حين يُحكى عن حرب أكتوبر المجيدة، تتجه الأبصار عادةً نحو زئير الطائرات، وهدير المدفعية، ودخان الانفجارات على ضفاف القناة. غير أن التاريخ العادل يُدرك تماماً أن النصر العظيم لم يُصنع في خطوط النار وحدها، بل بُنيت أركانه في عمق الريف المصري، وبين أحضان الطمي الخصيب الذي حمت أسراره الدلتا ووادي النيل.
لقد خاضت مصر حرب الاستنزاف وأكتوبر وعينها على الجبهة، وأيدي أبنائها تسمر على الفأس والمحراث. لم تكن الزراعة المصرية حينها مجرد قطاع إنتاجي يمد الأسواق بالغذاء، بل كانت شريان الحياة والأمن القومي المجرد، والركيزة الأولى التي اعتمدت عليها الدولة المصرية لتحقيق الاستقلال الغذائي والصمود الاقتصادي وسط حصار استراتيجي وظروف اقتصادية شديدة القسوة أعقبت نكسة عام 1967.
إذا كانت العسكرية المصرية قد قهرت “خط بارليف” المنيع بالماء والبارود، فإن الفلاح المصري قد قهر الجوع والاحتياج بالجهد والعرق، محولاً حقول مصر إلى معسكرات إنتاجية لا تقل جسارة عن خنادق القتال.
استراتيجية الاكتفاء الذاتي: تأمين الرغيف قبل الميدان
في أعقاب نكسة يونيو 1967، كانت مصر تواجه أزمة طاحنة؛ استنزاف في موارد النقد الأجنبي، وتوجه كامل اقتصاد الدولة نحو المجهود الحربي (“لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”). وفي تلك الظروف الحرجة، كان السؤال الاستراتيجي الأهم أمام القيادة المصرية: كيف تطعم أمة تخوض حرب وجود دون أن تقع تحت ضغط الابتزاز السياسي للدول الكبرى؟
هنا تجلت عبقرية التخطيط الزراعي المصري. وضعت وزارة الزراعة بالتعاون مع مؤسسات الدولة خطة طوارئ زراعية صارمة استهدفت زيادة إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية وعلى رأسها القمح، الذرة، والأرز. تم توسيع المساحات المزروعة بالقمح في الدلتا والصعيد، واستنباط أصناف عالية الإنتاجية ومقاومة للآفات بالاعتماد على علمائها الزراعيين في مصر
ولم يكن الفلاح المصري بحاجة إلى أوامر ؛ بل كان يرى في حبه للتراب امتداداً لذات الواجب الوطني. عمل المزارعون ليل نهار في الحقول، وارتفعت توريدات القمح المحلي للصوامع والمطاحن الحكومية لمستويات قياسية، مما مكن الدولة من بناء احتياطي استراتيجي من القمح والمواد الغذائية الرئيسية يكفي البلاد لأكثر من ستة أشهر متواصلة قبل اندلاع حرب أكتوبر 1973.من خلال المنتج المحلي مع المستورد
لقد دخلت مصر الحرب ورغيف خبزها يصنع من طحين أرضها، فلم تستطع أية قوة خارجية أن تمارس عليها ضغوطاً بغذاء شعبها أو جندها، فتوافرت للقرار السياسي والعسكري حرية الإرادة الكاملة لاختيار “ساعة الصفر”.
صمود الريف: قرى الدلتا والصعيد تموّل المجهود الحربي
لم يقتصر دور القطاع الزراعي على توفير الحبوب فحسب، بل امتد ليشمل المنظومة التموينية الشاملة للقوات المسلحة والشعب المصري بأكمله. تم تنظيم سوق التموين الزراعي بدقة متناهية عبر الجمعيات الزراعية والاتحادات التعاونية التي انتشرت في نجوع مصر وقراها.
- إمداد الجبهة بالطاقة والبروتين: تولى القطاع الزراعي والحيواني تأمين الإمدادات الغذائية اليومية لمئات الآلاف من الجنود المرابطين على جبهة القناة. تم توجيه إنتاج المزارع التابعة للدولة والقطاع الخاص نحو تعبئة وتجهيز الوجبات الجافة واللحوم والألبان والأغذية المحفوظة لتصل حازمة وطازجة إلى نقاط الخطوط الأمامية.
- القطن المصري.. الذهب الأبيض في خدمة التسليح: شكل القطن المصري طويل التيلة الركيزة الرئيسية للنقد الأجنبي وصادرات البلاد. وبفضل ثبات المساحات المزروعة وتفاني الفلاحين، حافظت مصر على حصصها التصديرية من القطن لأسواق أوروبا والاتحاد السوفيتي، واستُخدمت عائداته المباشرة في تمويل صفات السلاح وقطع الغيار للجيش المصري. لقد تحولت كل قنطار قطن يُجنى في صعيد مصر وبحري إلى طلقة مدفع أو صاروخ دفاع جوي يحمي سماء الوطن.
- حماية الأسواق الداخلية من الغلاء والتضخم: رغم استنزاف موارد الدولة في الحرب، نجح القطاع الزراعي في ضبط أسعار الخضروات والفواكه والمواد الأساسية في الأسواق المحلية. لم تشهد المدن المصرية أزمات نقص غذاء أو مجاعات كما يحدث عادة في الحروب الكبرى، بل ظلت السلع متوفرة بأسعار محدودة، مما حافظ على الجبهة الداخلية صلبة ومتماسكة خلف قيادتها العسكرية.
الفلاح المقاتل: حارس الثغور وصانع العبور
لا يمكن فصل القطاع الزراعي عن العنصر البشري الذي يحركه. إن السواد الأعظم من أبناء الجيش المصري الذين عبروا القناة في العاشر من رمضان كانوا من أبناء الفلاحين وسكان القرى الذين تربوا على العطاء والتضحية وقوة التحمل.
لقد نقل المقاتل ذو الأصول الزراعية صفات أرضه إلى أرض المعركة:
• الصبر والتحمل: القدرة على البقاء في خنادق سيناء وتحت لهيب الشمس وفي برد الليل القارس دون شكوى.
• الارتباط الوثيق بالتراب: كان المقاتل يعلم أن الحفرة التي يحفرها بأصابعه في رمل سيناء هي نفس التربة التي طالما قلبها بيده في قريته، فكان يدافع عن الشبر من سيناء كأنه يدافع عن حواشة أهله.
• الابتكار العملي: ظهرت روح الفلاح الذكية في التعامل مع طبيعة الساتر الترابي، وفي تجهيز المواقع والمعدات بأساليب بسيطة وحاسمة نجحت في خداع أجهزة الاستطلاع الإسرائيلية.
وفي الوقت ذاته، كانت المرأة الريفية والشيوخ والأطفال في القرى يتولون إدارة المزارع والحقول بكفاءة كاملة نيابة عن الأبناء والإخوة المجندين على الجبهة، لتبقى الأرض خضراء تنتج وتثمر دون توقف.
السد العالي: درع الزراعة وقاطرة التنمية الحربية
تقف ملهمة السد العالي في أسوان كشاهد إستراتيجي فذ على التلاحم بين الزراعة والهندسة والأمن القومي. فلولا السد العالي الذي اكتمل بناؤه قبل سنوات قليلة من الحرب، لما استطاعت الزراعة المصرية الصمود بتلك الكفاءة.
أمّن السد العالي المياه اللازمة للتوسع الزراعي الصيفي والشتوي دون التأثر بتقلبات فيضان النيل، ووفّر الطاقة الكهربائية الهائلة التي أدارت المصانع الحربية ومحطات الري والمصارف في طول البلاد وعرضها. لقد حمت مياه السد العالي مصر من الجفاف، ووفرت الطاقة لجهد الحرب، وسمحت بزراعة مساحات واسعة بمحاصيل الخضر والأرز التي سدت الفجوة الغذائية تماماً خلال سنوات الصراع.
من عبور السلاح إلى عبور التنمية: سيناء خضراء
ولم تنتهِ ملحمة القطاع الزراعي بانتهاء المعارك العسكرية وإعلان وقف إطلاق النار؛ بل بدأت مرحلة جديدة لا تقل جسارة، وهي مرحلة غرس الحياة في سيناء.
أدركت مصر أن حماية سيناء واستردادها بالكامل لا يتوقف عند حدود الاتفاقيات والمعاهدات، بل يتطلب غرس أقدام المصريين في أرضها عبر الاستصلاح والتنمية الزراعية الشاملة.
• تم إطلاق مشروعات ترعة السلام وشمال سيناء لنقل مياه النيل العذبة عبر سحارات أسفل قناة السويس لتروي مئات الآلاف من الأفدنة في أراضي سيناء.
• تحولت أراضي سيناء من صحراء قاحلة إلى واحات تنبض بالحياة، تنتج أجود أنواع الزيتون، الموالح، الأعشاب الطبية، والنخيل.
• أصبحت الزراعة في سيناء هي خط الدفاع الأول والأعتى، لأن تثبيت المواطنين وتوطينهم في أرضهم هو الضمان الحقيقي لأمن مصر القومي على حدودها الشرقية.
درس التاريخ: الزراعة هي الركيزة الأبدية للسيادة الوطنية
إن قراءة دور القطاع الزراعي المصري في حرب أكتوبر توفر درساً استراتيجياً خالداً للأجيال الحالية والمستقبلية: أن الدولة التي لا تملك غذاءها لا تملك قرارها، وأن السيادة الوطنية لا تكتمل إلا بامتلاك الفأس والمدفع في وقت واحد.
لقد أثبت الفلاح المصري والقطاع الزراعي في عام 1973 أن الاقتصاد الزراعي القوي والمستقل هو الجدار الصلب الذي تستند عليه القوات المسلحة لتخوض معاركها بنجاح. وبفضل هذا التكامل الفريد بين ابن الحقل وابن السلاح، استطاعت مصر أن تعبر من ظلمات النكسة إلى نور النصر والحرية.
ستظل الأرض المصرية، بطميها ونيلها وأبنائها، هي المنبع غير المنضب للعزة والكرامة، وستبقى ملحمة الزراعة في حرب أكتوبر صفحة مذهبة في سفر المجد المصري، تؤكد للعالم أن مصر لا تموت، وأن تربتها الطاهرة ستظل دوماً تنبت البطولات والخير والسلام.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
