الجمعة , 9 أكتوبر 2026

د. جيهان رفاعى تكتب.. بينَ القلمِ .. والمِطرقةِ



سوقُ العملِ فى مصر ميدانُ كِفاح، وسَبيلُ نّجاح، فِيهِ تَتَنافسُ العُقول، وتَتَمايزُ الفُصول والمواسم فى جميع القطاعات. مَن سَعى فِيهِ بِالجِدّ طَابَ غَرْسُه، ومَن رَكَنَ إلى الخُمولِ خَابَ أَمْسُه ويَوْمُه ودَهْرُه.
فالعِلْمُ بِلا عَمَل كَشَجَرٍ بِلا ثَمَر، ومَن أَرادَ بُلوغَ الأَمَل، فَعَلَيْهِ بِإتْقانِ العَمَل؛ فاليَوْمَ طَلَبٌ واجْتِهاد، وغَداً كَسْبٌ وارتِياد، ولَنْ يَنالَ المَراتِبَ العَلِيّا، إلّا مَن تَسَلَّحَ بِالمَهارةِ الفَنِّيّة، وتَحَلَّى بِالهِمَّةِ القَوِيَّة.
و ما كنتُ أحسبُ أنني سأرى يوماً يُصبحُ فيهِ القلمُ عاطلاً.. والمِطرقةُ عاملةً!
فقد علّمنا آباؤنا أن الشهادةَ هي المفتاحُ، وأن الوظيفةَ هي البابُ، فأفنينا أعمارنا في جمعِ المفاتيحِ.. حتى اكتشفنا أن الأبوابَ قد غُيّرت!
وإذا بالدولةِ نفسها تقولُ لنا: انتهى زمنُ التعيينِ.. وانتهى معه زمنُ الاتكاءِ. لم أعد أملكُ لكم وظيفةً.. بل أملكُ لكم ميداناً، فمن شاءَ فليصنعْ وظيفتهُ بيديهِ.
فاختلّ الميزانُ.. صرنا نُكدّسُ الشهاداتِ في البيوتِ كما تُكدّسُ التحفُ في المتاحفِ.. يُنظرُ إليها ولا يُنتفعُ بها، فعندنا فائضُ شهاداتٍ.. وعجزُ مهاراتٍ.
الكلُ يريدُ أن يجلسَ على كرسيٍّ وثيرٍ.. ولا أحدَ يريدُ يعنى بالمسير، ويهربون من وعثاء الترميم، ولا أحد يقبل التعب العسير!
بلادنا تصرخُ تريدُ كهربائياً أميناً، ونجاراً مُتقناً، وصانعاً ماهراً.. فلا تجد فى الميدان إلا حشودا تلوح بشهاداتها، يفتشون عن مقاعد وارفة الظلال، فلا يلبى النداء سوى جحافل مدججة بالشهادات، وعيونهم شاخصة نحو رغد المكاتب و الاسترخاء.
لقد احتقرنا المهنةَ الحرة والمطرقة فلفظنا سوقُ العملِ بواقعه، وبقينا أسرى مكاتب بلا فرص وشهادات بلا أثر، حتى عجزت المكاتب عن استيعابنا.. وما عرفنا أن الأممَ لا تُبنى بالمحابرِ وحدها.. بل تُبنى بالمعاولِ أيضا.
وجاء الذكاءُ الاصطناعيُّ.. فظنهُ الجاهلُ خصماً يأخذُ لقمتهُ، وعرفهُ العاقلُ سلاحا يُضاعفُ إنتاجهُ.
هو لا يأخذ من يدك اللقمة..بل يضاعف فى يدك البركة، هو لا يُلغي ساعديك.. بل يُقوّيها، ولا يطردُ العقلَ.. بل يُنيرهُ، فمن تعلمهُ.. سبقَ الزمانَ، ومن جهلهُ.. سبقهُ الزمانُ.
وإن الجامعةَ التي لا تزرعُ أدواتهِ في عقولِ طلابها اليومَ.. ستحصدُ بطالتهم غداً، فنحن لا نريدُ حافظاً للمعلومةِ.. بل صانعاً بها.
فلم يعدِ الرزقُ حبيسَ مكاتبٍ، ولا رهينَ توقيعِ حضورٍ وانصرافٍ.
مثلا..فتىً في قريةٍ نائيةٍ.. يبيعُ تصميمهُ في برلينَ، وفتاةٌ في صعيدٍ مصر.. تُترجمُ كتابها لسوقٍ في دبي.
لقد صعدَ سوقُ العملِ الحرِّ عن بُعدٍ.. لأنه حرر الناس من قيود الوظيفة الثابتة والمدير، واختصر مشقة التنقل اليومى وعناء الطرقات. وأثبتَ أن الرزقَ لم يعد له بابٌ واحدٌ.. بل له أبوابٌ بعددِ الأفكارِ.

