السبت , 10 أكتوبر 2026

لواء دكتور سمير يكتب .. فرج شاهد على حرب أكتوبر 1973

وكان يفصل بيني وبين دفاعات العدو الإسرائيلي في خط بارليف مسافة 200 متر فقط، هي عرض القناة. وتعرضت خلال السنوات الست، وخاصة في حرب الاستنزاف، لمختلف أنواع التراشق بالنيران، بدءًا من نيران الأسلحة الصغيرة ودانات الهاون، ثم نيران المدفعية، وصولًا إلى الهجمات الجوية، وكان آخرها إلقاء قنابل النابالم على موقع سريتي.
وخلال هذه الفترة عاصرت تهجير أبناء بلدي بورسعيد، ومعهم أبناء الإسماعيلية والسويس، الذين تركوا منازلهم وهم لا يعلمون إلى أين هم ذاهبون. فالأطفال تركوا مدارسهم وأصدقاءهم، وعاشت عائلات من بورسعيد في عشش رأس البر.
ورفض والدي ووالدتي ترك مدينة بورسعيد، وعندما كنت أزورهما هناك في إجازتي من الجبهة، كنت أنزل وأتجول في مدينتي الحبيبة بورسعيد، التي أصبحت خالية من البشر، ليس فيها إلا رجال القوات المسلحة، وخاصة أبطال الدفاع الجوي، الذين أدوا بطولات عظيمة خلال هذه الفترة ضد هجمات العدو الجوية على مدينة بورسعيد، حيث كانت خارج مدى حائط الصواريخ المصري.
كذلك كان الدعم الشعبي للقوات المسلحة عظيمًا، وما زلت أتذكر مرحلة بناء حائط الصواريخ، حيث كان أبناء ورجال “المقاولون العرب” هم الذين يبنون دشم حائط الصواريخ. وفي إحدى الليالي، هاجم الطيران الإسرائيلي أحد المواقع أثناء تجهيزه بواسطة العمال، وبعد انتهاء الغارة، طلب مني قائد الكتيبة أن أذهب إلى مكان البناء لتقديم أي عون قبل وصول عربات الإسعاف من مستشفى فايد العسكري.
ووصلت إلى هناك، وكانت المأساة؛ حفرة أحدثتها دانة زنة ألف رطل ألقتها الطائرات الإسرائيلية، وبداخلها عشر جثث للعاملين، لا يمكن أن تتعرف على الرؤوس لمن، ولا الأيدي والأرجل لمن. ولكن كانت العظمة في صباح اليوم التالي، عندما جاءت الوردية الجديدة لتستمر في بناء وإنشاء الموقع، وكانت تلك رسالة إلى العدو الإسرائيلي بأن الشعب المصري هو الذي يحارب جنبًا إلى جنب مع رجال القوات المسلحة.
وخلال حرب الاستنزاف، كنا نتدرب على الأسلحة الجديدة التي وصلتنا من الاتحاد السوفيتي. كنا نذهب إلى بحيرة قارون في معسكر لعدة أسابيع، نتدرب على العبور باستخدام المركبات المدرعة البرمائية الجديدة. وكانت المرة الأولى التي نستخدم فيها هذه المركبات، وبدأنا نتعلم السباحة بها في مياه بحيرة قارون نهارًا، ثم نتدرب ليلًا، ثم الرماية نهارًا أثناء العبور، والرماية ليلًا، وهكذا كان الاستعداد لعبور قناة السويس.
ثم كانت المناورات الكبرى بالقوات والأسلحة على أحد أفرع النيل في دلتا مصر. كل ذلك ونحن ننتظر اليوم الموعود لعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف في اتجاه سيناء الحبيبة، ورفع العلم المصري فوق أرض الفيروز.
وجاءت لحظة السادس من أكتوبر 1973، وشاهدت أحداث الحرب من داخل غرفة عمليات القوات المسلحة، حيث كنت أصغر ضابط في هذا المركز.
وعرضت خلال كتابي هذا جميع اللحظات والأحداث في هذه الحرب، منذ وصول الرئيس السادات بزيه العسكري في الثانية عشرة ظهرًا، ليتابع بدء أعمال القتال والضربة الجوية. وأتذكر أنه بعد نجاح الضربة الجوية، قام المشير أحمد إسماعيل بإبلاغ الرئيس السادات باستشهاد شقيقه، الطيار عاطف السادات، ضمن قوات الضربة الجوية، خلال مهاجمته مطار المليز الإسرائيلي.
وتمضي أجمل اللحظات ونحن نتلقى بلاغات سقوط نقاط خط بارليف، ورفع العلم المصري على أرض سيناء، ثم فتح رجال المهندسين الساتر الترابي، ثم نزول الكباري، في الوقت الذي نجحت فيه فرق المشاة الخمس في عبور القناة وصد احتياطيات العدو المدرعة الإسرائيلية، والكل متشبث بأرض سيناء.
وبدأ عبور الدبابات والمدفعية إلى الضفة الشرقية للقناة، وإنشاء رؤوس الكباري للفرق الخمس، وأصبح لدينا 300 ألف مقاتل على الضفة الشرقية للقناة، ونجح حائط الصواريخ المصري في منع الطائرات الإسرائيلية من التدخل في عملية العبور.
واختُتمت هذه الحرب بمعركة السويس، التي منعت الجيش الإسرائيلي من دخول المدينة، وهي معركة عظيمة يذكرها التاريخ، خاضها أبناء المقاومة الشعبية ورجال القوات المسلحة.
وكان أكبر شاهد على ذلك الدبابات الإسرائيلية المحترقة عند مدخل مدينة السويس.
وهكذا عرضت في هذا الكتاب أحداث هذه الحرب، حيث كنت شاهدًا على حرب أكتوبر 1973؛ الرائد سمير فرج، أحد أبناء العسكرية المصرية.
ولعل أهم ما عرضته في هذا الكتاب هو مناظرتي، التي تمت على شاشات قناة “BBC” في إنجلترا، مع الجنرال شارون، وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، حول حرب أكتوبر 1973. ولعل أهم ما جاء في هذه المناظرة ليس حصولي على ثماني نقاط من معهد الدراسات الاستراتيجية، الذي كان يحكم على هذه المناظرة، مقابل حصول شارون على أربع نقاط، ولكن الأهم كان إجابة الجنرال شارون عن سؤال من جانب معهد الدراسات الاستراتيجية: ما أهم مفاجأة قدمها المصريون في هذه الحرب؟
وكانت إجابته واضحة ومفاجئة: “هي الجندي المصري الجديد الذي قابلته في تلك الحرب، لم يكن ذلك الذي قابلته في حربي 1956 و1967، هذا الجندي المقاتل الشجاع”.
وحكى أن ثمانية جنود من الكوماندوز وقفوا أمام عشر دبابات إسرائيلية، وهم متأكدون من استشهادهم. وأضاف أنه يجب على جيش الدفاع الإسرائيلي أن يعرف أنه في أي حرب قادمة سيقابل جنديًا مصريًا جديدًا لم يقابله من قبل.
وهكذا يصبح هذا الكتاب وثيقة مهمة تقدم للقارئ المصري شهادة عما حدث في حرب أكتوبر 1973.
Email: sfarag.media@outlook.com

شاهد أيضاً

د. حَمَادَةَ السَّيِّدِ عَلِيٍّ يكتب .. حِينَ صَاغَتْ دِمَاءُ المِصْرِيِّينَ مَلْحَمَةَ أُكْتُوبَرَ الخَالِدَةَ

لَمْ تَقْتَصِرْ حَرْبُ أُكْتُوبَرَ عَلَى سِتِّ سَاعَاتٍ، وَلَمْ تَنْتَهِ فُصُولُ إِنْجَازَاتِهَا بِانْقِضَاءِ السَّادِسِ مِنْ أُكْتُوبَرَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *