لا يكاد المرء يترجل في أزقة المدينة، أو يركب وسيلة من وسائل المواصلات العامة، أو يجلس في مجمع عام، إلا ويطالعه مشهد شاحب يُدمي القلوب: وجوه شابة غارقة في ظلمة الشاشات، وأصابع تتحرك بآلية مفرغة، وأبصار شاخصة نحو عوالم وهمية. شبابٌ في ريعان الصبا وقوة الفتوة، استُذلّت طاقاتهم الشريفة، وسُلبت منهم نعمة التفكير الحر الواعي، لحساب ألعاب إلكترونية صُممت بذكاء خبيث لامتصاص العقول واستنزاف الأوقات والجيوب. إن الأزمة اليوم لم تعد مجرد تسلية زائدة أو فضول شبابي، بل أضحت افتراساً رقمياً يهدد البنية النفسية والأخلاقية والاجتماعية لجيل بأكمله.
تعتمد هذه الألعاب على إثارة الدوبامين اللحظي، مما يخلق حالة من الإدمان الشديد تماثل تأثير المواد المخدرة، بل تزيد عليها بأنها متوفرة في جيب كل شاب على مدار الساعة. هذا الإدمان يُعطل التفكير النقدي، ويُشتت الذهن، ويفقد الطالب قدرته على التحصيل والاطلاع والاستيعاب الدراسي. ولم تعد الألعاب مجرد شراء لقرص مدمج، بل أصبحت صناعة استنزاف مالي متواصل؛ ولقد حدثني أحد الأصدقاء بمرارة عن تجربة قاسية، حين أكل المرض منه مأخذه، فتوارى عن إدارة شركته لرحلة علاجية وأوكل أمره لابنه ليقوم مقامه، فإذا بالابن الغافل ينفق ما يقارب المليون والنصف مليون جنيه على شحن لعبة إلكترونية وخسائر ملحقة بها خلال أربعة أشهر فقط، في حادثة تقرع ناقوس الخطر حول حجم الاستدراج المالي الذي يمارَس على أبنائنا.
كما أدّت هذه الظاهرة إلى صرف الشباب عن أداء العبادات وعلى رأسها الصلاة، والبعد عن تدبر كتاب الله تعالى، وهجر الأنشطة الرياضية واللقاءات الأسرية، ليحل محل ذلك العزلة التامة وضمور اللياقة الجسدية. ولم يقف الخطر عند حدود اللعبة، بل تعداه إلى تأسيس منتديات ومجتمعات افتراضية تُنشئ عالماً موازياً ينسلخ فيه الشاب عن واقع أسرته ومجتمعه. والأدهى من ذلك دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي على الخط، حيث تُستغل الألعاب والمجتمعات التصويرية في جرائم أخلاقية، وانتهاك الخصوصيات، والتزييف العميق، والتغرير بالقاصرين، مما يهدد السلم الأهلي والتراحم الأسري.
إن مواجهة هذه الموجة الرقمية الجارفة تستدعي حزمة من الإجراءات الحاسمة والمستدامة. تبدأ بالرقابة المنزلية الواعية والضبط الأبوي القائم على الحوار والشفافية، وتفعيل برامج التحكم الأبوي على الأجهزة، وتقنين أوقات الشاشات، وحظر ربط البطاقات البنكية بالأجهزة المتاحة في أيدي الأبناء. يلي ذلك إعادة الاعتبار للحياة الواقعية بإدماج الشباب في أنشطة رياضية منتظمة، وحثهم على القراءة والاطلاع، ومشاركتهم الأنشطة الاجتماعية والأسرية لتنمية الشعور بالمسؤولية.
ولا بد من ترسيخ التربية الإيمانية بربط الأبناء بكتاب الله سجيةً وتعبداً، وإحياء معاني مراقبة الله في الخلوات، واستشعار بركة الوقت وأهمية العمر؛ فالوقت هو أنفاسُنا التي لا تعود. إلى جانب التوعية اللشباب بتكثيف تبصيرهم بكيفية عمل الذكاء الاصطناعي وخبايا العالم الموازي، وتدريبهم على حماية بياناتهم وعدم الانجراف خلف المنتديات المشبوهة أو العلاقات الرقمية الغامضة. إن هذا التقدم الإلكتروني المتسارع سيفٌ ذو حدين، وحين نسيء استخدامه يتحول إلى أداة هدم لشبابنا وركائز مجتمعاتنا، وحماية عقول أبنائنا أمانة في أعناقنا جميعاً، والتدارك اليوم أهون بكثير من الندم غداً.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
