السبت , 10 أكتوبر 2026

د. عادل عامر يكتب .. تجارة الخردة في مصر.. اقتصاد بالمليارات يعمل بعيدًا عن الضوء

تجارة الخردة في مصر ليست مجرد نشاط هامشي يقوم على جمع الأشياء القديمة وإعادة بيعها، وإنما هي صناعة متكاملة تتحرك في مساحة واسعة بين الاقتصاد غير الرسمي والاقتصاد الرسمي، وتدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في سلاسل إنتاج العديد من الصناعات.

من حديد التسليح والمواسير وقطع الغيار، إلى علب المشروبات المعدنية والنحاس والألومنيوم والورق والبلاستيك، تتحول المخلفات التي قد يراها البعض عديمة القيمة إلى سلعة لها سعر وسوق وتجار ومخازن ومصانع تعتمد عليها في توفير جزء من احتياجاتها من المواد الخام.

وتقوم هذه التجارة في جوهرها على دورة بسيطة لكنها واسعة التأثير: جمع، ثم فرز، ثم تصنيف، ثم نقل، وأخيرًا بيع إلى مصانع إعادة التدوير أو إلى تجار أكبر. وبين كل مرحلة وأخرى تتولد قيمة اقتصادية وفرص عمل ودخل لآلاف الأسر.

اقتصاد غير رسمي.. لكنه ليس بلا قيمة

تكمن المفارقة في أن قطاع الخردة يعمل في جزء كبير منه خارج الأطر الرسمية، رغم أنه يؤدي وظيفة اقتصادية مهمة. فهو يمتص كميات ضخمة من المخلفات، ويعيد إدخال المواد القابلة للاستخدام في الدورة الإنتاجية بدلًا من التخلص منها.

وهنا تظهر أهمية النظر إلى تجارة الخردة باعتبارها جزءًا من اقتصاد إعادة التدوير والاقتصاد الدائري، وليس مجرد تجارة عشوائية. فكل طن من الحديد أو النحاس أو الألومنيوم تتم استعادته وإعادة تدويره يمثل مادة خام يمكن أن تحل محل جزء من المواد الأولية الجديدة، بما يساهم في خفض تكلفة الإنتاج وتقليل الضغط على الموارد الطبيعية.

من جامع الخردة إلى المصنع

وراء قطعة الخردة التي تباع في أحد الأسواق توجد سلسلة اقتصادية كاملة. يبدأ الأمر غالبًا بجمع المخلفات المعدنية أو الصناعية من الورش والمصانع والمباني ومواقع الإنشاءات، ثم يقوم التجار بفرزها حسب النوع والجودة، وبعد ذلك تنتقل إلى تجار أكبر أو إلى ساحات ومخازن متخصصة، قبل أن تصل في النهاية إلى مصانع الصهر أو إعادة التدوير. هذه السلسلة توفر مصدر دخل لعدد كبير من العاملين، من عمال الجمع والفرز إلى سائقي النقل وأصحاب المخازن والتجار والمصانع.

المشكلة ليست في تجارة الخردة.. وإنما في تنظيمها

التحدي الحقيقي لا يتمثل في وجود تجارة الخردة، وإنما في أن جزءًا كبيرًا منها يعمل خارج المنظومة الرسمية، بما يخلق مشكلات تتعلق بالفواتير والضرائب وتتبع مصادر بعض الخامات وحماية المنافسة المشروعة. كما أن غياب التنظيم الكافي قد يسمح بتسرب بعض المواد المسروقة إلى الأسواق، خصوصًا المعادن وقطع المعدات والمنشآت، وهو ما يجعل تتبع مصدر الخردة وإثبات ملكيتها قضية اقتصادية وأمنية في الوقت نفسه. ومن ثم فإن مواجهة المخالفات لا ينبغي أن تعني القضاء على تجارة الخردة، وإنما يجب أن تستهدف تنظيمها ودمج الجزء المشروع منها في الاقتصاد الرسمي.

فرصة اقتصادية لا يجب إهدارها

يمكن لمصر أن تحول هذا النشاط من اقتصاد يعمل بعيدًا عن الضوء إلى قطاع منظم لإعادة التدوير، من خلال تبسيط إجراءات الترخيص، وتشجيع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتوفير حوافز ضريبية للأنشطة الملتزمة، وإنشاء قواعد بيانات وحركة إلكترونية للمعادن والخامات القابلة لإعادة التدوير. كما يمكن دعم إنشاء مناطق أو مجمعات متخصصة لتجميع وفرز وتصنيف الخردة، بما يرفع كفاءة القطاع ويقلل الفاقد ويزيد من قدرة المصانع على الحصول على خامات معاد تدويرها بصورة منتظمة. الخردة.. من المخلفات إلى الثروة

إن التعامل مع الخردة باعتبارها «مخلفات» فقط هو نظرة اقتصادية قديمة. ففي الاقتصاد الحديث أصبحت المخلفات القابلة لإعادة الاستخدام أصلًا اقتصاديًا يمكن استرداد قيمته مرات عديدة.

والسؤال الحقيقي لم يعد: كيف نتخلص من الخردة؟

بل أصبح: كيف نحول الخردة إلى صناعة منظمة توفر فرص العمل، وتدعم الصناعة الوطنية، وتقلل فاتورة استيراد بعض الخامات، وتحافظ على الموارد؟ فتجارة الخردة، رغم أنها تبدو في ظاهرها تجارة بسيطة، تكشف في حقيقتها عن أحد أهم التحولات التي يحتاجها الاقتصاد المصري: تحويل الاقتصاد غير الرسمي من عبء يصعب قياسه إلى قطاع رسمي منتج يمكن تنظيمه وتمويله وفرض الرقابة عليه والاستفادة من طاقته الاقتصادية.

التوازن الاقتصادي في تجارة الخردة

لا يتحقق التوازن الاقتصادي في تجارة الخردة بمجرد ارتفاع أسعار المعادن، وإنما يتحقق عندما تتوازن قيمة الخردة مع تكلفة جمعها وفرزها ونقلها وإعادة تدويرها، مع تحقيق هامش ربح عادل لجميع أطراف السلسلة التجارية. فجامع الخردة يبحث عن سعر شراء يسمح له بتحقيق عائد مناسب بعد تحمل تكاليف النقل والعمالة والفرز، بينما يبحث التاجر عن هامش ربح يغطي تكاليف التخزين والمخاطر وتقلبات الأسعار، في حين يحتاج المصنع إلى الحصول على الخامة المعاد تدويرها بسعر ينافس تكلفة الخام الجديد أو المستورد.

ومن هنا فإن سعر الخردة ليس سعرًا ثابتًا، وإنما هو نتيجة تفاعل عدة عوامل، أهمها أسعار المعادن عالميًا، وحركة سعر الصرف، وتكاليف الطاقة والنقل، وحجم الطلب الصناعي، ونوعية الخردة ونسبة الفاقد فيها.

أين يكمن الخلل؟

المشكلة تظهر عندما يختل هذا التوازن في أحد الاتجاهين. فإذا ارتفع سعر الخردة بصورة مبالغ فيها، ترتفع تكلفة مدخلات الإنتاج على المصانع، وقد ينتقل ذلك في النهاية إلى أسعار المنتجات. أما إذا انخفض سعر الخردة بصورة غير عادلة، فإن جامع الخردة والتاجر الصغير يتحملان الخسارة، وقد يتجه النشاط إلى مزيد من العشوائية والتهرب من التسجيل والضرائب. والأخطر من ذلك أن ضعف الرقابة على السوق قد يؤدي إلى دخول خردة مجهولة المصدر، وهو ما يضر بالتجار الملتزمين ويخلق منافسة غير عادلة.

الخردة كجزء من الاقتصاد الدائري

التوازن الحقيقي لا ينبغي أن يكون بين البائع والمشتري فقط، وإنما بين الاقتصاد والبيئة والصناعة والمجتمع. فكلما نجحت الدولة في تنظيم جمع وفرز الخردة وإعادة تدويرها، أمكن تحويل المخلفات إلى مورد اقتصادي، وتقليل حجم النفايات، وتوفير خامات للصناعة، وخلق فرص عمل، وتقليل الاعتماد على بعض الخامات المستوردة. وبالتالي فإن الهدف ليس مجرد زيادة تجارة الخردة، وإنما بناء سوق خردة منظم وشفاف وعادل، يعرف فيه كل طرف تكلفة نشاطه وسعره وهامش ربحه، وتعرف الدولة حجم هذا النشاط وقيمته الحقيقية. وهنا تصبح الخردة من اقتصاد هامشي غير رسمي إلى أحد مكونات الاقتصاد الدائري والإنتاجي في مصر.

دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي

ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري

وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا


شاهد أيضاً

د. محمد الطواب يكتب ..حرب اكتوبر – العزة و الكرامةحلقة (4)

من الملفات السرية لحرب 6 اكتوبر-1من الحق و من الواجب ان تُفتح ملفات حرب اكتوبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *