كتب عادل احمد
في خريطة العالم المعاصر، حيث ترسم الحدود بالدقة والصرامة وتتنافس الدول على كل شبر من أراضيها، توجد بقعة جغرافية فريدة من نوعها تقف كاستثناء صارخ لكل قواعد القانون الدولي؛ إنها “بئر طويل”، تلك القطعة الصحراوية القاحلة التي لا ترفع علم أي دولة رسمياً، والتي أصبحت لغزاً جيوسياسياً ومحط أنظار المغامرين والباحثين عن المستحيل.
لغز الحدود.. كيف نشأت الأرض المنسية؟
يعود سر الوضع الفريد لمنطقة “بئر طويل” إلى قرارات الإدارة الاستعمارية البريطانية في أوائل القرن العشرين، وتحديداً بين اتفاقية ترسيم الحدود السياسية لعام 1899 (خط عرض 22)، والتعديل الإداري الذي أُجري عام 1899-1902 لتسيير شؤون القبائل المحلية.
هذا التداخل القانوني أدى إلى معادلة معقدة بين مصر والسودان؛ إذ تتمسك كل دولة بالحدود التي تضمن لها السيادة على “مثلث حلايب وشلاتين” الاستراتيجي والساحل الحيوي، وفي سبيل ذلك، تتخلى كل دولة رسميًا عن تبعية “بئر طويل” لنفسها، لأن الاعتراف بالسيادة عليها يعني ضمنياً التنازل عن حلايب. والنتيجة القانونية الفريدة: أرض بمساحة تفوق 2,000 كيلومتر مربع لا تطالب بها أي دولة في العالم.
جغرافيا قاسية وملاذ للموسميين
رغم اسمها الذي يوحي بوجود مورد مائي، إلا أن “بئر طويل” عبارة عن منطقة صحراوية قاحلة ومقفرة، تخلو من أي مستوطنات بشرية دائمة أو بنية تحتية أو سواحل بحرية. ولا يرتادها سوى بعض الرعاة المحليين من القبائل مثل العبابدة والبشاريين بصفة موسمية حين تجود السماء ببعض الأمطار النادرة.
هوس “الممالك الوهمية” ومغامرات إعلان الدول
وضع “Terra Nullius” (الأرض التي لا يملكها أحد) جعل من بئر طويل مسرحاً طريفاً لمحاولات متكررة من قِبل مغامرين وهواة تأسيس ما يعرف بـ “الدول المجهرية” (Micronations).
فمن محاولة أب أمريكي عام 2014 السفر إلى هناك لرفع علم خاص ليطلق على ابنته لقب “أميرة”، إلى مبادرات فردية أخرى من باحثين ومحبي الإثارة لمحاولة إعلان جمهوريات وهمية، أو إصدار عملات تذكارية وجوازات سفر رمزية. ومع ذلك، تؤكد الدوائر القانونية والدولية مراراً أن هذه المحاولات لا تعدو كونها “فقاعات إعلامية” ومغامرات شخصية، إذ إن القانون الدولي لا يعترف بتأسيس الدول عبر رفع الأعلام الفردية دون اعتراف دولي أو سند قانوني سيادي معتبر.
بين الواقع والخيال
تظل “بئر طويل” علامة فارقة على خريطة الجغرافيا السياسية؛ شاهدةً على إرث استعماري معقد، ومساحة مفتوحة لفضول الباحثين وقصص المغامرين، بينما تقبع بهدوء وسط رمال الصحراء الكبرى، بانتظار تسوية سياسية تجد لها مكاناً واضحاً في السجلات الرسمية للدول.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