فأينَ الطريقُ للنهوضِ؟النهضة ليست فى وظائف الوجاهة..بل فى وظائف الحاجة.
إن بلادنا اليومَ لا تريدُ من يكدس الأوراقَ.. بل من يزرعُ الفدانَ بذكاءٍ، ويُديرُ مصنعاً بطاقةٍ نظيفةٍ، ويُبرمجُ تطبيقاً يُصدَّرُ تكنولوجيا .
تريدُ زراعةً ذكيةً وصناعةً تُغني، وتكنولوجيا تبقى.
ولا نهوضَ ونصفنا غائبٌ.. فالمرأةُ التي أدارت بيتاً في الأزمةِ.. قادرةٌ أن تُديرَ مصنعاً في النهضةِ، ودمجها ليس منّةً من أحدٍ.. بل هو استردادٌ بعد إقصاء لنصفِ العقلِ ونصفِ المجتمع.
للأسف يَقِفُ سوقُ العملِ في مِصْر اليَوْمَ بَينَ طُموحِ الشَّبَاب وقيود الشهادات، فَهُوَ بَحْرٌ مُتَلاطِمُ الأَمْواج، فِيهِ فُرَصٌ واعِدَة وتَحَدّياتٌ جَامِدَة. لذلك أن تَشْخِيصَ الدَّاءِ هُوَ أَوَّلُ خُطُواتِ الدَّوَاء، لِيَنْهَضَ شَبَابُ النِّيلِ بِالعَزِيمَةِ والبناء.
إِنَّ النَّاظِرَ في حَالِ السُّوقِ يَرَى خَلَلاً ظَاهِراً، يُعِيقُ جُهْداً طَاهِراً؛ وتَتَلَخَّصُ الأَسْبَابُ في الأتى:

  • فَجْوَةُ المَهَارَات: فالمَنَاهِجُ التَّعْلِيمِيَّةُ في واد، والمُتَطَلَّبَاتُ الصِّنَاعِيَّةُ في واد؛ تَلْقِينٌ نَظَرِيٌّ عقيم، يَفْتَقِرُ إلى التَّطْبِيقِ العَمَلِيِّ الرَّشِيد.
  • ثَقَافَةُ المَظَاهِر: حَيْثُ يُقْبِلُ الشَّبَابُ على الشَّهَادَاتِ العَلِيَّا، ويَزْهَدُونَ في الحِرَفِ والمِهَنِ الفَنِّيَّة، مِمَّا أَحْدَثَ بَطَالَةً بَينَ الخِرِّيجِين، ونَقْصاً في الأَيْدِي العَامِلَةِ والمُصَنِّعِين.
  • القطاع غير الرسمي: وُجُودُ مَلَايينِ العُمَّالِ بِلَا تَأْمِينٍ يَحْمِيهِم، ولا نِظَامٍ رَسْمِيٍّ يُؤْوِيهِم؛ مِمَّا يَجْعَلُ الاسْتِقْرَارَ مَفْقُوداً، والتَّطَوُّرَ المِهَنِيَّ محدودا.

ولِكَي نَعْبُرَ بِالسَّفِينَةِ إلى بَرِّ الأَمَان، فَلَا بُدَّ مِنْ تَضَافُرِ الجُهُودِ في كُلِّ آن، وعِلَاجِ الأَمْرِ بِفِكْرٍ مُسْتَنِير، يَقُومُ على رَكِيزَتَينِ لَا غَيْر:

  • ثَوْرَةُ التَّعْلِيمِ والتَّدْرِيب: تَعْدِيلُ المَسَارِ بِدَعْمِ التَّعْلِيمِ التَّكْنُولُوجِيِّ والفَنِّيّ، وتَوْجِيهِ الشَّبَابِ نَحْوَ التَّدْرِيبِ الرَّقْمِيِّ والذَّكِيّ.
  • الرِّيَادَةُ والعَمَلُ الحُرّ: نَشْرُ ثَقَافَةِ المَشْرُوعَاتِ الصَّغِيرَة، ودَعْمُ المَهَارَاتِ المُسْتَقِلَّةِ والأَثِيرَة (Freelancing)؛ لِيَكُونَ الشَّابُّ صَاحِبَ عَمَلٍ ومُبْتَكِراً، لَا طَالِبَ وَظِيفَةٍ مُنْتَظِراً.
    إِنَّ سوقَ العَمَلِ المِصْرِيَّ مَنْجَمٌ ذَهَبِيٌّ لَا يَنْضَب، إِذَا أُحْسِنَ تَوْجِيهُ شَبَابِهِ الأَنْجَب. فَالمُسْتَقْبَلُ لِمَنْ تَعَلَّمَ فَتَمَيَّز، وتَدَرَّبَ فَتَحَفَّز، ولَنْ تَعْدَمَ أُمَّةٌ مَا دَامَ العَقْلُ يَبْتَكِر، والسَّاعِدُ يصنع ويكدح.
    ونحن لا نطلبُ أيَّ عملٍ.. بل نطلبُ عملاً لائقاً، يحفظُ الكرامةَ قبلَ الراتبِ، ويصونُ الإنسانَ قبلَ أن يزيد الإنتاجِ، فما قيمةُ تنميةٍ مستدامةٍ.. تُهينُ من تُنميهِ؟
    والجرحُ الذي لا يندملُ..
    أن شبابنا يطرقُ أبوابَ السفاراتِ.. ووطنهُ يطرقُ بابهُ!
    يبحثُ عن وطنٍ هناكَ.. ووطنهُ هنا يبحثُ عنه!
    فيا شبابَ مصرَ..
    إن بلادكم لا تريدُ حقائب رحيلكم ولا جوازَ سفركم.. بل تريدُ عرقَ جبينكم.
    لا تريدُ هجرتكم.. بل تريدُ همتكم.
    فلا تقولوا: ضاقت بنا بلادنا.. بل قولوا: ضاقت بنا أحلامنا.
    واعلموا أن الرزقَ لا يُستجدى على أبوابِ الحكومةِ.. بل يُنتزعُ انتزاعاً من قلبِ الصخرِ بالإرادةِ.
    فعظموا أحلامكم..يتسع لكن سوقكم..ويتسع لكم وطنكم.

شاهد أيضاً

سامى حربى يكتب.. كلمتين وبس

السر فى مصر فى كل المواقف والازمات هو سلاح خطير صلب قوى متين يسمى سلاح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *