الثلاثاء , 20 أكتوبر 2026

د. حَمَادَةَ السَّيِّدِ عَلِيٍّ يكتب.. صَرْخَةُ وَعْيٍ وَصَحْوَةُ عَقْلٍ.. فِي وَجْهِ الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى لِحَقْنِ دِمَاءِ الْأُمَّةِ


كَمْ هُوَ مُؤْلِمٌ أَنْ تَلُوحَ فِي الْأُفُقِ بَوَادِرُ عَاصِفَةٍ هَوْجَاءَ، تُقَسِّمُ مَا اجْتَمَعَ عَلَى الْحَقِّ، وَتُشْعِلُ نَارًا تُحْرِقُ الْأَخْضَرَ وَالْيَابِسَ.
أَرْجُو أَلَّا تَكُونَ حَرْبُ الشِّيعَةِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي يُخَطِّطُ لَهَا العَدُوُّ لِتَسْتَمِرَّ خَمْسِينَ عَاماً فِي اسْتِنْزَافِ مُقَدَّرَاتِنَا قَدْ وَضَعَتْ أَوْزَارَهَا الأُولَى عَلَى أَرْضِ الوَاقِعِ.
إِنَّنَا جَمِيعًا عَرَبٌ نَلْتَقِي تَحْتَ سَمَاءِ الْعُرُوبَةِ، وَمُسْلِمُونَ نَتَوَجَّهُ إِلَى قِبْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَجْمَعُنَا أَوَاصِرُ الدِّينِ وَالتَّارِيخِ وَالْمَصِيرِ الْمُشْتَرَكِ.
فَلِمَاذَا يُرَادُ لَنَا أَنْ نَتَحَوَّلَ إِلَى وَقُودٍ لِصِرَاعَاتٍ عَبَثِيَّةٍ لَا نَاقَةَ لَنَا فِيهَا وَلَا جَمَلَ، سِوَى تَحْقِيقِ أَهْدَافِ أَطْمَاعٍ خَارِجِيَّةٍ تَتَغَذَّى عَلَى دِمَائِنَا وَتُمَزِّقُ صُفُوفَنَا؟
إِنَّ رُقْعَةَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ الْمَلْعُونَةِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَيْنَا وَحْدَنَا، بَلْ يُدَبَّرُ فِي لَيْلٍ بَهِيمٍ لِتَدْخُلَ فِي أُتُونِهَا قُوًى إِقْلِيمِيَّةٌ كُبْرَى كَتُرْكِيَا وَبَاكِسْتَانَ؛ لِتَتَّسِعَ دَائِرَةُ الدَّمَارِ، وَتَتَحَوَّلَ الْمِنْطَقَةُ بِأَسْرِهَا إِلَى سَاحَةِ حَرْبٍ عَالَمِيَّةٍ بِالْوِكَالَةِ، تُدَارُ بِأَيْدِي أَبْنَائِنَا وَتُحْرَقُ فِيهَا ثَرَوَاتُ أَجْيَالِنَا الْقَادِمَةِ.
لَقَدْ غَفَلَ الكَثِيرُونَ عَنْ حَقِيقَةٍ سَاطِعَةٍ كَالشَّمْسِ: إِنَّ الأَعْدَاءَ يُخَطِّطُونَ لِهَذَا السِّينَارْيُو مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ.
غَايَتُهُمُ الوَحِيدَةُ هِيَ إِنْهَاكُ هِلَالِنَا الحَضَارِيِّ، وَإِلْهَاءُ شُعُوبِنَا بِنِزَاعَاتٍ مَذْهَبِيَّةٍ وَعِرْقِيَّةٍ مُصْطَنَعَةٍ، لِيَبْقَى الكِيَانُ الحَقِيقِيُّ المُسْتَفِيدُ الوَحِيدُ هُوَ مَنْ يَصْنَعُ السِّلَاحَ وَيُغَذِّي جَذْوَةَ الكَرَاهِيَةِ مِنْ خَلْفِ السِّتَارِ.
أَلَا فَلْنُفِقْ مِنْ هَذَا السُّبَاتِ العَمِيقِ؛ فَالتَّارِيخُ لَنْ يَرْحَمَ أَحَدًا، وَالْوَعْيُ هُوَ طَوْقُ النَّجَاةِ الْوَحِيدُ.
إِنَّ الدَّمَ العَرَبِيَّ وَالإِسْلَامِيَّ أَغْلَى بِكَثِيرٍ مِنْ أَنْ يُرَاقَ عَلَى مَذْبَحِ المُؤَامَرَاتِ، وَالوِحْدَةُ هِيَ السِّلَاحُ الأَبَدِيُّ الَّذِي تُكْسَرُ عَلَى صَخْرَتِهِ كُلُّ مَشَارِيعِ التَّفْتِيتِ وَالتَّمْزِيقِ.
وَمَعَ هَذَا المُنْعَطَفِ الخَطِيرِ الَّذِي يُنْبِئُ بِتَحَدِّيَاتٍ جِسَامٍ، يَبْرُزُ السُّؤَالُ المَفْصِلِيُّ: مَنْ هِيَ المَرْجِعِيَّةُ الكُبْرَى الَّتِي تَقِفُ اليَوْمَ لِتَرْأَبَ الصَّدْعَ، وَتُنَادِي بِالوَحْدَةِ وَالإِخَاءِ؟
الإِجَابَةُ وَبِكُلِّ ثِقَةٍ: إِنَّهُ الأَزْهَرُ الشَّرِيفُ؛ عِصْمَةُ العَقْلِ وَضَمِيرُ التَّارِيخِ، الَّذِي يَخْطُو خُطْوَةً اسْتِرَاتِيجِيَّةً وَتَارِيخِيَّةً بِكُلِّ المَقَايِيسِ.
فَمِنْ قَلْبِ الأَلَمِ وَعُمْقِ المَسْؤُولِيَّةِ، خَرَجَ عَلَى الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالعَرَبِيَّةِ فَضِيلَةُ الإِمَامِ الأَكْبَرِ شَيْخُ الأَزْهَرِ الدُّكْتُورُ أَحْمَدُ الطَّيِّبُ بِنِدَاءٍ عَاجِلٍ وَصَارِخٍ مُوَجَّهٍ إِلَى كَافَّةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وَالإِسْلَامِيَّةِ يَدْعُو فِي جَوْهَرِهِ إِلَى:
● الوَقْفِ الفَوْرِيِّ وَالشَّامِلِ لِلْحُرُوبِ وَالاِقْتِتَالِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الأُمَّةِ الوَاحِدَةِ.
● تَشْكِيلِ لَجْنَةِ وِسَاطَةٍ عَاجِلَةٍ مِنْ حُكَمَاءِ وَعُقَلَاءِ العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ؛ تَمْتَلِكُ الإِرَادَةَ الصَّادِقَةَ لِلتَّدَخُّلِ، وَتَقْرِيبِ وِجْهَاتِ النَّظَرِ، وَإِصْلَاحِ ذَاتِ البَيْنِ، وَحَقْنِ الدِّمَاءِ.
فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يُحَارِبَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَسْتَنْزِفُوا ثَرَوَاتِهِمْ لِمَصْلَحَةِ الْمُنْتَفِعِينَ الْخَارِجِيِّينَ، حَانَ الْوَقْتُ لِيَتَدَخَّلَ الْعُقَلَاءُ لِوَقْفِ نَزِيفِ الدِّمَاءِ.
ذَلِكَ أَنَّ التَّفَرُّقَ وَالتَّنَاحُرَ هُمَا السَّبَبُ الرَّئِيسُ فِي ضَعْفِنَا، وَاسْتِبَاحَةِ حُرُمَاتِنَا، وَتَبْدِيدِ مُقَدَّرَاتِ أَبْنَائِنَا فِي حُرُوبٍ صِفْرِيَّةٍ خَاسِرَةٍ.
وَلَمْ يَقِفْ دَوْرُ الْأَزْهَرِ عِنْدَ حُدُودِ التَّشْخِيصِ، بَلْ أَعْلَنَ اسْتِعْدَادَهُ التَّامَّ لِبَذْلِ أَقْصَى الْجُهُودِ لِدَعْمِ “لَجْنَةِ الْوِسَاطَةِ” الْمُقْتَرَحَةِ، وَالتَّحَرُّكِ رَسْمِيًّا عَلَى أَعْلَى الْمُسْتَوَيَاتِ لِإِنْهَاءِ الْخِلَافَاتِ، وَحِفْظِ سِيَادَةِ الدُّوَلِ، وَصِيَانَةِ كَرَامَةِ الشُّعُوبِ.
إِنَّ الرِّسَالَةَ اليَوْمَ أَوْضَحُ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، فَالوَحْدَةُ وَجَمْعُ الشَّمْلِ هُمَا طَوْقُ النَّجَاةِ الوَحِيدُ، فَكَفَى سُقُوطاً وَهَدْراً لِلدِّمَاءِ وَتَدْمِيراً لِمُقَدَّرَاتِ العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ.
فَلَقَدْ آنَ الْأَوَانُ لِنَعُودَ إِلَى حَبْلِ اللَّهِ وَنَعْتَصِمَ بِهِ جَمِيعاً، كَمَا أَمَرَنَا الْخَالِقُ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى لَا تَتَدَاعَى عَلَيْنَا الْأُمَمُ كَمَا تَتَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا.
وَفِي الْوَاقِعِ مَا زَالَ هُنَاكَ طَرِيقٌ آخَرُ سِوَى الْحَرْبِ وَالدَّمَارِ؛ طَرِيقٌ عُنْوَانُهُ الصُّلْحُ، وَالْعَقْلُ، وَالْحِكْمَةُ، انْطِلَاقًا مِنْ إِيمَانٍ ثَابِتٍ بِأَنَّ دَمَ الْعَرَبِ أَغْلَى مِنْ كُلِّ الْمَصَالِحِ السِّيَاسِيَّةِ الضَّيِّقَةِ.
فَهَلْ مِنْ عَاقِلٍ يَسْتَمِعُ لِهَذَا النِّدَاءِ التَّارِيخِيِّ؟ وَهَلْ تَجِدُ هَذِهِ الْخُطْوَةُ الْمُبَارَكَةُ مِنَ النَّجَاحِ مَا يُعِيدُ لِلْأُمَّةِ مَجْدَهَا؟ فَلَعَلَّ هَذَا النِّدَاءَ يَكُونُ بِدَايَةَ الْيَقَظَةِ وَفَجْرَ التَّصَالُحِ الشَّامِلِ.

الْكَاتِبِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَخَصِّصِ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ

شاهد أيضاً

أمنية القطان تكتب.. نحن لا نعيش أزمة أخلاق فقط.. بل أزمة ضمير

لم تعد المشكلة في مجتمعنا أننا لا نعرف الصواب من الخطأ، بل إننا أصبحنا في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *