الثلاثاء , 20 أكتوبر 2026

سيد الرشيدي يكتب.. القارئ الذي أبكى الحجر والشجر: محمد صديق المنشاوي



تتسلل حنجرة الشيخ محمد صديق المنشاوي إلى أعماق الروح كأنها تأتي من عوالم قدسية لا تدركها عجلة الزمان ولا تبليها الأيام. منذ نعومة أظافري وأنا متأثراً بصوت المنشاوي ترتيلاً وتجويداً، له سحر قوي يقرأ القرآن من كل قلبه، وعاطفة جياشة تجعل الآيات تنساب نضرة متجددة. عندما أسمع المنشاوي أشعر أني أول مرة أسمع القرآن؛ لقوة قراءته وإخلاصه الذي يلامس الشغاف ويوقظ في النفس دهشة التلقي الأول.
لقد ملك هذا الإمام الفريد كل أدوات القراءة؛ من إحكام لمخارج الحروف، ودقة في تطبيق أحكام التجويد، وفهم عميق لمقاصد الآيات ومعانيها. ولقد مدح الرسول الكريم الأصوات الرائعة الجميلة التي تتغنى بكتاب الله وتزين القرآن بحسن نغمها، وكان المنشاوي في مقدمة هؤلاء الذين أوتوا مزماراً من مزامير آل داود. هذا القارئ الجميل، على الرغم أنه مات من زمن وفارق دنيانا بجسده، فما زال صوته يحيي القلوب، وهو الأعلى استماعاً في العالم الإسلامي وشرق الأرض وغربها. ولقد تجاوزت بركة تلاوته حدود اللغة والألسن؛ لدرجة أن بعض الذين لا يجدون اللغة العربية ولا يفهمون مفرداتها يعشقون سماعه، ومنهم من يبكي عند سماعه روعة وعظمة في الصوت وخشوعاً ينفذ إلى الأفئدة دون ترجمان.
وفي بلدة الشيخ المنشاوي في جنوب الصعيد بسوهاج، حيث الأصالة والعراقة والارتباط الفطري بالقرآن، الجميع يقرأ على قراءته، ويسيرون على نهجه وتأثره في التلاوة. وهم عائلة كبار في التلاوة والعلم، جميعهم يحفظون القرآن؛ الولد والأخ والأب، حتى أضحت مدينتهم مدرسة قرآنية قائمة بذاتها تُستلهم منها عذوبة الترتيل ورسوخ التلقي.

النشأة والمولد في رحاب الصعيد
وُلِد الشيخ محمد صديق المنشاوي في العشرين من يناير عام 1920 م في بلدة المنشاة بمحافظة سوهاج بجنوب الصعيد (حيث نشأت عائلته وشهدت نماء مدرستهم القرائية). نشأ في بيت علم وتصوف وقرآن، ورضع كتاب الله صغيراً على يد والده القارئ الشيخ صديق المنشاوي، وجده الشيخ ثابت المنشاوي الذي كان بدوره من أعلام التلاوة. أتم حفظ القرآن الكريم وهو في الثامنة من عمره، ثم انتقل ليتلقى علوم القراءات والتجويد على كبار شيوخ وقراء عصره، فاجتمع له الراسخ من أصول الفن والشفافية في الأداء.
مدرسة “الصوت الباكي” وأسرار الإعجاز
لم يكن الشيخ المنشاوي مجرد قارئ يمتلك حنجرة قوية ومقامات مسبوكة، بل كان حالة إيمانية تجسد مفهوم “الخشوع الشجي”. ويُمكن إرجاع مكانته الاستثنائية إلى مقومات متعددة:
الصدق والإخلاص:
كان يقرأ القرآن لكتاب الله لا لغاية سواها، فتخرج نبراته محملة بالصدق الذي يصل فوراً إلى قلوب المستمعين.
الشجن النبيل:
عُرف بـ “الصوت الباكي”، لما في صوته من نبرة حزن شفيفة تذكر العبد بالآخرة، وتحثه على التدبر والتفكر في وعد الله ووعيده.
التصوير البياني للآيات:
يمتلك قدرة فائقة على تكييف مقامه الصوتي وفق معاني الآيات؛ ففي آيات الرحمة والبشرى ينبعث من صوته الرجاء، وفي آيات العذاب والوعيد يتجلى الخوف والرهبة، وفي القصص القرآني ينقلك صوته لتعايش الأحداث وكأنك تراها برأيك.

الالتزام التام بالأحكام:
رغم عاطفته الجياشة، لم يطغِ النغم عنده على حساب أحكام التجويد والوقف والابتداء، بل كان نموذجاً يحتذى به في الانضباط والدقة.
تُعد عائلة المنشاوي نموذجاً فريداً في تاريخ مصر الإسلامي؛ فقد تسلسل حفظ القرآن والتلاوة في هذه العائلة كابراً عن كابر. فالأب الشيخ صديق المنشاوي كان من أئمة القراء في الصعيد ورفض التسجيل للإذاعة زاهداً، والأخ الشيخ محمود صديق المنشاوي واصل الميرة والمسيرة بصوت ندي وحفظ متقن، والأبناء والأحفاد واصلوا خدمة كتاب الله. جعل هذا التواتر الأسري من “المنشاة” بسوهاج منارة قرآنية يقصدها طلاب التلاوة والترتيل.
في الحادي عشر من ربيع الثاني عام 1389 هـ (الموافق 20 يونيو 1969 م)، فاضت روحه الكريمة إلى بارئها عن عمر ناهز التاسعة والأربعين عاماً، بعد رحلة حافلة بعطاء قرآن لم ينقطع. ورحل الجسد وبقيت النبرات النورانية تحلّق في سماء العالم، تجلي هموم النفوس، وتغسل قلوب المؤمنين بالدمع والخشوع، ليبقى المنشاوي شمسًا لا تغيب في ديوان التلاوة الخالد.

شاهد أيضاً

د. حَمَادَةَ السَّيِّدِ عَلِيٍّ يكتب.. صَرْخَةُ وَعْيٍ وَصَحْوَةُ عَقْلٍ.. فِي وَجْهِ الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى لِحَقْنِ دِمَاءِ الْأُمَّةِ

كَمْ هُوَ مُؤْلِمٌ أَنْ تَلُوحَ فِي الْأُفُقِ بَوَادِرُ عَاصِفَةٍ هَوْجَاءَ، تُقَسِّمُ مَا اجْتَمَعَ عَلَى الْحَقِّ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *