الأحد , 25 أكتوبر 2026

د. سامح صابر يكتب.. النثر حين يتنفس شعراً: قراءة تحليلية في النثر الفني للدكتور كمال يونس

​

​​قد تجاوز الدكتور كمال يونس حدود النثر التقليدي القائم على التقرير أو السرد التاريخي، ليرتقي به إلى درجات “النثر الفني الشاعر”. النص ليس مجرد مرثية لشخصية رمزية يُشار إليها بالرمز (يَس) والتي تستحضر في أبعادها الشهيد المعاق حركياً ـ المجاهد الصامد (كالشيخ أحمد ياسين أو رمز المقاومة الصامدة) بل هو محاكمة وجدانية للواقع العربي والإسلامي المعاصر، ومواجهة صارخة بين عزيمة “الفرد الرمز” وخنوع “الأمة العاجزة”.
​أولاً: البناء الهيكلي والدينامية الخطابية (نداء التكرار)
​تتأسس بنية النص المعمارية على تقنية “النداء الابتداعي المتكرر”، حيث يبدأ كل مقطع بالرمز (يَس).
​الرمز والإيحاء: يمثل حرفا (يَس) شحنة دينية وروحية مكثفة تستدعي سور القرآن الكريم (“يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ”)، مما يسبغ على الشخصية المناداة هالة من القدسية والنقاء.
​التناص والتكرار الإيقاعي: يعمل التكرار هنا كضربات متتالية على وعي القارئ؛ فالنداء ليس لمجرد الاستغاثة، بل للتحسُّر والتنبيه. الانتقال بين المقاطع يشبه حركة الموج المتردجة من المرثية الحزينة إلى جلد الذات القومية، ثم إلى الثورة.
​ثانياً: المفارقة والتقابل الضدي (القعيد الحرّ، الأمة العاجزة)
. مفارقة الجسد والروح: يتساءل د.كمال يونس في دهشة استنكارية: أقعيد أنت؟… من مقعدك الصدق تبث الثورة، ليرد على نفسه فوراً بحقيقة صادمة: لا.. لا بل نحن القاعدون … المتخاذلون. هنا يقلب د.يونس المفاهيم: المشلول جسدياً هو “طليق الروح” والمحرك للثورة، بينما الأصحاء أجساداً هم “المقعدون حقيقة”، القتلى على قيد الحياة الذين زاروا المقابر … تخاذلا… أحياء.
​مفارقة العزة والهوان: يبرز النص التباين بين طفل حجارة سجيل المعتز بكرامته، وبين الزعيم ـ الأخ المشغول بـ كرسيه المهترئ… ونفطه والدينار والذي يكتفي بـ التنديد والشجب والاستنكار.
​ثالثاً: لغة النص والتصوير البياني
​تتميز لغة د. كمال يونس في هذا النص بالخصائص التالية:
​استدعاء الموروث الديني والتاريخي: ​النص مشحون بالألفاظ والتناصات القرآنية والتاريخية: (حسبك الله، حجارة من سجيل، بنعمة من الله ستنقلبون، ألق سلاحك، أحد أحد، قميصك أين فترتد بصيرة). ​استحضار بلال بن رباح وهو ينادي الصلاة خير من النوم يقابله واقعياً غطيط الأمة الغارقة في نومها الحضاري.
​الأرض والمقدسات: أرض الزيتون المقتلع.. على ثراها الحمامة ذبيحة… ترتدي الحداد. ​الكلمات: المفاهيم تُغتال، ويعثر رفات الحروف على يد زيف السياسة وتجار الكلام.
​القاموس اللغوي الحاد: ​يزاوج الكاتب بين قاموس الألم والهوان (شواء، نار الحقد، غطيط، تجرع الهم) وقاموس الثورة والبعث (القبس، نبع رجولة، القميص البصير، ممحاة إرادة الأحرار).
​ثالثاً: الإيقاع الموسيقي والنفس النثري
​رغم أن النص نثر، إلا أنه يمتلك موسيقى داخلية جارفة تحققت عبر:
​السجع غير التكلفي والتوازن الصوتي: مثل (بلا حول ولا قوة … نقطع أشلاء … أشلاء … فشواء) و (طليق الروح … الأمة تشتم ريحك).
​الجمل القصيرة والفقرات المتدفقة: الجمل جاءت بمثابة زفرات متقطعة تعكس حالة الخنق والحرقة الوجدانية للدكتور كمال (قاوم .. قاوم .. قاوم).
​استخدام الفواصل والتنقيط (علامات الترقيم): الحضور المكثف للنقاط المتتابعة (..) يمنح القارئ مساحة من “الصمت التفكري” بين الفكرة والأخرى، وكأن النص يُقرأ بنَفَسٍ متقطع من شدة الذهول والأسى.
​​إن هذا النص لل د. كمال يونس يُعد وثيقة أدبية وجدانية تشهد على حالة “الاغتراب القومي” ولحظة الانكسار أمام ازدواجية المعايير الدولية وتخاذل النظام الرسمي. استطاع د.يونس عبر أدوات “النثر الشاعر” أن يحول التجربة الذاتية في رثاء البطل الرمز إلى مانيفستو ثوري يرفض الموت ذلاً، ويؤسس لثقافة المقاومة من خلال العبارة الخالدة في ختام نصه:
​”إذا كان من الموت بد .. فمن العار أن تحيا مهاناً .. فمن العار أن تموت صاغراً مهاناً جباناً .. قاوم .. قاوم .. قاوم”.
​

شاهد أيضاً

د. سامح صابر يكتب​.. مدينة الموتى

​يقولون إن هناك مدينة لا تفتح أبوابها إلا لمن ماتوا، لكنني لم أفهم ذلك يوماً: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *