الأحد , 18 أكتوبر 2026

حجاج أول عويشة تكتب.. حين يزهر المستحيل


لطالما أحرجتني أمام الحضور،
بابتسامةٍ ساخرةٍ، تسردُ نجاحي المحظور،
كأنَّ الحلمَ في عُرفِها جريمةٌ،
وكأنَّ طموحي خروجٌ عن حدودِ المألوفِ والمأثورْ.
كانت ترى مكاني في بيتِ الجهلِ المهجور،
وتحسبُ أنَّني خُلقتُ لأعيشَ على هامشِ الحياة،
أُحصي خيباتي، وأدفنُ في صدري الأمنيات،
وأنتظرُ فارسًا يطرقُ البابَ ذاتَ مساء،
فيمنحني اسمًا، ويهبني من الأحلامِ ما شاء.
قالت إنَّها ابنةُ حسبٍ ونسب،
وإنَّ العلمَ والمالَ في كفَّيها إرثٌ لا يُغتصب،
أمَّا أنا، فليس لي من زادِ الدنيا سوى عينينِ لازورديَّتين،
وليس لي من رأسِ المالِ غيرُ ملامحَ فاتنة،
فما عليَّ، في قاموسِها، سوى انتظارِ ابنِ الحلال،
لأُسدلَ الستارَ على حلمٍ وُلدَ في غيرِ أوانه،
وأُسلِّمَ مفاتيحَ الغدِ لرجلٍ يختارُ لي عنواني.
لم أجادلها…
فبعضُ الكلامِ لا يستحقُّ عناءَ الردود،
وبعضُ الأحلامِ تُسقى بالصبرِ، لا بالوعود،
وبعضُ البذورِ، وإن طالَ عليها ليلُ الجحود،
تشقُّ صخرَ الأرضِ يومًا، وتُعلنُ أنَّ للحياةِ عهودًا.
مرَّتِ السنواتُ، وانطوتْ صفحاتٌ من العمر،
وتبدَّلتْ في دروبِ الحكايةِ ملامحُ القدر،
فإذا بالفتاةِ التي استصغرتْها العيون،
تخطو نحوَ المجدِ بخطًى لا تعرفُ السكون.
أصبحتُ أستاذةً…
أغرسُ في عقولِ الصغارِ بذورَ النور،
وأفتحُ للمعرفةِ نوافذَ كانتْ موصدةً خلفَ الأسوار،
أُعلِّمُ الحرفَ كيف يستقيمُ،
وأُربِّي في النفوسِ حلمًا لا يضيقُ به المقام،
وأصنعُ من الدرسِ رسالةً، ومن التربيةِ التزامًا،
وأمنحُ الأجيالَ من روحي ما استطعتُ من سلام.
وأصبحتُ كاتبةً…
أستخرجُ من صمتِ السنينِ ضجيجَ المعاني،
وأُلبسُ أوجاعي ثوبَ البيان،
وأمدُّ على بياضِ الورقِ جسورًا إلى المجهول،
فإذا بالحرفِ الذي استهانوا به يومًا
يفتحُ لي أبوابًا لم تفتحْها مفاتيحُ المال،
ولا شفاعةُ الأنساب،
ولا بريقُ المظاهرِ الزائل.
يا صاحبةَ الابتسامةِ الساخرة،
هل تذكرينَ تلكَ الفتاةَ التي حسبتِها بلا غد؟
هل تذكرينَ أحلامَها التي وضعتِها في قفصِ المستحيل؟
لقد كبرتْ أحلامُها،
وصارَ لها منبرٌ، وصوتٌ، وأثر،
وصارتْ تكتبُ اسمَها بمدادِ الاجتهاد،
لا بحبرِ التفاخرِ والافتخار.
لم أعدْ تلكَ الفتاةَ التي تنتظرُ اعترافًا من أحد،
ولا التي تستجدي من العيونِ رضاها،
ولا التي تُربكُها المقارنةُ حينَ تُرفعُ الأسماء،
لقد أدركتُ أنَّ الإنسانَ لا يُقاسُ بما يملكُ من مال،
ولا بما يورثُه من جاه،
بل بما يُشيِّدُه في ذاته من علم،
وما يتركُه في دروبِ الآخرينَ من أثر.
أنا ابنةُ المحاولةِ التي لم تستسلم،
وابنةُ الطريقِ الذي طالَ ولم أندم،
وابنةُ الحلمِ الذي كلَّما حاصرتْه السخريةُ
ازدادَ في أعماقي تجذُّرًا وتألقًا.
ولستُ اليومَ أكتبُ لأردَّ الإهانةَ بإهانة،
ولا لأضعَ نجاحي في وجهِ أحدٍ راية،
فما أضيقَ المجدَ إن كان غايتَه التشفي،
وما أفقرَ الانتصارَ إن ظلَّ أسيرَ الضغينة.
إنما أكتبُ لأنَّ في داخلي يقينًا لا ينحني:
أنَّ الذينَ يُحاصرونَ أحلامَنا بأحكامِهم
لا يملكونَ مفاتيحَ أقدارِنا،
وأنَّ الذينَ يختزلونَنا في ملامحِنا
لا يعرفونَ كم من العواصفِ تنامُ خلفَ ابتساماتِنا،
وكم من المعاركِ الصامتةِ نخوضُها
لنصلَ إلى أنفسِنا.
أما عينايَ اللازورديتان،
اللتان جعلتِهما كلَّ ما أملكُ من رأسمال،
فقد ظلَّتا نافذتينِ أُطلُّ منهما على الحياة،
لكنَّ الذي حملني إلى الضفةِ الأخرى
لم يكن لونَ العينين،
بل بصيرةُ العقل، وعزيمةُ الروح، وإيمانٌ لا يزول.
فيا من ظننتِ أنَّ مكاني بيتُ الجهلِ المهجور،
ها أنا أُشيِّدُ من العلمِ بيتًا،
ومن الأدبِ نافذةً،
ومن الحرفِ قنديلًا لا يخبو.
لم أحتجْ إلى أن أكونَ ابنةَ المالِ كي أبلغَ مقصدي،
ولا إلى أن أستعيرَ من الأنسابِ مجدًا لا يخصُّني،
لقد كان لي حلمٌ صغير،
وقلبٌ كبير،
وقلمٌ آمنَ بأنَّ للكلمةِ جناحين،
وأنَّ من يُحسنُ التحليقَ لا تُقيِّدُه الأرض.
واليومَ، حينَ أستعيدُ تلكَ الضحكاتِ القديمة،
لا أشعرُ بالرغبةِ في الانتقام،
بل أبتسمُ لذلكَ الزمنِ الذي ظنَّ أنَّه يعرفُ نهايتي،
ولم يكنْ يعرفُ أنَّ الحكايةَ لم تبدأْ بعد.
فما كلُّ فتاةٍ تنتظرُ ابنَ الحلالِ لتكتملَ حكايتُها،
ولا كلُّ عينينِ جميلتينِ تختصرانِ صاحبتَهما،
ولا كلُّ حلمٍ استصغرهُ الناسُ وُلدَ ليموت.
فثمَّةَ نساءٌ يصنعنَ من العلمِ مجدًا،
ومن الأدبِ خلودًا،
ومن الخيباتِ سلَّمًا إلى العُلا…
وكنتُ واحدةً منهنَّ؛
فتاةً أرادوا لها أن تنتظرَ الحياة،
فمضتْ إليها،
وأرادوا لها أن تكونَ حكايةً عابرة،
فأمسكتْ بالقلمِ…
وصارتْ هي التي تكتبُ الحكايات.

الجزائر

شاهد أيضاً

نبيلة متوج تكتب.. غائب بنكهة المطر

سَنواتٌ مَضَتْ تَساقطَتْ أَوراقُ ذاكِرَةٍأَوراقُ خَريفٍ،ذاتَ حَشرَجَةٍلَمْ تَزلْ حَيَّةً!ما اَنتهَتْ فُصُولٌ،عَلـىٰ مَوانِئٍ راسياتْتَراءَتْ سَنواتٌ شاحبَةٌ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *