ليس كل اعتراف يصدر عن متهم يصلح لإدانته، وليس كل متهم يعترف ثم يعدل عن اعترافه يكون قد أفلت من أثره القانوني.
فالاعتراف في المواد الجنائية من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع سلطة تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات، لكنه لا يكتسب قوته لمجرد صدوره عن المتهم؛ وإنما تتوقف قيمته على سلامة الإرادة ووضوح مضمون الاعتراف واطمئنان المحكمة إلى مطابقته للحقيقة.
أولاً: متى يكون الاعتراف دليلاً صالحاً للإدانة؟
يكون الاعتراف صالحاً للتعويل عليه متى توافرت فيه الضوابط الآتية:
- أن يكون صادراً عن إرادة حرة ومختارة: فلا يكون وليد إكراه مادي أو معنوي أو تهديد، ولا نتيجة ضغط غير مشروع سلب المتهم حرية الاختيار.
- أن يكون واضحاً وصريحاً: بحيث يتضمن إقراراً بارتكاب الجريمة أو بجزء جوهري من وقائعها، ولا يكون مجرد عبارات محتملة أو مبهمة لا تكشف عن حقيقة ما أقر به المتهم.
- أن تطمئن المحكمة إلى صحته ومطابقته للواقع: فللمحكمة أن تقدر الاعتراف في ضوء ظروف صدوره وباقي أدلة الدعوى، ولا يكفي مجرد إثباته بمحضر التحقيق لإلزامها بالأخذ به.
- أن يكون قد طُرح على المحكمة: حتى تتمكن من تقديره ومناقشته في إطار الدعوى المطروحة عليها.
ثانياً: هل يجوز للمحكمة الأخذ باعتراف المتهم ولو عدل عنه؟
نعم.
استقر قضاء محكمة النقض على أن للمحكمة أن تأخذ باعتراف المتهم في أي دور من أدوار التحقيق، ولو عدل عنه بعد ذلك، متى اطمأنت إلى صحته ومطابقته للحقيقة والواقع.
فالعبرة ليست بمجرد تراجع المتهم عن اعترافه، وإنما بمدى اطمئنان المحكمة إلى الاعتراف الأول وظروف صدوره.
وقد قررت محكمة النقض هذا المبدأ في الطعن رقم 10971 لسنة 60 قضائية – جلسة 9 ديسمبر 1991.
ثالثاً: متى يصبح الاعتراف دليلاً غير صالح للإدانة؟
هناك حالات يفقد فيها الاعتراف قيمته القانونية، ومن أهمها:
1- إذا كان وليد الإكراه ولو كان صادقاً.
وهذه من أهم القواعد التي استقرت عليها محكمة النقض؛ فالاعتراف الذي ينتزع بالإكراه لا يجوز التعويل عليه، حتى لو بدا متفقاً مع الحقيقة.
فلا يجوز أن تكون صحة مضمون الاعتراف مبرراً لتجاوز عدم مشروعية الوسيلة التي تم الحصول عليه بها.
وقررت محكمة النقض في الطعن رقم 6241 لسنة 52 قضائية – جلسة 16 فبراير 1983 أن الاعتراف لا يعول عليه ولو كان صادقاً متى كان وليد إكراه كائناً ما كان قدره.
2- إذا كان الاعتراف نتيجة تهديد أو ضغط معنوي أفقد المتهم حرية الاختيار.
فالإكراه ليس بالضرورة أن يكون ضرباً أو تعذيباً؛ فقد يكون تهديداً أو ضغطاً معنوياً مؤثراً في إرادة المتهم، والعبرة بحقيقة الظروف التي أحاطت بالاعتراف ومدى تأثيرها في حرية الاختيار.
3- إذا لم ترد المحكمة على دفع جدي ببطلان الاعتراف للإكراه.
إذا تمسك الدفاع بأن الاعتراف وليد إكراه، وكان الحكم قد عوّل عليه في الإدانة، وجب على المحكمة أن تبحث هذا الدفاع وترد عليه رداً سائغاً يكشف عن تمحيصها له.
ولا يكفي أن تقول المحكمة إنها اطمأنت إلى الاعتراف لمجرد أنه صدر أمام النيابة، أو لأن المتهم لم يذكر الإكراه وقت التحقيق، أو لأن المحقق لم يلاحظ إصابات ظاهرة عليه.
وقد أكدت محكمة النقض ذلك في الطعن رقم 6241 لسنة 52 قضائية – جلسة 16 فبراير 1983، كما قررته في الطعن رقم 23449 لسنة 71 قضائية – جلسة 5 فبراير 2002.
رابعاً: هل الاعتراف أمام الشرطة باطل دائماً؟
لا.
مجرد ورود الاعتراف في محضر الشرطة لا يجعله باطلاً تلقائياً؛ فللمحكمة أن تأخذ بما ورد في محضر جمع الاستدلالات من اعتراف متى اطمأنت إلى صدوره وصحته ومطابقته للواقع.
لكن يجب التفرقة بين سؤال مأمور الضبط القضائي للمتهم عن التهمة، وبين استجوابه تفصيلاً على نحو لا يجيزه القانون.
وقد قررت محكمة النقض في الطعن رقم 10971 لسنة 60 قضائية – جلسة 9 ديسمبر 1991 أن للمحكمة الأخذ بما ورد بمحضر جمع الاستدلالات من اعتراف متى اطمأنت إليه.
خامساً: هل يسقط الاعتراف الباطل إذا وجدت أدلة أخرى في القضية؟
ليس بالضرورة.
إذا كان الحكم قد استند إلى اعتراف ثبت بطلانه بسبب الإكراه، وكان هذا الاعتراف من الأدلة التي تساندت عليها المحكمة في تكوين عقيدتها، فلا يكفي القول بوجود أدلة أخرى لإنقاذ الحكم؛ إذ يجب النظر إلى أثر الدليل الباطل في تكوين عقيدة المحكمة.
وقد قررت محكمة النقض في الطعن رقم 6241 لسنة 52 قضائية – جلسة 16 فبراير 1983 أن بطلان الاعتراف لا يعصم الحكم منه وجود أدلة أخرى، متى تعذر الوقوف على أثر الاعتراف الباطل في النتيجة التي انتهى إليها الحكم.
الخلاصة القانونية:
الاعتراف ليس سيد الأدلة لمجرد أن المتهم نطق به، وإنما قوته مستمدة من سلامة إرادة صاحبه ووضوح مضمونه واطمئنان المحكمة إلى صحته.
فقد يعترف المتهم ثم يعدل عن اعترافه، فتأخذ المحكمة باعترافه الأول إذا اطمأنت إليه.
وقد يعترف أمام جهة التحقيق، ومع ذلك يُطرح اعترافه إذا ثبت أنه وليد إكراه.
ففي القانون الجنائي، لا يكفي أن يكون الاعتراف دليلاً على الجريمة؛ بل يجب أولاً أن يكون دليلاً مشروعاً.
لأن حماية حرية الإنسان وكرامته وضمانات التحقيق ليست عقبة أمام الوصول إلى الحقيقة، وإنما هي جزء من الطريق القانوني للوصول إليها.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
