الإثنين , 12 أكتوبر 2026

د. جيهان رفاعى تكتب .. الإنسان.. هو الرقم الصحيح فى معادلة التقدم



أثناء الزيارةٍ الرسميةٍ للرئيسِ عبد الفتاح السيسى إلى كوريا، تداولتْ وسائلُ الإعلامِ والصحافةِ مشهداً رأيتهُ بعيني في التلفازِ صوتاً وصورةً، رأيت الكوريين- أهل المصانع والمحافل، منبع الصناعة والبراعة، وأصحاب النهضة والصدارة، يصطفون ليستقبلوا رئيس مصر لم يجدوا أبلغ من فن مصر ليرحبوا به، حفظوا لحنا مصريا خالصا وغنوه بقلوبهم قبل ألسنتهم: “فيها حاجة حلوة”، وقد فعل الصينيين أهل الزرع والضرع هذا الفعل سابقا كما فعل الكوريين، فحفظوا أغنية “بسبوسة” المصرية و رددوها إعجابا بالفن المصرى الذى يعبر الحدود بلا جواز سفر. فأدهشني وأبكاني هذا المشهد وأيقظَ في قلبي شعورا بالفخر والاعتزاز.
لم تكنْ أغنيةً عابرةً، بل كانتْ رسالةً حاضرةً، و شهادةً سافرةً، واعترافا يقر: أن المصرى إذا زرع أينع، وإذا صنع أبدع، وإذا غنى أسمع الدنيا كلها. بأنَّ في مصرَ شيئاً حلواً يراهُ الغريبُ قبلَ القريبِ.
فيا للعجب العجاب! ويا للسحر المستطاب!
فأى سر أودعه الله فى هذه الأرض الطيبة؟
وأيُّ سرٍّ في هذا الإنسانِ المصرى؟ وأيُّ سحرٍ فى هذا الفن المصرى؟

وأنا – وما أنا إلا باحثة زراعية في حقل العلم، أُقلبُ بيدي الترابَ وبيدي الأخرى الكتابَ، أقف بين سنبلة وقلم، وبين بذرة وهمم، فأرى بعينى ما لا يراه الشاكى. أرى الأرض تشتكى العطش وهى تجود، والفلاح يشكوا القلة وهو يعطى، وأرى البذرةَ كيفَ تشقُّ الصخرَ لتُثبتَ أنَّ الإرادةَ أقوى من الظروفِ- أقولُها بيقينِ الزارعِى الذي يعرفُ موسمَ الحصادِ: أن الإنسانُ هو الرقمُ الصحيحُ في معادلةِ التقدمِ.
قلت فى نفسى: لو أن كل يد تشتكى، زرعت، ولو أن كل لسان يندب، غرس، لأصبحت مصر جنة يتغنى العالم بها ويقال “كل حاجة فيها حلوة.”
الكوريُّ عندما غنى لمصر، لم يغنى كلمات، بل سطر شهادة بأن إرادة المصرى قادرة أن تبهر العالم. والصينيُّ غنى “بسبوسة” لأنهُ وجدَ في المصريِّ روحاً تُحلي الأيامَ المرةَ. وإقرارا بأن خفة روح المصرى وبساطته قادرة أن تدخل كل قلب.

فمعادلةُ التقدمِ ليستْ حديداً وآلاتٍ، بل إنساناً وهمماً. ليستْ استيراداً وتصديراً، بل زرعاً وإصراراً. فالأرضُ بلا زارعٍ بورٌ، والمصنعُ بلا صانعٍ قفرٌ، والوطنُ بلا إنسانٍ يعرفُ دورَهُ.. جسد بلا روح.
التساؤل: فهل نفعلها؟
هل نعود لنكون كما كنا..الرقم الصعب الذى يحسب له العالم حسابا؟
ماذا لو تحولتِ الشكوى إلى عملٍ؟ فكانَ الفأسُ جواباً، والمحراثُ خطاباً.
ماذا لو تحولتِ الشكوى إلى إنتاجٍ؟ فزرعنا ما نأكلُ، وصنعنا ما نلبسُ.
ماذا لو تحولتِ الشكوى إلى إبداعٍ وإيثارٍ؟ فأبدعَ الكيميائى في معملهِ، والمهندسُ في مصنعهِ، والفلاحُ في حقلهِ، وآثرَ كلُّ واحدٍ منا مصلحةَ وطنهِ على راحتهِ.
ماذا لو اكتشفَ الإنسانُ في مصرَ دورَهُ في هذهِ الحياةِ؟
لو اكتشفَ أنه ليسَ عابراً في سوقِ الأممِ، بل هو التاجرُ الرابحُ. وليسَ هامشاً في كتابِ التاريخِ، بل هو العنوانُ والمتنُ. وليس متفرجا فى مسرح الحياة، بل هو البطل الذى إذا ظهر، صفق له الجميع.
الشكوى لا طائلَ منها إلا ما نحنُ فيه الآن. نشتكى الزحام والغلاء والضيق والبلاء. نشتكى الصباح إذا أشرق، والمساء إذا أظلم. حتى صارت الشكوى لنا حرفة، والتذمر لنا هواية.
ماذا لو تحولت الشكوى إلى عمل؟ فكان التذمر إتقانا، والتأفف إنجازا.
فالشكوى لا تبنى بيتا، ولا تزرع حقلا، ولا تعلم جاهلا. الشكوى تورث الهم، وتجلب الغم، وتحبط الهمم.
الشكوى تُبقي الكوريَّ يصنع وحده، والصينيَّ ينتج وحده، ونحنُ نسمع ونصفق.
يا لها من “لو” لو تحققت ! لانقلب الضعف قوة، والعجز قدرة، والقنوط أملا.
إن المشكلة ليست فى قلة الموارد، بل فى غياب الإرادة. وليست فى ضيق ذات اليد، بل فى ضيق ذات النفس.
ماذا لو اكتشف الإنسان فى مصر دورة فى هذه الحياة؟
لو علم أن الله لم يخلقه ليشتكى، بل ليعمر. ولم يوجه ليندب حظه، بل ليصنع مجده.
فالحل يكمن فى ثلاث:
أولا: إرادة لا تلين: أن نقول “سنفعلها” لا بألسنتنا، بل بأيدينا.
ثانيا: عمل لا ينقطع: فالعمل عبادة، والإنتاج جهاد، والإبداع صدقة جارية.
ثالثا: إيثار لا ينضب: فلا تتقدم أمة يأكل قويها ضعيفها، بل تتقدم أمة يحمل قويها ضعيفها
يا أيها الإنسانُ المصريُّ..
الحمد لله الذى خلقك فى أحسن تقويم، واستعمرك فى أرضه لتسير على الصراط المستقيم، وأودع فيك سر التغيير والتقديم. أن العين لتدمع حيال نفس يقضيه المرء فى الشكوى والتذمر، وإن النفس لتأبى إلا أن تتطلع إلى فجر العمل والتدبر، فما نفعت الشكوى باكيا، ولا غير العويل واقعا، وما جنى الشاكون من أنينهم إلا العجز والخسران، ولا حصدوا من كسلهم إلا التأخر والخذلان، وأنظر يمينا ويسارا، لترى شعوبا غنت للأمل فعملت، وزرعت فى جدب الصعاب فحصدت، ولم يكن ذلك منهم بالدعاوى الجوفاء، بل بالدأب والصبر الجميل … ما أحوج الإنسان فى مصر مهد الحضارات أن يكتشف دورة المرسوم، وينفض عن كاهله غبار الهموم، فلو تحولت الشكوى جهدا وإبداعا، واستحالت الآهات إيثارا وإنتاجا، لفتحنا لأمتنا مغاليق السماء، ولشيدنا لمصرنا منابر العلياء، فهل نفعلها وتهتز العزائم، أم نبقى أسرى لشكوى النوادم؟
فيا من رأيتُ العالمَ يحفظُ لحنَكَ على شاشةِ التلفازِ.
إنَّ العالمَ لم يحفظْ لحنَكَ عبثاً، بل حفظهُ لأنهُ وجدَ فيكَ شيئاً حلواً لم يجدهُ في آلاتِ مصانعهِ.
فلا تكنْ أنتَ الشخص الوحيدَ الذي يشكك فى قيمته، بينما يرى الجميع فيك شيئا جميلا، فلا تخذل نفسك بالإنكار.
قُم.. فإذا أرادَ الإنسانُ فعلَ، وإذا فعلَ المصريُّ.. أزهل الدنيا كلها.

فهل تفعلها؟؟؟؟؟

شاهد أيضاً

أمنية القطان تكتب.. نعيم التغيير

حين تصبح الحياة أجمل لأنك أصبحت أوعىهل جربت قبل كده تستمتع بالتغيير بدل ما تخاف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *