الجمعة , 30 أكتوبر 2026

د. جيهان رفاعي تكتب .. الفن أداةٌ لسموِّ المجتمع


الفن الراقي هو الذي يُمسك بمقودِ الحياةِ على كوكبِ الأرض، لا ليُقلدَ الواقعَ تقليدا حرفيا، بل ليُهذبَهُ تهذيبًا خلاقًا. فالفن لا ينسخ المجتمعَ نسخا، بل يصوغهُ صياغة تسمو به من وحل العادة إلى علياءِ العبادة الجمالية.

للفن نسق جمالي قائم بذاته، بعيد عن قيود القوانين، متحرر بحرية مسؤولة، ورمزيته سلاحه، واستقلاليته بابه للتفاعلِ مع منظومةِ القيمِ كلها، وعلى رأسِها منظومة الأخلاقِ والآداب. فالفن تعالٍ أخلاقي، يعيد صياغةَ الواقعِ بحيث يجعلنا قادرين على قراءته بشكلٍ خلاق، ويحول القراءةَ إبداعًا.

والفن رسالة سامية، والفنانُ الملتزمُ حاملُها وحارسُها. سلوكه ميزان، وتصرفاته برهان، ويظل دائماً تحت أنظارِ جماهيرِهِ وعشاقِ فنهِ، فإذا تواضع ارتفع، وإذا تخلى عن الغرورِ بلغَ الذروة. وكم من فنانٍ نالَ شهرة فطغى، وكم من نجمٍ لمع فغوى، فسقطَ من الذاكرةِ سقوطًا بلا عودة، ومات وهوَ حي في زوايا النسيان. وكم من فنانٍ آخرَ غابَ جسده وحضرَ أثرُهُ، وظلتْ سيرته تفوح عطرًا في أركانِ الزمان.

وميثاق الفن الأخلاقي لا يُكتب في دساتير، ولا تُقامُ لحدودِهِ سجون.
حسبُهُ ضمير يقظ، ووطن يعز، ومواطن يعتز. يبدأُ هذا الضميرُ من اختيارِ اللفظِ الرصين، وينتهي بهجرِ الحركةِ الفجةِ التي تنسف الدلالةَ نسفًا.
والجماهير الواعية ميزان لا يخطئ، تضعُ الفنانَ بأخلاقِهِ في كفة، وبإنتاجه في كفة، فترجحُ كفة الصدقِ على كفةِ التهريج.
وهنا بيت القصيد.. فإذا الفن نزعَ عنه ثوبَ الحياءِ عاد عاراً، وإذا خلعَ عنه رداءَ الأدبِ عاد عيباً. وما رأيناه في بعض المهرجاناتِ من تنافسٍ على كشفِ الجسد أكثر من التنافسِ على كشفِ الموهبة، لهو دليلٌ على أن البوصلةَ قد مالتْ، وأن الميزان قد اختل.
إن الفنانةَ المحترمةَ هي التي تملك الموهبةَ فتغنيها عن موهبةِ الجسد، وتملك الحياءَ فيكون لها تاجاً لا يُخلع، وجمالاً لا يصنع. أين أنتِ يا أم كلثوم بثوبكِ المحتشمِ وصوتكِ المحترم؟ لبستِ الطويلَ فطال ذكركِ، وسترتِ الجسدَ فسمت روحكِ. وأين أنتِ يا سيدةَ الشاشةِ فاتن حمامة وسيدةَ الحياء؟ كنتِ رمزاً للرقةِ لا للعري، وللأدبِ لا للابتذال.
ولذلك، حين قامت سيدة جليلة ربت أجيالاً على الحب، فقالت كلمةَ أمٍ مشفقة: “كلُّ مكانٍ له مكانته، وكلُّ عمرٍ له طريقته، وخافوا على مظهركم ليَفخرَ بكم أبناؤكم”، كان يجبُ أن يُسمعَ نصحها، لا أن يُطلبَ اعتذارها. فالأمُّ إذا نصحت لا تُعاقب، والكبيرة إذا وجهت لا تُحاسب، فكيف إذا كان نصحها أن الفنَ سموٌّ لا عري، ورقي لا ابتذال؟
إن الفن الحقيقي هو الفنُّ الملتزم بالقيم، الذي يُحيي البطولاتِ ويحيي القيمَ العربية الأصيلة. الفنانُ الصادقُ يستمد من التاريخِ عبره، ومن الواقعِ دروسَه، فيجسدُها عملاً فنيا يُعيدُ صياغةَ الإنسانِ، ويعيد بناءَ القيمِ بوسائل جماليةٍ تأسر العقل وتأخذ القلب. وهذا يعكس مدى حب الناس للفن الراقي حين يزهر في بستانه.

شاهد أيضاً

محمد الحلو ونادية مصطفي يعيدان رحيق الزمن الجميل .. ووعد البحيري تعيد أصالة التراث

كتب نادر أحمد : بين أصالة الغناء وسحر الطرب عاش جمهور مهرجان الموسيقي العربية ليلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *