الإثنين , 19 أكتوبر 2026

جمال المتولى جمعة يكتب.. من يملك حق اختيار رئيس مصر ؟


فى ظل تصاعد النقاش حول اعداد وتأهيل شخصيات لتولى المناصب القيادية فى الدولة وصولا الى منصب رئيس الجمهورية تتجدد تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا التوجه وحدوده الدستورية والسياسية ومدى اتساقه مع مبادىء التعددية الحزبية والديمقراطية وحق المواطنين فى اختيار من يمثلهم فهل تحتاج مصر الى اعداد رئيس وفق رؤية تحددها السلطة القائمة أم الى بناء حياة سياسية حقيقية تفرز قيادات مؤهلة تتنافس ببرامج واضحة وتحظى بثقة الشعب؟ وبين متطلبات الكفاءة السياسية والادارية ومخاوف إعادة انتاج السياسات القائمة يبرز السؤال الاهم من يملك حق تحديد مواصفات الرئيس القادم ومن يقرر من يتولى قيادة البلاد ؟
الرئيس القادم لا ينبغي ان يكون مجرد شخص يجرى اعداده لتولى المنصب بل شخصية تمتلك بالفعل المقومات التي تؤهلها لتحمل المسؤولية وتطرح على المصريين مشروعا واضحا لإدارة الدولة وبرنامجا واقعيا لحل مشكلاتهم وتحقيق تطلعاتهم فالشعب ليس مطالبا بمنح ثقته لشخص لمجرد انه اجتاز برنامجا للتأهيل وانما من حقه ان يختار من يقتنع بكفاءته ونزاهته وقدرته على ادارة شؤون البلاد .
وهنا يبرز سؤال جوهري ما جدوى الاحزاب السياسية وما قيمة تعدد الافكار والرؤى والبرامج اذا كانت عملية اعداد القيادات ستنتهى الى انتاج شخصيات تتبنى العقلية ذاتها أليست الديمقراطية قائمة فى جوهرها على الاختلاف والتنافس وتقديم البدائل لا على توحيد الافكار وصناعة نموذج واحد للقيادة ؟
ان الاحزاب السياسية الحقيقية ليست مجرد كيانات تحمل اسماء وشعارات بل مدارس للعمل العام ومنصات لإعداد الكفاءات ومساحات لتداول الافكار ومناقشة السياسات وأليات لاكتشاف القيادات القادرة على التعبير عن مصالح المواطنين وتكتسب الاحزاب شرعيتها الحقيقية من الشارع حين يقتنع المواطنون ببرامجها ويثقون فى اعضائها ويرون فى مواقفهم وافعالهم دليلا على صدقهم واخلاصهم وقدرتهم على خدمة الوطن .
اما الحديث عن اعداد رئيس الجمهورية فيفتح الباب امام تساؤلات دستورية وسياسية مشروعة لا يجوز تجاهلها او التعامل معها بإعتبارها اعتراضا على فكرة تطوير الكفاءات .
اذا كان المبدأ المعلن هو عدم المساس بالدستور فمن حق المواطنين أن يسألوا هل يحدد الدستور سنا أقصى للترشح لرئاسة الجمهورية يتجاوزها المرشح فلا يحق له الترشح؟ وهل يمنح الدستور رئيس الجمهورية سلطة تحديد مواصفات الرئيس الذى سيأتى من بعده؟ وهل توجد صلاحية دستورية تجعل مؤسسة من مؤسسات الدولة مسؤولة عن اختيار اشخاص بعينهم واعدادهم لتولى منصب رئيس الجمهورية أو غيره من المناصب السياسية العليا ؟
هذه اسئلة تستحق اجابات واضحة تستند الى النصوص الدستورية والقانونية , لا الى التفسيرات السياسية أو الاجتهادات الشخصية .
وبعيدا عن الجدل الدستورى هناك أسئلة أخرى لا تقل اهمية: هل اثبتت الحكومة الحالية نجاحا يجعل تجربتها نموذجا يحتذى فى اعداد من سيتولون ادارة البلاد مستقبلا ؟ واذا كان الهدف هو اعداد قيادات جديدة فلماذا لا يكون التركيز اولا على معالجة الازمات الاقتصادية والاجتماعية وازالة العقبات أمام الاستثمار والانتاج وتطوير التعليم والصحة وتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة ؟
هل تكمن مساعدة الرئيس القادم فى تدريبه على ادارة الازمات أم فى تسليمه دولة تمتلك مؤسسات قوية واقتصادا أكثر قدرة على الصمود وملفات واضحة وسياسات قابلة للمراجعة والمحاسبة ؟
بل ان السؤال الاكثر حساسية هو كيف نضمن ألا تتحول عملية إعداد القيادات الى وسيلة لإعادة انتاج السياسات القائمة أو لضمان استمرار النهج نفسه بعد انتهاء ولاية المسؤولين الحاليين ؟ وكيف نطمئن الى ان الرئيس القادم سيكون قادرا على مراجعة اخطاء من سبقوه ومحاسبة المسؤولين عنها وفقا للقانون اذا كان اختياره أو تأهيله مرتبطا بمنظومة تخشى بطبيعتها النقد والمراجعة ؟
لا يعنى ذلك رفض اعداد الكوادر أو تطوير مهارات المسؤولين: فالدول الناجحة تحتاج الى مؤسسات تدريب وتطوير مستمر لكن هناك فرقا جوهريا بين تأهيل الموظفين والمسؤولين لتحسين ادائهم وبين تقديم شخص بعينه باعتباره المرشح الذى يجرى إعداده لتولى أعلى منصب سياسي فى الدولة الأول استثمار فى كفاءة المؤسسات أما الثانى فيثير تساؤلات حول تكافؤ الفرص وحرية المنافسة وحق المواطنين فى الاختيار وهى مبادىء تتصل بما قرره الدستور فى المواد 4,5,53,87 وبالقواعد الاجرائية الواردة فى قانونى مباشرة الحقوق السياسية وتنظيم الانتخابات الرئاسية .
كما أن الكفاءة القيادية لا تقاس بالشهادات وحدها فحصول المرشح على الدكتوراه لا يضمن نحاحه مثلما أن عدم حصوله عليها لا يعنى افتقاره الى القدرة على القيادة والتاريخ يقدم نماذج لقادة اكتسبوا خبراتهم من العمل السياسى والنضال العام والتجارب العملية وكانوا اصحاب تأثير كبير فى مسارات بلدانهم .
ومن الامثلة المعروفة نيلسون مانديلا الذى قضى 27 عاما فى السجن قبل ان يصبح رئيسا لجنوب افريقيا ولولا دا سيلفا الذى لم يكن صاحب مسار اكاديمي تقليدى ووصل الى رئاسة البرازيل بعد سنوات من العمل النقابي والسياسي وتؤكد هذه النماذج ان القيادة ليست شهادة تمنح ولا منصبا يورث ولا مهارة يمكن ضمانها بمجرد اجتياز برنامج تدريبي بل هى مزيج من الرؤية والخبرة والنزاهة والقدرة على اتخاذ القرار والاستجابة لاحتياجات المجتمع .
ان الشعب المصري لا يحتاج الى وصاية فى اختيار من يحكمه بل يحتاج الى ضمانات حقيقية تجعل اختياره حرا وواعيا ونزيها . يحتاج الى حياة سياسية تسمح بظهور مرشحين متنوعين وأحزاب قادرة على المنافسة وإعلام يتيح النقاش وانتخابات تضمن تكافؤ الفرص ومؤسسات تلتزم بالدستور والقانون .

المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا

شاهد أيضاً

لواء دكتور سمير فرج يكتب .. الرئيس السادات في غرفة عمليات حرب أكتوبر 1973

كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها الرئيس الراحل محمد أنور السادات في واحد من أهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *