المتحدث باسم قوات التحالف بياناً يوم السبت قال فيه إن السعودية نجحت في اعتراض وتدمير صاروخ باليستي أُطلق باتجاه الرياض، وإن الحوثيين “يستهدفون المدنيين والبنية التحتية المدنية في العاصمة”؛ كما حققت الجماعة المسلحة تقدماً سريعاً مكّنها من السيطرة على مضيق باب المندب في البحر الأحمر، وهو ممر حيوي آخر للنفط؛ وشكل هذا التقدم تحدياً كبيراً للسعوديين، الذين يعتمدون على هذا الطريق البحري بشكل خاص منذ أن أصبح مضيق هرمز مغلقاً إلى حد كبير خلال الحرب مع إيران.

وسيطر الحوثيون على اليمن في حرب أهلية دموية اندلعت عام 2014 ضد تحالف مدعوم من السعودية؛ وفي عام 2022، تم التوصل إلى هدنة هشة بين الحوثيين والحكومة اليمنية المدعومة من الأمم المتحدة؛ وأعلن ترامب العام الماضي وقفاً لإطلاق النار مع الحوثيين بعد أسابيع من الضربات المكثفة ضد الجماعة المسلحة؛ وبموجب الاتفاق، علقت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية، فيما توقف الحوثيون عن مهاجمة السفن الأمريكية؛ وقال ترامب مؤخراً إن إدارته أجرت محادثات مع الحوثيين، لكنه لم يقدم تفاصيل؛ وقال في وقت سابق من هذا الشهر: “اتصل بنا الحوثيون، وهم لا يريدون القتال معنا؛ وهم يفضلون كثيراً ألا نتدخل”.

السعودية والاتفاق على هرمز

أمضت السعودية أشهراً في إعادة توجيه النفط عبر الصحراء لتجنب مضيق هرمز؛ أما الآن، وبعدما تعطّل مسارها البديل عبر البحر الأحمر بفعل الهجمات، تجد أكبر قوة نفطية في العالم نفسها مضطرة للعودة إلى الممر المائي الذي كانت تحاول تفاديه أصلاً؛ طبقا لما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، تقوم أرامكو السعودية، عملاق النفط الخاضع لسيطرة الدولة، بتحميل كميات أكبر من النفط على ناقلات في الخليج، ثم تخاطر بإرسالها عبر مضيق هرمز؛ كما أبلغت الشركة عدداً من عملائها في آسيا، وهي أهم أسواق النفط السعودي، باستلام شحناتهم من منطقة تقع خارج المضيق قبالة ساحل عُمان، وتكشف هذه المحاولات المحفوفة بالمخاطر لعبور المضيق حجم الصعوبة التي تواجهها الولايات المتحدة وحلفاؤها الخليجيون في إبقاء طرق النفط الحيوية مفتوحة، في وقت تستطيع فيه إيران وحلفاؤها إحداث اضطرابات كبيرة فيها باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة؛ كما تضع هذه التحركات السعودية في مواجهة مباشرة مع إيران التي تهاجم السفن في الممر المائي في محاولة لإغلاقه.

ويوم الاثنين الماضي، أصيب صهريج كان يدخل المضيق بمقذوف مجهول، ما أدى إلى إصابة اثنين من أفراد طاقمه، وفق هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية UKMTO المرتبطة بالبحرية الملكية البريطانية؛ وقالت الهيئة إن ناقلة أخرى أصيبت بحطام؛ وفي وقت سابق من الشهر الجاري، أصيبت ناقلتا نفط عملاقتان تحملان الخام السعودي بمقذوفات مجهولة بفارق دقائق، أثناء خروجهما من هرمز؛ وتتجاوز تداعيات الأزمة السعودية لتصل إلى الاقتصاد العالمي والولايات المتحدة قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر؛ فقد دفعت اضطرابات إمدادات النفط أسعار البنزين والديزل إلى الارتفاع، ما أدى إلى زيادة المخاوف من التضخم؛ وتمكن الجيش الأمريكي من الحد من الهجمات الإيرانية بالقدر الذي يسمح بمرور ملايين البراميل من النفط عبر هرمز يومياً؛ لكن الهجمات التي يشنها الحوثيون المدعومون من إيران، إلى جانب هجمات مصدرها العراق، تقلل أثر هذا التقدم عبر تعطيل طرق أخرى للإمدادات.

هذا تذكير بأن طرق التجاوز ليست محصنة من الفشل؛ وأن جميع الخيارات تنطوي على مشكلات وتكاليف، في ظل ارتفاع أسعار استئجار الناقلات والتأمين بالتوازي مع تزايد المخاطر المادية؛ وتسابق الدول المنتجة في الخليج، من الإمارات إلى العراق، الزمن لإنشاء طرق بديلة لتصدير نفطها؛ وتساعد هذه الحلول في استمرار حركة النفط الخليجي، لكنها في الوقت نفسه تشغل أعداداً كبيرة من الناقلات وترفع تكاليف الشحن؛ وفي الحالة السعودية، لم تنجح هذه الطرق بصورة مستدامة في معالجة الاختناقات التي دفعت إنتاج المملكة النفطي إلى أدنى مستوياته منذ عقود؛ وقد ارتفعت تكلفة نقل شحنة من الخام من ميناء رأس تنورة السعودي داخل الخليج إلى ميناء نينغبو الصيني من نحو 4.5 ملايين دولار إلى قرابة 63 مليون دولار للرحلة الواحدة، بحسب مايكل هاي، رئيس أبحاث السلع في بنك سوسيتيه جنرال الفرنسي؛ من هرمز إلى ينبع… ثم العودة إلى هرمز قبل الحرب مع إيران، كانت السعودية ترسل معظم صادراتها النفطية عبر مضيق هرمز إلى عملائها في آسيا؛ لكن بعدما أدت الهجمات الإيرانية على السفن إلى خنق حركة الملاحة عبر الممر، حولت المملكة ملايين البراميل إلى خط أنابيب الشرق–الغرب وصولاً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر؛ وعندما كثف الحوثيون هجماتهم على السفن المرتبطة بالسعودية حول باب المندب في يوليو.

نظام معقد التفافي، لا يحل المشكلة

أعيد توجيه بعض الشحنات السعودية شمالاً عبر مصر باستخدام قناة السويس ونظام خط أنابيب سوميد؛ لكن الأزمة الأخيرة بدأت بعد هجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق في وقت سابق من سبتمبر وأدت إلى إغلاق خط الشرق–الغرب؛ ومن دونه، أصبحت السعودية تعتمد بصورة متزايدة على نظام أكثر تعقيداً: تحميل الخام في محطة رأس تنورة على الخليج، ونقله بناقلات عبر هرمز، ثم نقل النفط من سفينة إلى أخرى قبالة الساحل العُماني لتتولى ناقلات أخرى توزيعه على العملاء في الأسواق العالمية، قبل أن تعود ناقلات النقل القصير لجلب المزيد؛ وخلال الأسبوعين الماضيين، عاد نحو 2.4 مليون برميل يومياً من الخام والمكثفات السعودية إلى المرور عبر مضيق هرمز، وفق بيانات شركة Kpler لتتبع السفن؛ وهذا مستوى لم يُسجل منذ أوائل يوليو، أي قبل إعلان الحوثيين حصاراً بحرياً على السعودية وبدء استهداف السفن السعودية في البحر الأحمر؛ كما ارتفع متوسط تحميل الخام السعودي من موانئ الخليج خلال أربعة أسابيع إلى أكثر من مليوني برميل يومياً الأسبوع الماضي، مقارنة بمستويات قاربت الصفر خلال معظم يونيو الماضي، وأقل من مليون برميل يومياً في يوليو الماضي، وفق بيانات. Vortexa

وفي المقابل، هبطت عمليات التحميل من موانئ البحر الأحمر إلى الصفر منذ الهجمات على خط الشرق–الغرب في وقت سابق من سبتمبر؛ وكانت السعودية قد بدأت بالفعل تقليص عمليات التحميل من ينبع في أغسطس بعد إعلان الحوثيين أواخر يوليو حصاراً للموانئ والسفن السعودية؛ وقال ريتشارد ماثيوز، مدير الاستشارات والأبحاث لدى شركة الوساطة البحرية E ؛A؛ Gibson: «أنه يرى بالتأكيد السعودية تحمّل المزيد من الخام من رأس تنورة وتنقله ذهاباً وإياباً عبر المضيق”؛ وأوضح أن المملكة لم تكن بحاجة إلى فعل ذلك سابقاً لأنها كانت تمتلك بدائل، أما الآن فتلك الخيارات لم تعد موجودة؛ حتى ناقلات “أسطول الظل” تدخل الخدمة وبحسب ماثيوز، ازداد الطلب على السفن المستخدمة في الرحلات المكوكية إلى درجة أن بعض ناقلات النفط العملاقة التي يبلغ عمرها نحو 20 عاماً بدأت تشارك في هذه العمليات؛ ومن بينها سفن كانت جزءاً من “أسطول الظل” العالمي المكون من ناقلات قديمة استُخدمت لنقل نفط جهات خاضعة للعقوبات.

وتستعد أرامكو للاعتماد بشكل كبير على عمليات النقل هذه في الوقت الراهن، بحسب أشخاص مطلعين تحدثوا لصحيفة “وول ستريت جورنال”؛ وتجري الشركة محادثات مع عملاء في الصين وكوريا الجنوبية واليابان بشأن استلام الخام السعودي قبالة ميناء صحار العُماني؛ وسيتحمل المشترون تكاليف شحن أعلى، لكن يُتوقع أن تعوض المملكة جزءاً على الأقل من تلك النفقات عبر خفض أسعار النفط الذي تبيعه لهم؛ وقال داني سيترينوفيتش، المسؤول السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والباحث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب للصحيفة : “بناء طريق التفافي لا يحل المشكلة بالضرورة، بل قد يؤدي ببساطة إلى خلق مجموعة جديدة من الأهداف”؛ وأضاف: “لا يوجد حل سحري، ولا يمكنك هزيمة الجغرافيا”؛ هل يمكن فعلاً الاستغناء عن هرمز؟، تعقد الهجمات على الطريق البديل في البحر الأحمر الآمال بأن تتمكن دول الخليج ببساطة من إنشاء بنية تحتية تسمح لها بالتخلص من اعتمادها على مضيق هرمز؛ وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد قال هذا الشهر إن إنشاء خطوط أنابيب جديدة سيجعل المضيق خلال عامين “قطعة مياه عديمة القيمة” مع انتقال النفط براً بدلاً من البحر؛ لكن وزير الطاقة القطري سعد شريدة الكعبي رفض هذه الفكرة يوم الأحد خلال منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك؛ وقال: “هذا خاطئ تماماً”؛ وأضاف: “هذا الممر المائي ينقل التجارة في جميع المنتجات، وليس النفط والغاز فقط، من وإلى جميع الدول المطلة عليه”.

تمت،


الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية

شاهد أيضاً

السفير عبدالرحيم شلبي يكتب .. القوى المتوسطة: الواقعية السياسية في عصر التفكك الدولي

عندما عاد مفهوم «القوى المتوسطة» إلى واجهة النقاش الدولى خلال الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *